محمد السادس: «المغرب تذرع دائما بالوسائل السلمية لاسترجاع أقاليمه المغتصبة وهو يربط بين استعادته لسبتة ومليلية واستعادة إسبانيا لجبل طارق»

محمد السادس: «المغرب تذرع دائما بالوسائل السلمية لاسترجاع أقاليمه المغتصبة وهو يربط بين استعادته لسبتة ومليلية واستعادة إسبانيا لجبل طارق»

عزيز الحور
وصلنا إلى المبحث الثاني من الفصل الثاني من بحث الملك محمد السادس لنيل الإجازة، والذي أعده، رفقة رشدي الشرايبي، صديق دراسته، سنة 1985، عاما بعد توقيع معاهدة وجدة بين المغرب وليبيا. هذا المبحث هو الأخير في الكتاب، وخلاله يرصد الملك الثوابت الرئيسية المحددة للسياسة الخارجية المغربية في إطار ما سماه الملك «الاستراتيجية المغربية في مجال التعامل الدولي».
هذا المبحث بالغ الأهمية، لأنه يبرز ركائز التحرك الخارجي للمغرب بعين شخص عارف بدواليب صناعة القرار وهو ولي العهد حينها. كما أن أهميته تتجلى أيضا في أنه يقربنا أكثر من وجهة نظر الملك الخاصة من قضايا دولية كانت مطروحة حينها وما زالت تطرح ولو على نحو مختلف. وفي الوقت الذي كنا قد لامسنا بعض مواقف الملك من ملفات خارجية، خلال استقرائنا لتحليله لطبيعة الاتحاد العربي- الإفريقي الناشئ بين المغرب وليبيا وأهدافه، فإن هذا المبحث الذي يتتبع ثوابت السياسة الخارجية المغربية هو أكثر تفصيلا في هذه المواقف، وفي مقدمتها وجهة نظر الملك، ولي العهد حينها، حول إفريقيا وإسرائيل وقضية الصحراء المغربية.
يمهد الملك في بحثه لهذا المبحث ذاكرا: «قال جلالة الملك المغفور له محمد الخامس: «إن المغرب أمة مسلمة عربية إفريقية حريصة كل الحرص على أن تتعاون مع جميع الشعوب تعاونا صادقا ومثمرا». وقد رسمت هذه الكلمات أسس السياسة الخارجية للمغرب والمبادئ التي تقوم عليها. وقد أكد الدستور المغربي هذه الأسس والمبادئ التي تحكم التعامل الدولي للمملكة المغربية، إذ نص في ديباجته على أن «المملكة المغربية دولة إسلامية ذات سيادة كاملة، لغتها الرسمية هي اللغة العربية، هي جزء من المغرب الكبير. وبصفتها دولة إفريقية، فإنها تجعل من بين أهدافها تحقيق الوحدة الإفريقية، وإدراكا منها لضرورة إدراج عملها في إطار المنظمات الدولية، فإن المملكة المغربية التي أصبحت عضوا عاملا نشيطا في هذه المنظمات، تتعهد بالتزام ما تقتضيه مواثيقها من مبادئ وحقوق وواجبات. كما تؤكد عزمها على مواصلة العمل للمحافظة على السلم والأمن في العالم».
على هذا الأساس، ونظرا لطبيعة ومستوى هذا البحث، فإن هذا المبحث سيقتصر على تسليط الأضواء على استراتيجية المغرب في مجال التعامل الدولي سواء على الصعيد المحلي والإقليمي، أو على الصعيد الدولي.
بذلك، قسم الملك محاور رصده لمحددات السياسة الخارجية المغربية إلى مستويين: محلي وإقليمي، وخلاله عرض لأهم القضايا التي اعتبر أنها تستأثر باهتمام السياسة الخارجية للمغرب، وهي ثلاث قضايا: «استكمال الوحدة الترابية» و«نصرة القضية الفلسطينية وتحرير القدس» و«معضلة العلاقات مع إفريقيا»، قبل أن يعرج على أهم قضايا السياسة المغربية الخارجية حينها، وعلى رأسها «انتهاج سياسة عدم الانحياز».
أكثر القضايا التي ظلت تستحوذ على اهتمام الخارجية المغربية هي «استكمال الوحدة الترابية». هذه القضية المفصلية هي التي تصدر لائحة القضايا الخارجية المهمة محليا وإقليميا، والتي ترصدها الملك محمد السادس في بحثه. خلال هذا الرصد تتبع الملك تاريخ الأقاليم الجنوبية باعتبارها محددا حاسما في هذا الملك الشائك، بدءا من عهد أول دولة أقيمت في المغرب وهي دولة الأدارسة، وصولا إلى منتصف ثمانينات القرن الماضي، تاريخ إنجاز البحث.
يقول الملك: «ظل المغرب متمتعا بسيادته واستقلاله طيلة اثني عشر قرنا منذ حكم المولى إدريس الأول، وخلال القرن التاسع عشر لم يكن مركزه يختلف عن مركز الدولة العثمانية أو الصين أو اليابان، رغم عدم وجود نص صريح حول قبول المغرب في عضوية الجماعة الدولية. فقد كانت للمغرب علاقات متنوعة مع الدول الأوربية والولايات المتحدة، وأبرم مع هذه الدول معاهدات دولية تضمنت عدة قواعد والتزامات، كما شارك في عدد من المؤتمرات الدولية الموسعة منها مؤتمر مدريد لسنة 1880، وأقام علاقات دبلوماسية وتجارية مع كثير من الدول. وذلك ما يدل على أن الجماعة الدولية قد اعترفت بالمغرب كدولة اعترافا قانونيا وواقعيا، وإن كان هذا الاعتراف لم يمنعها من أن تطبق عليه بعض القواعد ذات الطبيعة الاستعمارية».
لقد كانت الفترة الاستعمارية التي دخلها تاريخ المغرب عنوة، متغيرا حاسما أثر في البلاد ووحدتها الترابية، وقد أفضى إلى بروز القضية التي لم يتخلص المغرب من عبئها إلى اليوم وهي قضية الوحدة الترابية. يقول الملك: «لكن معاهدة فاس المؤرخة بـ30 مارس 1912 فرضت حماية فرنسا على المغرب التي اعترفت للدولة الحامية باختصاصات إقليمية وإدارية، وابتداء من هذا التاريخ تم تقسيم المغرب إلى ثلاث مناطق، الأولى فرنسية، والثانية إسبانية، والثالثة دولية هي منطقة طنجة. وقد اعترفت المعاهدة الفرنسية الإسبانية الموقعة في 27 نونبر 1912 لإسبانيا في المنطقة التي عرفت بالمنطقة الإسبانية، باختصاصات مشابهة لاختصاصات فرنسا تحت سلطة ممثل السلطان الذي كان يعرف بالخليفة. كما وضع نظام دولي لمنطقة طنجة سنة 1923. وقد ألغيت الحماية الفرنسية على المغرب بموجب التصريح المشترك الفرنسي- المغربي الموقع في 2 مارس 1956 الذي أعلن أن معاهدة عام 1912 لم تعد تستجيب لمقتضيات العصر، واعترف باستقلال المغرب. وقد أعادت الاتفاقية الموقعة في 26 ماي 1956 للمغرب مباشرة اختصاصاته الدولية، ونصت على التعاون في مجال العلاقات الخارجية. كما أن النظام الخاص بالمنطقة الإسبانية قد ألغي بدوره بالاتفاقات الإسبانية- المغربية الموقعة في 7 أبريل 1956».
استقلال المغرب افترض دخول البلاد في مرحلة ترميم لآثار الخراب الذي خلفه الاستعمار حتى على المستوى الترابي عبر خلق محميات استعمارية. وبالتالي فقد انطلقت، على الفور، مرحلة استكمال الوحدة الترابية التي تشتتت بسبب الاستعمار. يوضح الملك ذلك بالقول: «وهكذا أصبحت المملكة المغربية دولة مستقلة ذات سيادة، وحصلت على العضوية في منظمة الأمم المتحدة ابتداء من 12 نونبر 1956. ومنذ ذلك التاريخ بدأت مسيرة استكمال الوحدة الترابية، فقد استرجع المغرب إقليم طرفاية سنة 1958، وإقليم سيدي يفني سنة 1969. أما بالنسبة لإقليمي الساقية الحمراء ووادي الذهب، فقد طالب المغرب منذ استقلاله باسترجاعهما، وعارض جميع المحاولات التي استهدفت اقتطاعهما من وحدته الإقليمية، سواء على صعيد منظمة الأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الإفريقية وجامعة الدول العربية، أو في إطار حركة عدم الانحياز. وبالفعل فقد استرجع المغرب صحراءه بعد المسيرة الخضراء بموجب اتفاقية مدريد لسنة 1975، كما أنه استرجع إقليم وادي الذهب سنة 1979 بعدما تخلت عنه موريتانيا».
استكمال الوحدة الترابية إجرائيا فتح الباب أمام مرحلة جديدة هي تثبيت هذه الوحدة سياسيا، وهي المرحلة التي لم تنته حتى الآن رغم تأكيد المغرب، حسب الملك محمد السادس في البحث، نيته في فض هذا النزاع المفتعل مقترحا عدة صيغ حل بدءا من الاستفتاء، من مدخل أساسي هو عربية وإفريقية المغرب، وهنا يظهر البعد الإقليمي في قضية الصحراء المغربية. يذكر الملك في كتابه: «ولكن المغرب مع ذلك كله يظل وفيا في سياسته الخارجية لمبادئه ومثله، إذ أعلن على لسان جلالة الملك أنه ما زال يعتبر نفسه ملزما بإجراء الاستفتاء وعدم استبعاد منظمة الوحدة الإفريقية، كما أنه سيظل إفريقيا بانتمائه، وسيظل المغاربة جميعا في خدمة إفريقيا. ففي جامعة الدول العربية سيعمل من أجل التعاون العربي- الإفريقي، وفي مجموعة دول عدم الانحياز سيدافع عن المشروعية، ويعمل على المحافظة على سيادة إفريقيا. وفي حظيرة منظمة المؤتمر الإسلامي سيسعى إلى تعزيز التساكن بين الديانات السماوية. وفي هيأة الأمم المتحدة سيكون في المقدمة من أجل كرامة المواطن الإفريقي واحترام القارة الإفريقية. وقد تذرع المغرب دائما بالوسائل السلمية لاستكمال وحدته الترابية واسترجاع أقاليمه المغتصبة، ولذلك فهو يربط بين استعادته لسبتة ومليلية، واستعادة إسبانيا لجبل طارق كما ورد في العديد من التصريحات الملكية».

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة