الرئيسيةالملف التاريخيتاريخ

مذكرات صديق القصر

عنوانها «أرض السلطان الإفريقي» وبقيت منسية لـ130 سنة

يونس جنوحي
هل كان والتر هاريس، يُدرك وهو يخط كتابه the land of an African Sultan «أرض السلطان الإفريقي»، والذي سننقل بعض مقاطعه لأول مرة إلى اللغة العربية، أنه في تلك اللحظات يكتب عن البلد الذي سيغير حياته إلى الأبد؟ لقد سبق لوالتر هاريس أن قرر اتخاذ طنجة بلدا ثانيا له في تلك الفترة، أي سنة 1888. فقد كان شبه زائر دائم لها وضيفا على فنادقها، لكن بالكاد كان يعرفه رئيس المفوضية البريطانية في المغرب، وبعض المرشدين المغاربة الذين تحدث عن ظروف اشتغالهم مع الأجانب. ولم يكن له أي ارتباط بدواليب الدولة ولا أي صداقات مع الوزراء المغاربة، وربما كان حتى لقاء السلطان في فاس ولو للسلام عليه، ضربا من الخيال بالنسبة له. ومن المثير فعلا معرفة أن هذا الصحفي تحول في وقت لاحق، أي بعد 1894، إلى صديق مقرب جدا من السلطان المولى عبد العزيز، وأصبح شبه مقيم في القصر الملكي ومؤنسا للسلطان.
المثير في قصة الصحفي والتر هاريس أن المغاربة بالكاد يعرفون كتابه Morocco that was، أي «المغرب الذي كان»، لكن الرجل ألف كتب مغامرات كثيرة ليس فقط عن المغرب وإنما عن الشرق أيضا. لقد كان الرجل نجم كتابة المذكرات في لندن خلال القرن 19، وألف ثلاثة كتب على الأقل عن المغرب، بالكاد نعرف منها كتاب علاقته بالمولى عبد العزيز. لكن «أرض السلطان الإفريقي» الذي كتب فيه مغامراته في الوصول من طنجة إلى فاس، حيث كان قصر المولى الحسن الأول، كان بحق غاصا بالتفاصيل والانطباعات التي جعلته يدرك مبكرا أن طنجة كانت متسامحة جدا بأناسها وطباعهم في التعامل مع الأجانب، بعكس أماكن أخرى، خصوصا فاس ومكناس، حيث سمع ألوانا من السب والشتم التي تنال من النصارى وتتوعدهم بالهلاك إن هم بقوا في المغرب.

هكذا كان المغاربة الأولون الذين عملوا مرشدين سياحيين
يحكي والتر هاريس في كتابه «أرض السلطان الإفريقي» عن فريق من المغاربة الذين عملوا في مجال إرشاد القادمين الأجانب إلى المغرب وتنظيم رحلات لهم داخل البلاد مع كل ما تحمله تلك المبادرة من مخاطر وما تتطلبه من خبرة واختفاء.
في طنجة الدولية، لم يكن وجود الأجانب أمرا جللا ولم يكن يتطلب تنقلهم وإقامتهم داخل طنجة القيام بأي احتياطات، لكن الأمر يختلف تماما بمجرد مغادرة المنطقة.
نحن في سنة 1888، أي في عز قوة دولة المولى الحسن الأول. جرى تأديب عدد من العمال والقياد الذين جاروا بسلطتهم على المغاربة البسطاء وتحول المولى الحسن الأول بالنسبة لكثير من المغاربة إلى رمز أخذ لهم بثأرهم من شخصيات لعبت دورا كبيرا في تثبيت سلطة المخزن بالحديد والنار. كان المولى الحسن الأول ينتقل بين ربوع المملكة بشكل دائم، ويعين أبناءه في مناصب سيادية مؤقته الغرض منها تفقد البلاد والوقوف على مشاكل الرعية ورفع تقارير سرية عن اشتغال ممثليه في الأقاليم، إلى درجة أصبح معها القيام بثورة ضده أمرا شبه مستحيل.
كان والتر هاريس في تلك الأثناء صحفيا طموحا، حقق شهرة كبيرة في بريطانيا بتخصصه في إصدار كتب عن الشرق والعالم الإسلامي عموما، عن طريق تدوين مشاهداته في تلك الدول التي كانت الحكومة البريطانية تعتبرها خطرا على مواطنيها، لكن والتر هاريس كان يحقق أهدافه المادية والمهنية من تلك المغامرات.
في المغرب، لم يخرج هاريس عن عادته المقدسة، وانهمك فعلا في محاولة عيش حياة المغاربة والتعرف عليهم عن قرب، وفي سنة 1886 كان بالفعل يحظى بحياة في طنجة تسمح له بالتعرف أكثر على المغاربة. كان لديه خادم اسمه «سليم» كان في الأصل مرشدا سياحيا للأجانب، يأخذهم في جولات داخل طنجة ونواحيها، بالإضافة إلى عمال في الميناء وأثرياء مغاربة من الأعيان في منطقة طنجة، كانوا كلهم قد أصبحوا أصدقاء لوالتر هاريس، واستطاع «بيع» علاقته بهم في بريطانيا، وأقنع عددا من الأجانب بالمجيء فعلا إلى المغرب. لقد كان طموح هذا الرجل «فوق العادة».

مغرب القرن 19 في أوراق منسية
كلما تعلق الأمر بوجود مرجع أجنبي، لم يسلط عليه الضوء، إلا واتضحت تفاصيل ربما تكون جديدة على المهتمين بمعرفة ما وقع في السنوات الخمسين التي سبقت توقيع الحماية التي تحول المغرب بموجبها إلى دولة تابعة للإدارة الفرنسية.
في عهد المولى الحسن الأول، واحد من أقوى ملوك الدولة العلوية الذين حكموا المغرب، وقعت أحداث كثيرة لكن لم يُسلط عليها الضوء الكافي وبعضها لم يدون بتفاصيله الدقيقة رغم أن جل الذين تناولوا فترة المولى الحسن الأول كانوا مغاربة ودونوا التاريخ بشكل رسمي لم يخل من تبجيل وتوقير لوزراء سابقين، بحكم العلاقات التي كانت تربطهم بهؤلاء المؤرخين.
بعكس المُدونين الأجانب الذين اشتغلوا أو حلوا ضيوفا على المغرب، فهؤلاء كتبوا عن المغرب، ولو بمبالغات في بعض الأحيان، بعين الناقد المهتم بتفاصيل كثيرة وليس بالتأريخ وحده.
والتر هاريس، الصحفي البريطاني الذي كوّن ثروة كبيرة في المغرب بفضل صداقته مع المولى عبد العزيز منذ سنة 1894 تقريبا، صاحب مؤلفات كثيرة عن العالم العربي والإسلامي، لكن أشهر كتبه على الإطلاق هو كتابه «Morocco that was»، وفيه حكى عن مغرب منقرض تماما ربما لم يكن ليتوفر الباحثون والفضوليون على معلومات عنه لولا مراجع مثل كتابات والتر هاريس التي اختلطت فيها الذاتية مع المغامرة، والمبالغات أيضا.
ما نحن بصدده هنا، كتاب آخر غير «المغرب الذي كان». نحن بصدد «أرض السلطان الإفريقي». كتاب آخر لوالتر هاريس كتبه عندما كان مغمورا، ولم يكن يحلم بأن يصبح الصديق المقرب لابن السلطان المغربي القوي المولى الحسن الأول. الأحداث التي يتناولها الكتاب تعود لسنة 1888 والسنة التي بعدها، وفيه بعض التفاصيل عن وضعية المغرب الاجتماعية من خلال رحلة قام بها والتر هاريس رفقة فريق من الأوربيين تولى هو تنظيم الرحلة لهم بحكم أنه كان شبه مقيم في مدينة طنجة، وكان يعرف بها الكثير من المغاربة القادرين على تأمين رحلة له، ولفريقه، إلى أن يصل مدينة فاس التي كانت بالنسبة له مدينة عصية على الاستكشاف.
هذا الصحفي الذي قال إنه وصل إلى فاس إشباعا لفضول شخصي، لم يكشف في هذا الكتاب الذي كتبت كل أحداثه في عهد المولى الحسن الأول، عن أي طموح لكي يصبح صديق القصر. وكتب عن الأوضاع السياسية بالمغرب بكثير من الحذر، حتى أنه في هذا الكتاب الذي لم يحظ بالشهرة ولا الاهتمام اللتين حظي بهما كتابه «المغرب الذي كان»، والذي ألفه مع انتهاء سلطة المولى عبد العزيز ما بين سنة 1907 و1909، لم يركز كثيرا على الشأن السياسي بقدر ما حاول «بيع» المغرب في سوق القراءة ببريطانيا، عن طريق تناوله بطريقة كتابة المغامرات أو سيناريو أفلام التشويق.
لقد كان واضحا أن طموح هاريس هنا كان تجاريا فقط. كانت شخصية الحاجب الملكي باحماد مثار فضول والتر هاريس، وفي كتابه الثاني سوف تنشئ علاقة ود بين الرجلين رغم أنها كانت بدون تواصل جلي، إلا أن والتر هاريس أصبح أقرب أصدقاء السلطان المولى عبد العزيز في عز قوة باحماد الذي أصبح شبه وصي على السلطان بعد وفاة المولى الحسن الأول.
في هذا الكتاب، «أرض السلطان الإفريقي» تفاصيل كثيرة عن مغرب قديم، لكن ما يهمنا نحن، هو ملامح شخصية هذا الصحفي الذي استغل وضعية المغرب بعد وفاة المولى الحسن الأول، وتقرب من دواليب الدولة واقترح إصلاحا ضريبيا وضايق عددا من الوزراء المغاربة القدامى في تخصصاتهم، إلى درجة أن الرجل «لم يعد يطاق»، ونشأ فريق من الأقوياء الناقمين على وجود الصحفي داخل القصر الملكي بشكل دائم، وعبروا بشكل مباشر عن غضبهم منه واتهموه أمام السلطان بالتدخل في ما لا يعنيه وخلق فتنة كبيرة في المغرب بسبب اقتراحه إصلاح نظام الضريبة دون أن تكون له  أي دراية بالمجال. وعندما تلقى إخبارية بوجود نية قوية لدى نافذين في الدولة بتصفيته جسديا لإبعاده من المشهد السياسي، جمع أمواله ورحل تاركا خلفه إقامة فاخرة والكثير من الذكريات المغربية. وفي كتابه «أرض السلطان الإفريقي» نعود إلى ملامح هذا الرجل الغامض، خصوصا وأنه كتب هذا الكتاب قبل أن يتحول إلى مقرب فوق العادة من القصر.

قصة «الكتاب الآخر» لصحفي تقرب من القصر وتجرأ على «المخزن»
صحفي واحد فقط، على مر التاريخ، استطاع أن يصبح صديقا حقيقيا لسكان القصر الملكي وخالطهم. آخرون تمكنوا من الفوز بصداقة السلطان نفسه وأجروا معه لقاءات وآخرون حاولوا رسمه، لكن علاقتهم بالدولة انتهت بمجرد انتهاء المهمة الصحفية التي جاؤوا من أجلها إلى المغرب. أما الصحفي الشهير والتر هاريس صاحب كتاب «المغرب الذي كان» والذي حكى فيه عن صداقته مع السلطان المولى عبد العزيز بعد سنة 1894 والذي أُهدي قصرا باسمه لايزال باقيا إلى اليوم بعد فرار الصحفي بطريقة هوليودية من المغرب، فقد ألّف كتابا فريدا عن المغرب قبل أن يصبح صديقا للسلطان، واعترف فيه أنه يحتمل أن يقضي فترة طويلة في المغرب. الكتاب يحكي أحداثا وتفاصيل عن المغرب ما بين سنتي 1887 و1888. وهي الفترة التي كان فيها الوزير باحماد في قوة سلطته تحت حكم المولى الحسن الأول.
المثير في هذا الكتاب أنه يحكي عن فترة عصيبة من تاريخ المغرب، لم يكن مسموحا فيها لأمثال هذا الصحفي أن يتجول في البلاد بحرية دون تنكّر للوصول إلى المدن الكبرى. لكنه على كل حال، بدأ جولته بالتجول في محيط مدينة طنجة التي كانت في تلك الفترة متآلفة مع الأجانب ولا يجد سكانها حرجا في التعامل معهم ووصل إلى مكناس وفاس، وهو ما كان وقتها يعتبر مغامرة حقيقية، والكتابة عنها «سبقا صحفيا» ساهم لاحقا في صناعة شهرة والتر هاريس. لقد رأى أشياء كثيرة في المغرب، لا شك أنها ساهمت في عودته بعد وفاة المولى الحسن الأول سنة 1894، ليصبح صديقا في البداية للسلطان الجديد المولى عبد العزيز، ثم شبه مستشار له إلى أن ساهم في تغيير قانون الضرائب في المغرب عندما اقترح على السلطان بعض الإجراءات في طرق استخلاص الضرائب من الفلاحين الصغار، وهو ما جعل مستشاري الدولة والوزراء يفكرون في التخلص منه وإبعاده وانتهى «الفيلم» بطريقة درامية. وهو ما حكى عنه بنفسه في «المغرب الذي كان» أو «المغرب المنقرض» كما تمت ترجمته لاحقا، وحكاه أيضا لويس أرنو صاحب «زمن المحلات السلطانية»، حيث نقل على لسان من عاشوا تلك الأحداث كيف هرب الصحفي الشهير والتر هاريس من المغرب بعد أن حامت حوله الشكوك بمحاولة تأليب الناس ضد الدولة وإغضابهم.
لنعد إلى والتر هاريس «الطموح» لاستكشاف المغرب سنة 1888، أي حوالي عشر سنوات قبل أن يصبح صديقا للدولة المغربية.
كان المولى الحسن الأول سلطانا غير منفتح كثيرا على الأجانب. ورغم أنه لم يكن عدائيا في علاقته بالدول الأوربية، إلا أنه أيضا لم يكن «صديقا» لأحد، وحتى حاجبه القوي ورجل ثقته الذي كان أقوى من كل وزراء الدولة «باحماد» لم يكن من النوع الذي يصادق الأجانب، أو «النصارى». رغم أن في باحماد في الأشهر الأخيرة من حياته استقبل عددا من الأجانب الذين جاؤوا من طنجة إلى فاس وكان وقتها لا يقوى على الوقوف، وكان استقباله لهم فقط لكي يطمئن على السلطان الشاب، المولى عبد العزيز، ويرى بعينه الضيوف الجدد الذين أصبحوا يفدون على القصر الذي قضى حياته كلها في خدمته.
هل كان والتر هاريس، يُدرك وهو يخط كتابه the land of an African Sultan «أرض السلطان الافريقي»، والذي سننقل بعض مقاطعه لأول مرة إلى اللغة العربية، يدرك أنه في تلك اللحظات يكتب عن البلد الذي سيغير حياته إلى الأبد؟ لقد سبق لوالتر هاريس أن قرر اتخاذ طنجة بلدا ثانيا له في تلك الفترة، أي سنة 1888. فقد كان شبه زائر دائم لها وضيفا على فنادقها. لكن بالكاد كان يعرفه رئيس المفوضية البريطانية في المغرب، وبعض المرشدين المغاربة الذين تحدث عن ظروف اشتغالهم مع الأجانب. ولم يكن له أي ارتباط بدواليب الدولة ولا أي صداقات مع الوزراء المغاربة، وربما كان حتى لقاء السلطان في فاس ولو للسلام عليه، ضربا من الخيال بالنسبة لوالتر هاريس.

«العيساوي» القادم من لندن لكي يخالط «طنجاوة»
نحن في خريف سنة 1888. كتاب «أرض السلطان الإفريقي»، والمقصود بالسلطان هنا هو المولى الحسن الأول، يبدأ بهذا الإيقاع. يتحدث فيه صاحبه الصحفي والتر هاريس عن لحظات وصوله إلى ميناء مدينة طنجة. يقول: «كانت طنجة تلوح في الأفق. بيوت بيضاء بأسقف مسطحة منتشرة فوق الهضبة وفي الأعلى تبدو القصبة التي يخترق برجها السماء الزرقاء.
سيدة أمريكية كانت تعاني من دوار البحر، رفعت رأسها عن حقيبتها التي نامت فوقها منذ غادرنا جبل طارق قبل ثلاث ساعات. أخرجت نظارتها من جيبها وعدّلت قبعتها قم قالت: «حسنا. أعتقد أن هذا أجمل مكان رأيته في حياتي. بوسطن ليست أجمل من هذا المنظر. آنجليلا، استيقظي وتعالي لكي تشاهدي إفريقيا.
وقفت آنجليلا وبدأت تتأمل الحمالين المغاربة الذين بدؤوا يقتربون منا بقواربهم الصغيرة، وقالت: «أمي. يجب أن أتزوج مغربيا».
اختلطت إجابة أمها بصياح الحمالين المغاربة الذين بدؤوا يقتربون منا لحمل الأمتعة.
وقف ثلاثة مشردين مغاربة يرتدون لباسا محليا جميلا، أضيفت إليه بعض الفانتازيا المتمثلة في ارتدائهم أحذية جلدية وأقمصة أوربية أسفل لباسهم المغربي. كانوا يدلون الوافدين على الفنادق. «صباح الخير آ العيساوي». هكذا خاطبني صاحب مركب صغير، وهو صديق قديم. امتدت إلي يده الغليظة، وهز يدي بقوة لن أنسى تأثيرها لأيام، مصافحا. وسحبني إلى مركبه. ليس لدي أي حقائب لتفتح في الديوانة. المراقبون الثلاثة يعرفونني جيدا.
الاسم الذي أعرف به في المغرب «العيساوي» يعني التابع لسيدي بن عيسى، زعيم مروضي الثعابين.
أخرج أحدهم ريشته وكتب على الورقة وغمغم مرحبا بي.
كان خادمي المخلص ينتظرني في المخرج، اسمه سليم، وأنا متيقن أنه كان فرحا جدا لرؤيتي من جديد».
كان على الصحفي والتر هاريس أن يمر أولا على باب المرسى في طنجة، ومنها إلى مقر المفوضية البريطانية. وهذا ما أكده خلال سرده الدقيق للمشاهد التي كان يصادفها الأجانب أول وصولهم إلى منطقة طنجة الدولية خلال تلك السنوات المنقرضة التي تحدث عنها بكثير من الإعجاب، والتي كانت سببا في رحيل الكثير من قراء مقالاته الصحفية إلى المغرب لعيش المغامرة عن كثب.
والتر هاريس كان في تلك السنة، أي 1888، متآلفا مع الأجواء المغربية، إذ سبق له زيارة طنجة أكثر من مرة. لكنه الآن سوف يقوم برحلة يستكشف من خلالها مدنا أخرى أهمها مكناس وفاس. ولم يكن ليتخيل أن فاس سوف تفتح له أبواب شهرة كبيرة في المغرب عندما سيأتي عهد المولى عبد العزيز ويقربه منه ويصبح صديق القصر الملكي وشبه مستشار للسلطان في كل ما يخص علاقة المغرب بالدول الأوربية، خصوصا بريطانيا.
والمثير أن هاريس كان منذ تلك السنة يخطط لأمر ما. وهذا ما يتضح بين السطور التي يصف فيها استعداده لبداية الرحلة من طنجة التي صار واحدا من ضيوفها الدائمين، إلى فاس ومكناس اللتين سوف يصل إليهما عبر مدن أخرى: «يتعين إيجاد الرجال والخيول للرحلة. وهو أمر ليس سهلا في فصل الشتاء. لكن معرفتي بأغلب الذين يشتغلون في إرشاد ومرافقة الأجانب داخل المغرب، جعلت المهمة سهلة بالنسبة لي. بالإضافة إلى أنه كان لدي دعم صديقي «كارلتون» الذي كان يتحدث العربية المغربية بطلاقة، ويعرف الناس والبلد جيدا. جلسنا نحن الاثنين للعمل، استعدادا لوصول البقية إلى المغرب لكي نبدأ الرحلة بعد أسبوع تقريبا.
اقترب يوم وصولهم. وصلني تلغرام من «آنكرام» يقول إن «الأركاديا» وصلت. وأنهم سوف يتدبرون العبور إلى جبل طارق في نفس اليوم. وأنهم سوف يتدبرون بطريقة ما طريقة للعبور إلى طنجة، على اعتبار أنهم سوف يصلون إلى جبل طارق في وقت متأخر وسيكون الظلام قد حل، وهو ما يصعب مسألة العبور خصوصا وأن الظلام يصاحبه أحيانا هبوط الغيوم أو الأمطار، وهو ما يجعل الإبحار صعبا للغاية».
كان لا بد من كل هذه الإثارة لكي يسوق هاريس لمغامرته المغربية. ربما لم يكن يتوقع وهو يخط هذه الأسطر أنه سيتفوق على كل الأجانب الذين عاشوا قبله في المغرب، وأنه سيصبح صديق القصر الأكثر حظوة في فاس، وأنه سيتعرف على المغاربة فقراء، أغنياء، ووزراء، أكثر مما عرفهم أي أجنبي قبله، وربما بعده أيضا.
جدير بالذكر أن وصول البعثة التي سوف يقوم معها والتر هاريس بتلك الرحلة إلى فاس، وصلت فعلا إلى طنجة في جو ماطر، وانهمك الصحفي بنفسه مع العمل في عملية جمع الحقائب وسط المطر الشديد الذي كاد أن يعصف بالمركب الذي كان يحمل ضيوف المغرب.

جولة في مغرب القرن 19.. حكايات عن الظلام وانعدام الطرق
كان حس السخرية متقدا لدى والتر هاريس الذي دخل التاريخ المغربي من بابه الواسع. الفارق في هذا الملف أننا نطلع على أفكار الرجل قبل أن يقرر خوض تجربة الصداقة مع السلطان عبد العزيز. وربما لو علم ما تخبئه له الأيام القادمة بعد 1888، لما كتب بعض ما كتبه في هذا الكتاب «أرض السلطان الإفريقي».
المثير في قصة الصحفي والتر هاريس أن المغاربة بالكاد يعرفون كتابه Morocco that was، أي «المغرب الذي كان»، لكن الرجل ألف كتب مغامرات كثيرة ليس فقط عن المغرب وإنما عن الشرق أيضا. لقد كان الرجل نجم كتابة المذكرات في لندن خلال القرن 19. وألف ثلاثة كتب على الأقل عن المغرب، بالكاد نعرف منها كتاب علاقته بالمولى عبد العزيز. لكن «أرض السلطان الإفريقي» الذي كتب فيه مغامراته في الوصول من طنجة إلى فاس، حيث كان قصر المولى الحسن الأول، كان بحق غاصا بالتفاصيل والانطباعات التي جعلته يدرك مبكرا أن طنجة كانت متسامحة جدا بأناسها وطباعهم في التعامل مع الأجانب. بعكس أماكن أخرى، خصوصا فاس ومكناس، حيث سمع ألوانا من السب والشتم التي تنال من النصارى وتتوعدهم بالهلاك إن هم بقوا في المغرب.
الرحلة لم تكن سهلة، ولولا مشورة هاريس مع المرشدين المغاربة، لربما كان مصير الرحلة سيكون أسوأ مما كانت عليه: «قررنا المواصلة في اليوم الموالي. الجو كان باردا جدا. احتفظت بمشورة مع رجالي في الصباح، والتي نتج عنها التخلي عن الطريق المباشر إلى مكناس بسبب الأمطار الأخيرة وكميات الوحل. وقمنا بدورة على الهضبات المفضية إلى الطريق بين «لقصر» ومكناس. كان التغيير مفيدا، ولم نصادف غير القليل من الوحل».
تفاصيل كثيرة أوردها صاحب «أرض السلطان الإفريقي»، والذي حاول إضافة الكثير من التوابل وذكر تفاصيل كثيرة عن الصعاب التي يقول إنها كانت لتقضي على حياته لولا أنه جابهها بالذكاء واستشارة مرافقيه الذين كانوا يحفظون المغرب، كما يقول، كظاهر أيديهم.
على مشارف وادي سبو، يقول الصحفي والتر هاريس إنه عاش لحظات لن ينساها طيلة حياته، لكن الواضح أنه نسي جزءا منها، في «المغرب المنقرض» وتحدث فيه بدراية تفوق روح الانبهار التي تحدث بها هنا في «أرض السلطان الإفريقي». وما يفسر هذا الأمر هو الفارق بين الكتابين. 15 سنة تقريبا من الإقامة في المغرب وتجربة العيش مع السلطان المولى عبد العزيز خلال الفترة الذهبية لسلطته، والطريقة التي فر بها من المغرب خوفا على حياته عندما حاول تمرير أفكاره الأوربية إلى النظام الضريبي المغربي سنة 1907، كلها عوامل غيرت نظرة هذا الصحفي إلى البلاد وأهله.

هاريس: «كنت أفرح عندما ينعتونني بالكافر والنصراني»
سرد والتر هاريس صورتين متناقضتين تماما عن المغرب. لنبدأ بالأولى التي كانت إيجابية إلى حد ما. يتحدث فيها عن تجربته مع شريف وزان. لم يكن هاريس يعلم ربما أن هذا الشريف، مولاي عبد السلام، سوف ينتهي بالزواج بإنجليزية كانت في الأصل موظفة في المفوضية البريطانية في طنجة وعينت في مكتب وزان. يقول والتر هاريس متحدثا عن «الشريف»: «في ذلك المساء قررت الرحيل من أرض معالي الشريف. خرجت من وزان بمعيته ورافقني راكبا خيله. واستمرينا في المسير ساعة ونصف تقريبا. بعدها، وعندما شارفت الشمس على المغيب، وكنت قد صرت قريبا من المخيم الذي أنوي التوجه إليه، قفزت من أعلى فرسي، وأعطيته لعبد كان يرافقني ومشيت في اتجاه الشريف. لقد كان لطيفا ومُرحّبا. أمسك يدي وترجاني لكي أعود مجددا وقتما استطعت العودة.
ستكون مُرحّبا بك دائما. دعني أعرف متى ستأتي، وسوف أتكلف بإعداد كل شيء من أجلك. مع السلامة، وليحفظك الله.
شكرته قدر ما أستطيع. وبقيت واقفا أراقبه وهو يغادر. بعدما قطع مسافة قصيرة استدار وخاطبني صائحا: «مع السلامة. وتذكر عندما تكون في أرضك البعيدة بأن لديك صديقا في وزان».
كان شريف وزان قد أوصى بأن يتكلف أحد المقدمين بطعام الصحفي والتر هاريس ومرافقيه وحتى طعام الخيول، طيلة المدة القصيرة التي بقي خلالها في المخيم بعيدا عن وزان.
أما المشهد الثاني، فقد كان تجربة جلعت والتر هاريس يكتب عنها بفخر كما يقول، رغم أنه لم ينكر حجم الفزع الذي أحس به عندما كان يسمع تلك الكلمات وهي تخترق أذنيه. لقد كان في نظر الكثير من الفاسيين والمكناسيين خلال سنة 1888، وهي الفترة التي لم يكن المغاربة قد تآلفوا فيها مع الأجانب بعد، مجرد كافر سيكون بلا شك مصيره هو النار.
يقول والتر هاريس إنه كان يستحضر حجم السب الذي تعرض له وهو بين المغاربة مرات كثيرة. حتى أنه حاول مرة تقليدهم وأطلق جملة من السب في وجه أحد مرافقيه، لكن الرجل بقي هادئا. يقول والتر هاريس عن هذه الواقعة: «لقد كان يقول في قرارة نفسه إن دعاء ولعنة النصراني لن تحل عليه، وأن الله لن يستجيب دعاء نصراني كافر على كل حال».
يقول أيضا إنه كان يحس بسعادة غامرة وهو يسمع تعليقات بعض المغاربة عن النصارى ويتأمل معاني اللعنات التي يلقونها في وجه كل الأجانب الذين كانوا قد بدؤوا في استكشاف نقاط بعيدة داخل المغرب.
تبقى تجربة الصحفي والتر هاريس، إحدى أهم التجارب الأجنبية في استكشاف المغرب، خصوصا وأن شعبيته كصحفي معروف عند البريطانيين جعلت كتاباته تلقى إقبالا كبيرا في لندن، حيث كانت «الموضة» هي قطع البحر في اتجاه طنجة للسياحة والمغامرة أيضا. لكن أكثر ما يثير الفضول في كتاب «أرض السلطان الإفريقي» هو انطباعات هذا الرجل الذي لم يكن يدري وهو يكتب هذا الكتاب، أنه سيصبح يوما الصديق المقرب لابن السلطان الذي كتب هذا الكتاب في عهده.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Al akhbar Press sur android
إغلاق
إغلاق