CAM – Campagne Mobile-Top

مجلس التعاون الاستراتيجي التركي السعودي هل الهدف هو رأس الأسد؟

مجلس التعاون الاستراتيجي التركي السعودي هل الهدف هو رأس الأسد؟

تعيش منطقة الشرق الأوسط هذه الأيام حالة من “الزحام” الشديد في مختلف المجالات. زحمة في الطائرات العسكرية التي تجوب أجواءها من كل الأنواع والجنسيات، زحمة في القوات الأرضية، زحمة في التحالفات ومجالس التعاون العربية والاسلامية، وزحمة في الزيارات والجولات على الصعد كافة، ومع ذلك لم يتم حسم أي من الحروب الدائرة، ولم يتوقف سفك الدماء، وما زالت عمليات الهروب الإنساني بحثا عن ملاذ آمن على الشاطئ الشمالي من المتوسط على أشدها.
ما كاد غبار التحالف الاسلامي الذي أعلنت عن قيامه المملكة العربية السعودية قبل شهر يهدأ، ويكشف عن بلبلة وارتباك، وبراءات منه، من هنا وهناك، حتى فوجئنا بالأمس بالإعلان عن تشكيل مجلس تعاون استراتيجي بين المملكة العربية السعودية وتركيا، جرى الإعلان عنه أثناء زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى العاصمة السعودية الرياض على رأس وفد كبير.
يصعب علينا أن نفهم طبيعة هذا المجلس الجديد، والأهداف التي يرمي إلى تحقيقها، تماما مثلما كان عليه حالنا أثناء الإعلان عن “عاصفة الحزم”، والتحالفين العربي والاسلامي قبلها، مثلما يصعب علينا أن نفهم أيضا هذا “الهوس″ السعودي المفاجيء بالانخراط في تحالفات عسكرية وسياسية بتنا نلهث في إحصائها، ومتابعتها وتحليلها، ورصد أهدافها، وفرص النجاح والفشل أمامها.
نعتقد أن السيد سامح شكري وزير الخارجية المصري الذي طار فجأة إلى الرياض في تزامن مع زيارة الرئيس التركي يشاركنا، وربما قيادته أيضا، “الحيرة” نفسها، اللهم إلا إذا كانت هناك وساطة سعودية للتقريب بين العدوين الاقليميين اللدودين، تركيا ومصر، وهو ما نفاه الوزير المصري قبل سفره إلى الرياض، مثلما نفى أيضا عقد أي لقاء بينه والرئيس التركي، أو الوفد المرافق له.
صحيح أن القيادة المصرية غارقة حتى أذنيها في تداعيات سد النهضة الاثيوبي، الذي يمكن أن يهدد أمنها المائي الاستراتيجي، وتخفيض حصصها من مياه النيل، ولكن أي تحالف استراتيجي سعودي تركي يصيبها بحالة من “الرعب”، وربما “العصاب”، اللهم إلا إذا تنازل الرئيس أردوغان عن دعمه لـ”الاخوان المسلمين”، وقرر التخلي عنهم، وإسكات قنواتهم التلفزيونية التي تبث ليل نهار برامج ضد النظام المصري، وتستقطب أعدادا كبيرة من المصريين الذين باتوا يعزفون عن معظم القنوات المصرية التي تسير في فلك النظام، وتفتقد أغلبيتها إلى الحد الأدنى من المهنية والموضوعية.
لا توجد أي مؤشرات عن احتمال تخلي الرئيس التركي عن حركة “الاخوان المسلمين”، أو إبعاد قياداتها، أو أدواتها الاعلامية، وإن كان لافتا أن مجلس التعاون الاستراتيجي التركي الجديد استثنى عضوية دولة قطر فيه، وبات يعتقد الكثيرون أن هذا المجلس ربما يأتي “بديلا” عن التحالف الثلاثي السعودي القطري التركي، الذي ينسق بين أعضائه ومواقفهم في الملف السوري، وتأسس فور وصول العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز إلى السلطة قبل عام تقريبا.
من غير المستبعد أن يكون هدف مجلس التعاون الجديد (لا نعرف كيف ستكون علاقته بمجلس تعاون آخر خليجي) تكوين جبهة عسكرية سعودية تركية بهدف توحيد جهود الدولتين من أجل التسريع بإسقاط الرئيس السوري بشار الأسد، ومواجهة كل من إيران وروسيا معا على الأرض السورية، وجعل “جبهة النصرة” و”أحرار الشام” هما رأس حربة في هذا المضمار، وتزويدهما بالمال والسلاح إلى جانب فصائل أخرى، للتعجيل بهذه الإطاحة، ووقف التقدم الذي حققه الجيش السوري في أكثر من جبهة بدعم من الغطاء الجوي الروسي.
لا نعتقد أنه من قبيل الصدفة أن يتم تأسيس مجلس التعاون الاستراتيجي هذا بعد أسبوعين من اغتيال قائد “جيش الاسلام” زهران علوش، ومجموعة من قيادات فصائل أخرى معارضة، وهو الرجل الذي يعتبر الحليف الأوثق للقيادتين السعودية والتركية، ومصدر التهديد الرئيسي، وربما الوحيد للعاصمة السورية.
القيادتان السعودية والتركية أصيبتا بمقتل باغتيال الراحل علوش الذي جاء ضربة قاتلة لجهودهما، لتشكيل وفد المعارضة المفاوض للنظام السوري بعد اجتماع الرياض، حتى أن الأولى، أي القيادة السعودية، رفضت استقبال مبعوث روسي زار تل أبيب والقاهرة، وكان من المقرر أن يزور الرياض في إطار تنسيق جهود الحل السياسي تعبيرا عن هذا الغضب، أو الإهانة.
الاستراتيجيتان السعودية والتركية تتمحوران، ومنذ بدء الأزمة السورية قبل خمس سنوات، حول هدف واحد، وهو إطاحة الرئيس الأسد، وجرى استثمار المليارات والجهود السياسية والدبلوماسية الضخمة في هذا الصدد، ومن شبه المستحيل أن يتنازلا عن هذا الهدف، وحتى في ظل اتفاق روسي أمريكي للتركيز على الارهاب كأولوية في سورية، وقال الأمير محمد بن نايف ولي ولي العهد السعودي ذلك صراحة في كلمته في افتتاح مؤتمر المعارضة السورية الأخير في الرياض.
التحالف بين الدولتين تركيا والسعودية أدى إلى تأسيس “جيش الفتح”، وتسليحه مما أدى إلى سيطرته على مدينتي إدلب وجسر الشغور وقاعدة عسكرية كبرى في الشمال الغربي لسورية، ولا بد أن هناك آمالا تداعب قيادتي الدولتين لتكرار التجربة وتوسيعها كطلقة أخيرة في جعبتهما، مع إرسال المزيد من الأسلحة والمعدات العسكرية النوعية الفتاكة.
الجانبان السعودي والتركي سيتكتمان على اتفاقهما، وسيبقيان أوراقهما قريبة إلى صدريهما، ولكن نتائج زيارة وزير الخارجية المصري المفاجئة إلى الرياض ربما ستكشف حتما عن حقيقة ما جرى، أو سيجري، جزئيا أو كليا، وما علينا إلا متابعة الصحافة ومحطات التلفزة المصرية في الأيام القليلة المقبلة، ورصد اتجاهاتها، والتعليمات الموجهة إليها، فهي “التيرموميتر” الذي يقيس درجة حرارة أو برودة العلاقات المصرية السعودية، ولن يطول انتظارنا حتما.

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي فلسطيني

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة