ماكينات حصد الأصوات وأطرف المقالب الحزبية بالمغرب

ماكينات حصد الأصوات وأطرف المقالب الحزبية بالمغرب

يونس جنوحي
«عندما تشاهد رئيس الحكومة، عبد الإله بنكيران يتبادل الاتهامات مع زعماء المعارضة، وعندما ترى حميد شباط يقلب الطاولة ويغير الاتجاه. تظن أنه لا يوجد منطق سياسي لدى أحزابنا المغربية، لكن الحقيقة أن هناك منطقا خاصا بالعمل السياسي في المغرب. هكذا بدأ وتطور.. وهذه ملامحه».

أسرار عقود طويلة من الصراعات التي تحكم فيها إدريس البصري وصنعت الزعامات
من الأمور الغريبة أن أقدم الصراعات بين الأحزاب والوزراء ظلت حبيسة صدور الذين عاشوها، ولم يتسرب أقواها إلى الإعلام إلا من خلال بعض الاعترافات المتأخرة لكثيرين ممن مارسوا العمل السياسي في المغرب وعاشوا تلك الفترات بكل تناقضاتها.
مناسبة هذا الكلام هي ما عاشته الأحزاب المغربية هذه الأيام، بعد الاستحقاقات الانتخابية الأخيرة للرابع من شتنبر. فبفضل الشبكات الاجتماعية وتعدد المنابر الإعلامية التي واكبت التطورات الانتخابية، أصبح ممكنا للمغاربة الاطلاع على أبرز الصراعات بين السياسيين، وحتى «الاتهامات» التي يتبادلونها بينهم. وهو ما عرّى بشكل كبير، وغير مسبوق ربما، الواقع السياسي المغربي، وظروف الكواليس الخاصة بتقسيم الخريطة السياسية بين الأحزاب المغربية.
لعل الصراعات السياسية التي عشناها هذه الأيام، تعكس المستوى السياسي المغربي، خصوصا في معركة التحالفات الحزبية الأخيرة لتشكيل خريطة رؤساء الجهات حسب الانتماءات الحزبية، وهو ما جعل الحديث يعود من جديد إلى قضية سيطرة الأحزاب على المدن والقرى، وعمليات تثبيت النفوذ الحزبي والقوة الانتخابية. وكل هذه الأمور تعود إلى سنوات خلت، بشكل بدا معه الواقع السياسي وكأنه يلعب بنفس القواعد القديمة، رغم أن أشياء كثيرة تغيرت.
في فاتح ماي الأخير، رأينا كيف أن النقابات قاطعت الاحتفالات باليوم العالمي للعمال. ونزل بدلهم رئيس الحكومة ونقابة حزبه إلى الشارع وخاطب العمال في عيدهم وكأنه معارض سياسي وليس رئيس حكومة.
هذا الحديث يذكرنا بما وقع في يناير 1959، فعندما عرض بلافريج برنامجه، في إطار لجنة سياسية داخلية، لقي معارضة من المهدي بن بركة وعبد الرحيم بوعبيد وحتى من عبد الله إبراهيم الذي سيصبح وزيرا أول بدوره. وهذا الشرخ أثر كثيرا على الحكومة رغم أن الخلاف كان بين أبناء تيار واحد، ووصل الأمر إلى أن النقابات قاطعت اللجنة السياسية، وتأثر النقاش الاجتماعي في تلك السنة بالخلاف الداخلي بين الفرقاء السياسيين، حتى النقابة وقتها هددت بالانسحاب، لأنها كانت تمثل ذراعا قويا أكثر من أي وقت آخر.
مثل هذه المناوشات السياسية تطورت في أكثر من محطة لتجعل العمل السياسي شبه مستحيل. لكن كانت هناك محطات أخرى، جعلت مثل هذه الوقائع تبدو أقل خطورة.
طيلة الحياة السياسية المغربية، لم يكن الشارع المغربي ليخلو من المواجهات بين الأحزاب السياسية. وقد تابعت وسائل الإعلام المحلية بتأسف واضح ما شاب العمليات الانتخابية من تجاوزات في بعض المناطق، خصوصا وأن العنف كان اللغة الوحيدة التي تبادلتها بعض الأحزاب السياسية في مناطق الصراع حول النفوذ. وهذا السلوك الانتخابي الذي لازمنا إلى سنة 2015، لم يكن وليد اليوم، وإنما تعود أصوله ببساطة إلى أولى العلميات الانتخابية بالمغرب.
سترون في هذا الملف البدايات الأولى للمواجهات السياسية التي كانت تخلو تماما من السياسة، وكيف كانت الأحزاب السياسية المغربية تتصارع من أجل الكراسي الوزارية، وهو الصراع الذي شكل أزمة حقيقية في أول حكومة مغربية، وسرعان ما اعتادت الحكومات الأخرى على الأمر ليصبح عادة سياسية، خصوصا وأن زعماء سياسيين من طينة أخرى، مثل المحجوبي أحرضان وأحمد رضا اكديرة، قد اقتحموا المجال، ووضعوا قواعد جديدة للعبة السياسية.
تبقى بعض الأحداث الدامية، التي لا يمكن لأحد إنكارها، لكنهم يفضلون عدم الحديث عنها، لأنها تكشف ببساطة كيف بدأ العمل السياسي في المغرب، وكيف أن بعض الأحزاب المغربية التي تلعب اليوم بورقة العراقة والقدم في اللعبة السياسية، بدأت لعبتها السياسية بالتصفيات وإزاحة الخصوم بأي وسيلة.
ما وقع من مشاكل في عمر أول حكومة مغربية يكشف بشكل واضح كيف أن السياسة المغربية بدأت فقيرة جدا في مجال الإيمان بالتشارك لممارسة العمل السياسي لما فيه مصلحة البلاد أولا، وأن المصحلة الحزبية ظلت هي العنوان الأبرز، لما بين سنة 1956 وسنة 2015 التي عشنا أطوارها خلال الأسابيع القليلة الماضية.
المصلحة الحزبية تبقى هي المحرك الرئيسي داخل عدد من الأحزاب، سواء منها التي تأسست على نظريات سياسية حقيقية وعلى يد رموز سياسيين حقيقيين، أو تلك التي أنشئت فقط لتأثيث المشهد السياسي أو التحكم فيه من بعيد.
الأحزاب السياسية المغربية، أيضا، عاشت مشاكل كثيرة سواء على المستوى الداخلي أو على مستوى التحالفات الحزبية. وكانت بعض التجارب الحكومية محكوما عليها بالفشل، فقط لأن بعض الأحزاب لم تنجح في التوصل إلى حل بالتراضي في عملية تقاسم الوزارات. ومرت عقود طويلة انتفى فيها هذا الصراع بحكم سيطرة الداخلية على العملية برمتها، خصوصا أيام إدريس البصري، ليتحول الرجل إلى صانع حقيقي للمشهد السياسي بالمغرب، وتتحول الأحزاب السياسية إلى منفذ للتشكيلة التي تراها الداخلية مناسبة، ورغم ذلك فإن الصراعات الانتخابية لم تكن لتتوقف، حتى مع علم الأحزاب أن إدريس البصري كان يضع يده في الانتخابات، وظل الصراع الحزبي يتغذى على الواقع السياسي الذي صنع تلك الأحزاب.
في هذا الملف تجدون الملامح التي صنعت جميع الأزمات السياسية التي مر بها المغرب، وكيف تحولت الانتخابات إلى آليات ضغط بين الأحزاب المتصارعة، بل والخارطة التي تشكل مستقبل العلاقات الحزبية، بعيدا عن البرامج !

قصة أول صراع سياسي مغربي على كراسي الوزارات
أول الصراعات التي تفجرت في الواقع السياسي المغربي، كانت مرتبطة بظروف تعيين أول محكومة في المغرب. وقد كان وقتها الصراع على أشده بين حزب الاستقلال وحزب الشورى والاستقلال الذي يتزعمه الوزاني. تقول مصادر تاريخية متطابقة إن المواجهة كانت على أشدها بين علال الفاسي، زعيم حزب الاستقلال، وزعيم الشورى والاستقلال، رغم أن الاثنين حرصا على عدم الظهور بشكل مباشر في الصراع، لكنهما وجّها الأذرع الحزبية التي دخلت في صراعات دامية في كثير من المدن. والسبب تشكيل الحكومة.
وبشكل أكثر دقة، فإن أول حكومة أسست بالمغرب بعد الاستقلال، تم الإعداد لها في السابع من دجنبر 1955. هذه الحكومة أثارت وقتها لغطا كبيرا، فقد كانت تضم ست وزراء مستقلين بالإضافة إلى 6 وزراء من حزب الشورى والاستقلال. بينما حظي حزب الاستقلال بـ9 وزارات، ورغم أنه كان متفوقا عدديا من ناحية التمثيل إلا أن الأمر أثار استياء عارما في أوساط الاستقلاليين.
الوزراء المستقلون كانوا بزعامة مبارك البكاي، الذي اشتهرت تلك الحكومة باسمه، بالإضافة إلى أسماء أخرى ممثلة في أحمد رضا اكديرة، الذي سنعود له بالتفصيل، حيث حظي بمنصب وزير دولة لأشهر قبل أن يمنح وزارة الدفاع التي لم تؤسس إلا في ماي 1956. فيما آل منصب وزير الداخلية إلى رجل قادم من الداخلية وتربى فيها، ويتعلق الأمر بالقائد حسن اليوسي. هذا الأخير سيخلفه في المنصب إدريس المحمدي، وهو الذي اشتهر كوزير وقتها، مباشرة بعد سنة 1956، فيما كان عبد الهادي بوطالب وزيرا للتشغيل، ومحمد الشرقاوي، الذي حاز منصب وزير دولة، بالإضافة إلى عبد القادر بنجلون وزيرا للمالية، فيما آلت وزارة الصناعة والمعادن إلى التهامي الوزاني. هؤلاء بطبيعة الحال كانوا يمثلون حزب الشورى والاستقلال.
حزب الاستقلال حاز تسع وزارات، لكنها لم تكن مقنعة بالنسبة لأعضائه. فحتى بعد أن حاز الحزب وزارة العدل التي جلس على كرسي المسؤولية فيها، ابن الحزب، عبد الكريم بن جلون، وآلت وزارة الأوقاف للمختار السوسي فيما حاز الدويري وزارة الأشغال العمومية. وكان عليهم أن ينتظروا سنة تقريبا، أي أبريل 1956، ليعلن عن إنشاء وزارة الخارجية، ويوضع بلافريج على رأسها بالإضافة إلى وزارة الأنباء التي آلت إلى عبد الله إبراهيم. ورغم ذلك فإن حزب الاستقلال لم يكن مقتنعا بالتوزيع، وكان يرى أنه يجب أن يهيمن على كل شيء، رغم أنه حاز وزارات تجمع بين المهمة والثانوية في تلك الفترة، بل وآلت إليه وزارتا الداخلية والخارجية مباشرة بعد «هزّة» 1956.
كُتب وقتها في مقالات نارية بجريدة العلم، أن الحزب لم يجد وزنه في الأوساط الشعبية ولا كفاءة أطره في التمثيلية التي يمثلها في الحكومة. تسع وزارات لم تكن كافية لحزب الاستقلال، رغم أن أغلبها كانت وزارات سيادية، لكن الاستقلاليين وقتها كانوا يريدون هيمنة حقيقية على جميع الوزارات، وليس أغلبها فقط. حتى أن الاستقلاليين وقتها قالوا إنهم لم يجدوا نضالهم ولا تضحياتهم ولا تقديسهم لشخص محمد الخامس، مجسدا في الرقعة التي منحت لهم، وطالبوا بكراسي أكثر وصلاحيات أكبر.
اتهم الاستقلاليون بأنهم لا يؤمنون بأن اللعبة السياسية تشاركية بالأساس. كانت هناك أيضا حسابات ضيقة في الكواليس، وكانت رغبة الاستقلاليين في إزاحة الشورى والاستقلال كبيرة، حتى أن مواجهات دامية نشبت في مناطق كثيرة، خصوصا في الشمال، بين أنصار الشورى والاستقلال، وممثلي حزب الاستقلال في الأماكن التي لم يهيمنوا فيها.

الصراع الذي كاد يودي بحياة علال الفاسي

لا أحد يجيد لعبة التحليل السياسي لفترة لم يكن أغلب المحللين محظوظين ليعيشوا تفاصيل الصراعات فيها، أكثر من محمد عابد الجابري. هذا الأخير كان شاهدا على عدد من التطورات للأحزاب السياسية المغربية بعد سنة 1956. وقد تحدث مطولا عن تجربة حزب الاستقلال والصراعات بين الأطراف السياسية.
قال إنه لم تكد تمر ستة أشهر على تعيين أول حكومة، وهي الحكومة التي لم تنل رضا حزب الاستقلال رغم الوزارات التسع التي حازها، حتى انفجرت التناقضات بين وزراء حزب الاستقلال ووزراء «القوة الثالثة».
وبما أن وزارة الداخلية وقتها لم تكن تحت سيطرة حزب الاستقلال، ولن يتمكن من حيازتها إلا بعد أشهر، فقد كالت جريدة الحزب اتهامات خطيرة لوزارة الداخلية على عقب أحداث دامية ومواجهات في الشوارع على طريقة العصابات، وهي الأحداث التي كلفت وزير الداخلية، اليوسي، الذي ينتمي لحزب الشورى والاستقلال، منصبه، بعد الهجومات الكثيرة التي خاضها الاستقلاليون ضده إلى أن غادر المنصب. لكن اليوسي لم يبلع الأمر بسهولة، ففي يونيو 1956، لم يستسغ أبدا أن تنتزع منه وزارة الداخلية وتؤول إلى الوزير الاستقلالي، المحمدي. وقال في تصريح لجريدة الرأي العام وقتها: «إن الطريقة الوحيدة لتوحيد المغرب تكمن في إلغاء جميع الأحزاب السياسية والتكتل وراء الملك محمد الخامس». ولم تكن هذه بداية اليوسي، فقد ذهب إلى حد القيام بزيارات لبعض قبائل الأطلس المتوسط أيام كان وزيرا للداخلية، وكان يخطب فيهم ويؤججهم ليهاجم بهم حزب الاستقلال. كان يلقي فيهم خطابات تحث على مهاجمة حزب الاستقلال. ومن بينها: «إن هذه الأحزاب السياسية تنسى أن أغلبية سكان المغرب من البادية وأن أمجاده صنعها أهل البادية وأنه ليس من مصلحة الشعب أن توكل جميع المسؤوليات السياسية والاجتماعية والاقتصادية إلى جماعة تتجاهل القبائل والبادية».
هكذا كان يرى اليوسي في حزب الاستقلال حزب المدينة الذي يجب أن يحارب لأنه يتوسع على حساب البادية. لكن الأمر لم يكن صحيحا بقدر ما كان غاية في نفس اليوسي، وقد نجح في بلوغها في أماكن كثيرة. الكلام ليس صحيحا، لأن حزب الاستقلال كان وقتها حزب بادية أيضا، وكان له أنصار في المدن كما في القرى، حتى أن بعض المداشر كانت تعتبر قلاعا استقلالية حقيقية.
هذه الصراعات كادت تكلف الزعماء حياتهم، فحتى علال الفاسي كانت تحاك ضده محاولة اغتيال على يد بعض أنصار الشورى والاستقلال الذين لم يستسيغوا مقالا له على صفحات جريدة العلم، واعتبروا الاستقلاليين «عنصريين» عندما يلم يرضوا بتقسيم الوزارات بين الحزبين والشخصيات المستقلة الست.
الوزاني بدوره كانت تحاك ضده مؤامرة من طرف بعض الاستقلاليين، خصوصا أيام البوليس السياسي الذي كانت تسيطر عليه أطراف محسوبة بشكل مباشر على حزب الاستقلال، وهو ما جعل الشوريين يوجهون أصابع الاتهام مباشرة لحزب الاستقلال واتهموه بالوقوف وراء عدد من الاختطافات التي طالت بعض مناضليه. وكاد الأمر أن يتحول إلى حمام دماء كبير، لولا بعض التدخلات التي أوقفت النزيف، لكن بعد أن أضعفت حظوظ حزب الشورى والاستقلال.

المحجوبي أحرضان.. ماكينة حصد الأصوات التي أفزعت الأحزاب

لم يكن ممكنا أن يقارن المحجوبي أحرضان مع علال الفاسي ولا مع الوزاني ولا حتى مع المهدي بن بركة الذي لم يكن في البداية قد انشق بعد عن حزب الاستقلال. لكن المحجوبي أحرضان أدرك مبكرا أنه لن يستطيع منافسة هؤلاء فكريا ولا في مجال التنظير السياسي الذي لم يكن يعلم عنه أي شيء. كان أحرضان يعلم أن تحت يديه توجد قوة كبيرة تتمثل في الشعبية الكبيرة التي يحظى بها في منطقته بالأطلس، والرمزية التي يمثلها كرجل نافذ لدى الأمازيغ هناك. لن يجازف هؤلاء بدعم مرشح استقلالي حتى يمثلهم سياسيا رغم أنهم كانوا بعيدين تماما عن أصول اللعبة السياسية، لكنهم لم يترددوا في دعم أحرضان لأنه كان «ولد البلاد»، ولأنه يحدثهم بلسانهم، عكس الاستقلاليين.
وجهت للمحجوبي أحرضان اتهامات خطيرة من طرف الاستقلاليين وقتها، ولا يزال بعضها مدونا في أرشيف جريدة العلم. هذه التهم تمثلت في وقوف أحرضان وراء عمليتي تحريض لأنصاره ضد الاستقلاليين وخوض معارك دامية ضدهم بطريقة العصابات. رغم أن المحجوبي أحرضان حاول أن يبقى بعيدا عن أي صلة بعمل العصابات، إلا أن الاستقلاليين وقتها كانوا يتوفرون على دلائل تشير إلى أن الذين هاجموا الاستقلاليين في عدد من التجمعات، خصوصا خلال الحملات الانتخابية، لم يكونوا يتحركون إلا بأوامر من المحجوبي أحرضان نفسه.
تقول بعض الروايات إن المحجوبي أحرضان توجه خلال سنوات الستينيات إلى بعض قرى الأطلس ليعقد تجمعا خطابيا هناك ويحاول تأجيج الناس ضد حزب الاستقلال حتى لا يقوموا بالتصويت له، مستغلا علاقته ببعض زعماء القبائل هناك، لأنهم يشكلون قوة كبيرة لتوجيه الناس في اختيار الجهة التي سيمنحونها أصواتهم.
أحرضان بدأ خطابه بتوجيه اتهامات لحزب الاستقلال، ولاحظ أن الناس يصفقون له قبل أن ينهي خطابه الذي كان باللغة الأمازيغية، وأزعجه أن يعلو صوت التصفيق على صوته قبل أن ينهي الكلام. فالتفت إلى أحد أصدقائه الذي كان وراء عقد التجمع لصالحه، واستفسره عن الأمر، فأجابه بأن ما سيقوله للناس ليس مهما، وأن عليه أن يركز على بث الحماس فيهم فقط، فابتسم أحرضان وعاد إلى مواصلة حديثه وسط التصفيقات التي لا تنتهي.
هذه الصورة التي لا شك أن الكثيرين ممن رافقوا أحرضان في مسارة السياسي يتذكرونها، تعكس مصدر قوته السياسية التي كانت تقوم على حشد الأنصار قبليا، وليس وفق برنامج سياسي ولا حتى وعود انتخابية !
أحرضان أنشأ حزب الحركة الشعبية سنة 1957 ونجح في حصد الأتباع والمتعاطفين لأنه كان عاملا على الرباط. حتى أنه مباشرة بعد تأسيس الحزب أقيل من منصبه ولم يعد عاملا، ووجهت إليه تهمة سياسية تتمثل في أنه أنشأ حركة سياسية بطريقة غير مشروعة، وهو ما جعله يواجه بعض الصعوبات إلى أن أصبح وجوده السياسي ممكنا، وتعرض بدوره لهجومات استقلالية شرسة للغاية، لكنه كان قوة سياسية أكبر من حزب الشورى والاستقلال بشهادة المتتبعين، لأنه استطاع في ظرف وجيز أن يتحكم في مصادر الأصوات الانتخابية في أبعد النقط التي لم يكن يصل إليها حزب الاستقلال.
لم يكن أحمد رضا اكديرة، الذي مارس وقتها العمل الوزاري، ومثل توجه الملك الحسن الثاني عندما كان وليا للعهد، ليرضى عن اكتساح أحرضان للرقعة السياسية. فكانت الفترة التي أنشأ فيها أحرضان حزبه، موازية تقريبا للفترة التي كان فيها أحمد رضا اكديرة يخطط لتقوية «ناد سياسي» أطلق عليه اسم الأحرار المستقلين. وكان يلقى انتقادا كبيرا لأن صداقته بالحسن الثاني وقتها لم تكن لتخفى على أحد، وصدقت النبوءة لأن النادي السياسي، تحول إلى حزب سيحصد كل شيء بداية الستينات، وستجد الأحزاب الأخرى، صعوبة في الصمود أمامه، حتى أن أحرضان قلب الطاولة أكثر من مرة وهدد بالانسحاب كلما أحس أن قوته القبلية معرضة لخطر الانكماش.

كيف كان اكديرة يشل السياسيين ليهيمن على الانتخابات ؟

في البداية لم يكن أحمد رضا اكديرة بالشخص الذي يقدره الجميع، بل كان أغلب السياسيين ينفرون منه. لكن ومباشرة بعد أن اتضح لهؤلاء السياسيين أنه مدعوم وأن الداخلية كلها أصبحت تحت سيطرته سنة 1961 و1962، وأن الانتخابات بالنسبة له لعبة مربوحة، وأن الحكومات ستتشكل من أبناء حزبه الذين انضموا إلى ناديه السياسي في وقت سابق، حتى سارع بعضهم إلى محاولة كسب وده، والحديث عن التحالفات حتى قبل أن تحدد مواعيد الانتخابات.
حتى أن أحرضان نفسه، وعبد الكريم الخطيب، وعلال الفاسي، كانوا يسجلون توجسهم من أحمد رضا اكديرة، ويحاولون قدر الإمكان عدم الاحتكاك به سياسيا لأنه صديق الملك. وهكذا أصبح أحمد رضا اكديرة شخصا لا يمكن انتقاده بأي شكل من الأشكال.
بالنسبة لعبد الرحيم بوعبيد، الذي كان وقتها قد قطع أشواطا سياسية سمحت له بالحديث خارج حزب الاستقلال، في التيار السياسي الجديد الذي أنجب بداية اليسار المغربي مع المهدي بن بركة وآخرين، بعد نهاية حزب الشورى والاستقلال وانكماشه داخل المشهد السياسي، أمام امتداد كبير للاتحاد الوطني للقوات الشعبية الذي كان الاستقلاليون ينظرون إليه بكثير من العداء، لأن مؤسسة المهدي بن بركة، انشق من دار الاستقلال الكبيرة.

هواية «النكير» وقصص المناوشات التي كانت تقلق الوزراء

قبل أن يدمنها عبد الإله بنكيران أو حميد شباط أو إدريس لشكر، والقائمة طويلة.. فإن «النكير» بين السياسيين بالشكل الذي يضعف العمل السياسي ويخرج عنه، لم يكن رياضة غريبة عن الأوساط السياسية في المغرب.
ولا بأس أن نبحث عن أقدم هذه المناوشات أو أولها، ما دام أمرها كان محرما وقتها على الصحافة. وهو ما نتج عنه أن الشعب كون لفترة طويلة صورة «وقورة» عن السياسيين المغاربة. والحال أنهم كانوا يعيشون فترات شد وجذب خطيرة.
بعيدا عن صراعات المحجوبي أحرضان مع منافسيه منذ أيامه الأولى على رأس حزبه، فقد كانت هناك صراعات كبيرة بين توجه القصر وتوجه بعض الأسماء التي كانت لها علاقة مباشرة بالإدارة الفرنسية حتى بعد الاستقلال. وبما أن حكومة امبارك البكاي في نسختها الأولى لقيت هجومات شرسة من أصوات معارضة، خصوصا من حزب الاستقلال، فإن البكاي تعرض لهجومات وصلت إلى حد الإرهاب النفسي والتهكم السياسي المبطن.
البكاي كان يعاني من العرج، ولم يكن يخفى على أحد أنه كان يستعمل عكازا للمشي، وقصة الضربة التي تلقاها في رجله تعود إلى الأيام التي كان فيها يشتغل بالجيش الفرنسي.
حدث مرة أنه التقى مع مولاي أحمد العلوي الذي سيصبح بعد ذلك وزيرا للأنباء وسيسيطر على الإعلام الرسمي بالمغرب لعقود طويلة، حتى أن اسمه سيصبح مرادفا للخط التحريري الرسمي الصارم الذي يمثل توجه الملك الراحل بشكل مباشر.
كان مولاي أحمد العلوي وقتها ينتقد أداء الحكومة وأراد أن يستهزئ برئيسها امبارك البكاي. فتوجه إليه بالسؤال التالي: «كيف ماشية الأمور؟». ولم يفت البكاي أن يفطن إلى أن مولاي أحمد العلوي يستهزئ من حكومة يقودها رجل أعرج، لأنه كان يحدق في رجله المعاقة في الوقت الذي طرح فيه السؤال عن «مشي» الحكومة وسيرها. فكان أن امبارك البكاي لم يعدم حيلة هو الآخر، وكان يعلم أن مولاي أحمد العلوي كان يعاني من ضعف في البصر، ويستعمل نظارات طبية سميكة بشكل دائم، فنظر إلى عينيه وأجابه: «إنها كما ترى..».
هذه الصورة التي تعكس مستوى المناوشات التي كانت تروج بين السياسيين المغاربة في الخفاء، كانت بشكل أو بآخر تصنع التوجهات الحزبية والتحالفات التي كانت تستعمل للتحكم في الانتخابات خلال مجموعة من الاستحقاقات التي عاشها المغرب منذ الاستقلال.

التركيبة السرية التي نسفت الأحزاب المغربية وجعلت الانتخابات مجرد مسرحيات

بدل أن يحاول أحمد رضا اكديرة أن يقتحم المجال السياسي بالبحث عن التحالفات مع الأحزاب التي سبقته إلى الوجود، كان يخطط منذ نهاية الخمسينات للدخول ملطخا بأشلاء الأحزاب السياسية. لن نجد أفضل من عبد الرحيم بوعبيد ليتحدث عن تلك الفترة، بحكم أنه كان على صلة مباشرة بالملك الحسن الثاني أيام كان وليا للعهد وفي بداية حكمه، ولأن المهدي بن بركة كان وقتها في موقع لا يسمح له بالتقييم. يقول بوعبيد في مذكراته في فقرة يتحدث فيها بإيجاز عن وضعية الأحزاب السياسية عموما في الفترة التي نتحدث عنها الآن: «حزب الاستقلال، الذي لم يكن قد بلور لنفسه مذهباً بعدُ (إذ كان عليه انتظار 11 يناير 1962 لفعل ذلك) كان هو رأس الحربة في عملية النسف هاته، أما الحركة المسماة بالشعبية، فلم تكن أكثر من خليط من الأعيان، بلا انسجام ولا إيديولوجية، تدعي أنها تتحدث باسم العالم القروي. حتى المسكين البكاي نفسه، الذي كنت شخصياً أحترم فيه نوعاً من النزاهة، انجر إلى الدخول في جمهرة الصارخين. وأخيراً، قامت صحيفة «لي فار»، الذي كان مديرها الظاهر هو رضا اكديرة، بتنظيم كل هذا وتنسيقه، ذلك لأنها في الواقع كانت تدار من طرف مساعدين تقنيين فرنسيين متخصصين في السجال والتدليس والتشهير.
لم يكن ولي العهد، مولاي الحسن بدوره يتردد في استعمال السلطة المرتبطة باسمه وبمكانته للعمل بشكل مباشر ضد الحكومة الشرعية التي نصبها والده نفسه. فقد صرح أزيد من مرة أنه أول معارض، وكان تصرفه تصرفاً سياسوياً، بدون تحفظ، ولا أعتقد أنني أبالغ إذا ما ذكرت بأنني كنت ومساعدي هدفاً لكل هذه المعارضات، والعدو اللدود الذي يجب القضاء عليه. وتكفي قراءة صحافة تلك الفترة، ابتداء من 1956 وإلى حدود ماي 1960 للتأكد من ذلك.
ويحق علي أن أشير إلى الموقف الموضوعي والرصين لمحمد الخامس طوال هذه الفترة. فغالبا ما كانت الفرصة تسنح لي لكي أطلب تحكيمه، بل كانت هناك مجالس للوزراء يرأسها هو تطرح فيها القضايا الخلافية. وبعد توضيح من هذا الطرف وذاك، يحسم الملك لصالح وجهة النظر التي كنت أدافع عنها، بل ويكون ولي العهد نفسه حاضراً.
لاشك أن حصيلة العمل الحكومي، طوال الفترة ما بين 1956-1959 مازال مطروحاً إنجازها، والانكباب عليها، لمصلحة ولفائدة التاريخ المعاصر لبلادنا. بيد أن معالم الاستقلال الاقتصادي للمغرب كان قد تم وضعها في ماي 1960 أو كان يتعين استكمالها وتطويرها على ضوء العبر المستخلصة من التجربة».
كلام بوعبيد هنا فيه كثير من التحامل على خصومه السياسيين، لكنه قدم صورة عن التنافس السياسي الذي شكل نسخة أولى من الصراعات السياسية التي عاشتها الأحزاب السياسية الحالية في استحقاقات 4 شتنبر الأخيرة.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة