GCAM_Top
TM_Top
TM_Top-banner_970x250

ماذا يقول سائقو الوزراء!

إدريس شاب لا تفارقه الابتسامة. يعرف أشياء كثيرة، إن سألته عن بعضهما يبتسم، وإن حاولت الإصرار يرد بحكمة الصمت. ومنذ اختارته وظيفة السياقة، ملازما لأكثر من وزير أول وأكثر من وزير دولة، فرض على نفسه أن يكون الصمت رفيقه وسلاحه، يهش به على منزلق طول اللسان.
في الطريق بين الدار البيضاء والرباط رافقته ذات مساء، أغريته بأن يركن سيارة المرسديس الفاخرة جنبا ويأخذ قسطا من الراحة، لأنه كان قدم توا من مراكش دون توقف. فأجاب بعفوية: «لا تنس أن الناس سيتساءلون ماذا يفعل الوزير الأول هنا». مع أن مسؤول الحكومة الأول لم يكن معنا، فقد كان إدريس يراه في سيارته مستويا على المقعد الخلفي، يراجع ما تبقى من أوراق وتقارير، أو يغفو في لحظة استراحة أو يرد على مكالمة من هاتف السيارة القادم عبر الراديو، يوم لم تكن هناك هواتف ذكية أو غبية.
مازحني بالقول بأن سيارات الوزراء وكبار المسؤولين تعرف طريقها، ولا تتوقف إلا عندما تدوس العادة على فرامل المكان المقصود. قلت له إنها تشبه طباع بغال المحتسبين أيام زمان. تقتفي أثر الروائح ورنين الريالات وهدايا تجار الدكاكين. ضحك إدريس وراهن بأنه يستطيع أن يترك المقود أمانة في عنق سيارة الوزير الأول ولن تحيد عن الوجهة التي يقصدها، من مجلس الوزراء إلى البيت أو إلى ملعب كرة القدم، أو إلى اجتماع خارجي. فقد تعلمت أسرار الحياة اليومية لكبار المسؤولين.
أضاف بأن السيارة ليست مثل المكاتب المغلقة التي يفد إليها المدعوون إلى اجتماعات. فقد تحتضن اجتماعا بالغ الأهمية وتشهد أركانها نقاشا ومشاداة وتفاهمات، لكن دور السائق ألا يسمع. لأن النظر إلى الخلف محظور عليه. كما هو الكلام المباح في غير معرفة، إلى أين ومتى؟ من دون إمعان في السؤال. ورأى أن ما يؤرق سائقي سيارات المسؤولين هو أن يطلب إليهم ترك المقود، لأن ذلك قد يدل على عدم الثقة والتوجس.
هل السيارات وحدها لا تنطق بما يدور بداخلها؟ بلى فهناك مسالك الغولف التي يحلو فيها الكلام والنقاش. حتى أن وزيرا سئل يوما إن كان ضروريا اللجوء إلى خفض قيمة الدرهم، فأجاب بما معناه: «إذا كانت الرياح تسير في اتجاه يعاكس ضربات الكرة الصغيرة، فالأفضل تغييرها إلى حيث يقل مفعولها». واستمرت أشواط اللعبة التي انتهت بخفض الدرهم وربح مباراة في غير اتجاه الريح.
لكن كواليس حوار السيارات في غياب سائقيها تكون مثيرة، ومشى وزراء على درب جولاتها التي تطول أو تقصر على إيقاع الحضور والقضايا محور النقاش، وحكى مسؤول أنه فوجئ بمن يطلب إليه النزول من سيارته وإفراغ مقعدها، لأن مكالمة عبر هاتف الراديو نزلت من السماء، ولم يكن الوقت يسمح بالتقاطها في حضور آخرين. إلا أن مستشارا منتفذا كان يفضل الحديث إلى الملك الراحل الحسن الثاني، وهما على متن السيارة. وعزا ذلك إلى أن في وسعه أن يقول ما في جعبته دون أن ينزل من المقصورة، ضمن آداب التجوال على متن السيارات التي تبدو أقرب إلى هواية مفضلة في الهروب من روتين الاجتماعات الرسمية.
أوضح سائق الوزير الأول الشاب أنه على رغم صغر سنه، فقد ابتعد كثيرا عن طيش المرحلة، لأن سياقه السيارة بمسؤول رفيع تعلم التأني والروية وعدم التسرع، ورغب في أن يقضي حياته في نفس المهنة، فقد كان معجبا بالسائقين كبار السن الذين يدفعون إلى الاحترام. ومنهم من رافق كثيرا من الوزراء أثناء تنقلاتهم من تدبير قطاع إلى آخر، مثل السكرتيرة التي تبدأ عملها حسناء ولا تشيخ في عيون مسؤوليها، عبر الوفاء وصون الأسرار والمثابرة في العمل. إذ لا يشارك السواق في معرفة الأسرار سوى السكرتيرات اللواتي تنشأ معهن علاقات «نموذجية» في حفظ صورة الوزير والمدير من أي خدش.
يعرف السائقون أكثر متى يغضب الوزير إلى درجة الصياح، ومتى يفتعل الغضب للتخلص من حرج ما. بل يلمون بأدق التفاصيل التي تكاد تغيب عن ربات البيوت. إنهم أقرب إلى علب أسرار محفوظة في أماكن آمنة، لكن الويل والثبور لمن يعاملهم بازدراء وغير تقدير. وسمعت عن سائق حمل أسرار وزيره إلى زوجته، لأنه سئم ـ معاملة يسميها الاحتقار. فقد كان إذا أوصله إلى حفل غذاء يخرج الوزير من جيبه ورقة من فئة عشرة دراهم يناولها إياه، قصد الذهاب إلى أقرب دكان لاقتناء غذائه. وإذا أنهى عمله في ساعة متأخرة من الليل يطلب إليه أن يركن السيارة في مرآب ويذهب إلى حال سبيله وفي جيبه سعر اقتناء تذكرة حافلة لا تشتغل بعد العاشرة ليلا.
وحمد الله سائقون لأنهم تمكنوا من تدريس أبنائهم في الجامعات ولم يبخل عليهم العاملون معهم بأي نوع من المساعدة، لأنهم يعتبرونهم جزءا من العائلة الصغيرة، وأختم بحكاية عن سائق محترف كان في طريق العودة من الدار البيضاء إلى الرباط، ولأنه كان وحيدا رغب في تزجية الوقت رفقة امرأة التقطها من الشارع. وحين هم بإنزالها طلبت إليه مبلغا من المال أصرت على أن يكون مكتملا بالتمام. تردد في الأمر، وإذا بها تخرج شفرة حلاقة وتضعها على السقف الجلدي للسيارة، مهددة إياه إما أن يدفع أو تمزق جلد السيارة.
أذعن المسكين إلى طلبها، ومن يومها قرر ألا يفتح باب السيارة لغير صاحبها المسؤول الكبير بعد أن دفع كلفة مغامرته غاليا.

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة