GCAM_Top
TM_Top
TM_Top-banner_970x250

ماذا عن انتخابات في أوانها..؟

الانتخابات مخلوق ديمقراطي عجيب، استطاع المغاربة بفضل مجهودات تاريخية كبيرة أن يُلبسوه البردعة ويركبوا على ظهره، إلى أن صار مثل بغل أمضى حياته في نقل الآجر لبناء السراب.
حتى لو أنكر جميع السياسيين في المغرب أنهم مأخوذون بالانتخابات، فإن هذا الأمر لن ينفي عنهم التهمة أبدا. والحقيقة أنهم جميعا مصابون بهذه اللوثة الخطيرة التي تفقدهم ذلك المنطق الذي تتطلبه السياسة.
المحللون السياسيون المغاربة يفهمون في كل شيء، ويتحدثون عن الخارطة السياسية المقبلة كمن يقرأ الفنجان. وبما أننا نتحدث عن الفناجين، فلا بأس أن نتساءل قليلا عن سر قدرة بعض الناس على ربط الطالع والمستقبل، بحثالة القهوة المترسبة في الكؤوس. وقد كنت دائما مسكونا بهذه الفكرة، وأصبحت لدي قناعة راسخة مفادها أن قدرة العرافين على قراءة الطالع اعتمادا على كؤوس القهوة، مرتبطة أساسا بالكسل الكبير الذي يصاب به أصحاب تلك الفناجين.. فأول خطوة لصناعة المستقبل هي غسل الكؤوس وعدم تأجيلها إلى الغد.
المحللون السياسيون يلتقون مع قارئي الفناجين في هذه النقطة بالذات، لأنهم يسعون دائما إلى محاولة رسم المستقبل السياسي بتدبر ترسبات المواقف السياسية لهؤلاء الناس الذين يمارسون السياسة.. والحقيقة أن المستقبل السياسي لن يبدأ إلا عندما يبدأ السياسيون في التفكير بجدية في غسل كؤوسهم، إن كانت لديهم، من ترسبات أخطائهم الكارثية في تدبير الشأن العام.
نحتاج في الحقيقة إلى وزير تربية وتعليم، على وجه السرعة، ليعيد التوازن إلى هذه الوزارة العتيدة ويوقف هذا النزيف الذي تسببت فيه السياسة الأخيرة للحكومة. فبسبب انشغال رئيس الحكومة بإضحاك المتحلقين حوله في اللقاءات التي عقدها طوال خمس سنوات، ساهم في ضياع الآلاف من أبناء المغاربة الذين بقوا بدون أساتذة لما يقارب السنة، وحتى عندما تحدثوا عن حل لمشكل الأساتذة المتدربين، لا أحد تحدث عن مستقبل التلاميذ المتدربين الذين قدموا سنة من أعمارهم، وربما أكثر من ذلك، قربانا لهذا المشكل الذي أصبح سياسيا رغم أنه من المفروض أن يكون إنسانيا ويبقى كذلك.
في الجرائد والمجلات والمواقع والمقاهي والمحلبات والمراحيض العمومية والمستشفيات، أنجاكم الله منها، يتحدثون بين الفينة والأخرى عن انتخابات سابقة لأوانها. والحقيقة أن هذا المصطلح الذي ينم عن رعونة كبيرة، لا يمكن أبدا أن يكون حلا للأزمة المغربية ولا المشاكل الاقتصادية التي تتربص فيها الدولة، ولن يوقف حتى المغالطات الكبيرة التي تروجها الحكومة دفاعا عن إنجازات حكومية لا وجود لها. الانتخابات السابقة لأوانها ربما تكون خبرا مفرحا للمعارضة، ما دامت بدون برنامج هي الأخرى، مثل الأغلبية تماما، فإذا كان الزعماء السياسيون الحاليون، لا يتوفرون على رؤية ولا مخططات ولا فلسفة سياسية ولا دراسات لملفات القضايا الوطنية الكبرى، فلا فرق أبدا أن تُجرى الانتخابات بالنسبة لهم، هذه السنة أو التي تليها أو في اليوم الموالي.. إنهم دائما مستعدون للنزول إلى الشارع والمشي في الأسواق ومشاركة المغاربة طعامهم والتقاط الصور الترويجية للحملة الانتخابية التي تتبرأ دائما من الماضي وتعد بمستقبل مشرق.
من المؤسف فعلا أن توجد لدينا نخب من هذا النوع الذي لا يثمن الوقت ولا يجد حرجا أبدا في تمرير الملفات العالقة للحكومة المقبلة، ولا مشكل لديه في التلويح بورقة الانتخابات السابقة لأوانها، وكأن هناك أشياء تأتي في أوانها، والحركات السياسية الصبيانية التي تبدأ بتبادل السب والشتم وتنتهي بالصلح في صالون مغربي، نكاية في كل الذين يأخذون الأمور بجدية في هذا البلد.
البرنامج الوحيد الذي يراهن عليه الزعماء السياسيون في المغرب هذه الأيام، هو ذاكرة السمكة وتيساع الخاطر الذي يتميز به المغاربة ليسامحوهم على الأخطاء الكارثية التي يدفع الفقراء وحدهم تبعاتها. والجميل في الأمر أن هناك متسعا دائما للتراشق وتبادل الاتهامات.. مع حضور فرضية التحالف بعد الانتخابات.
بعد كل هذا.. أليست الديمقراطية المغربية حمارا طاف جميع المداشر السياسية؟ بدلوا له البردعة على الأقل، ما دام لم يلد بعدُ جحشا وسيما لحمل وعود أخرى لا توصل إلى أي مكان.

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة