الملف السياسي

مراجعة نظام الوظيفة العمومية

هذا ما ينتظر الموظفين

إعداد: محمد اليوبي – النعمان اليعلاوي
سيعقد المجلس الحكومي اجتماعا استثنائيا يوم الأربعاء 3 أبريل المقبل، سيخصص للمصادقة على مشروع قانون يتعلق بتعديل نظام الوظيفة العمومية، يتضمن العديد من المستجدات، وذلك في ظل الجدل الذي أثاره نظام التوظيف بالتعاقد بقطاع التعليم، حيث تخطط الحكومة لتعميم هذا النظام على باقي القطاعات الحكومية الأخرى.
فما هي مستجدات هذا التعديل؟ وهل ستلتزم الحكومة بالتوصيات الصادرة عن المجلس الأعلى للحسابات حول الوظيفة العمومية؟

أكد الوزير المنتدب المكلف بإصلاح الإدارة والوظيفة العمومية محمد بنعبد القادر، في اجتماع المجلس الحكومي المنعقد قبل أسبوع، أن الأوراش الجارية لإصلاح الإدارة عبر تبسيط المساطر وتفعيل اللاتمركز الإداري والتحول الرقمي للخدمات الإدارية، لا يمكن أن تتوفر لها سبل النجاح بدون التفكير في أوضاع الموظفين ومراجعة النظام الأساسي للوظيفة العمومية، مبرزا أن الملك محمد السادس أحاط هذا الموضوع بعناية بالغة وخصه بتوجيهات سامية. وتقدم بنعبد القادر أمام المجلس بإفادة تتعلق بالخطوات التي سيتم القيام بها من أجل تنفيذ الالتزام الحكومي القاضي بمراجعة منظومة الوظيفة العمومية، وأعلن أن الوزارة أعدت مشروع رؤية استراتيجية حول نموذج جديد للوظيفة العمومية. وفي هذا الصدد، قرر المجلس عقد اجتماع خاص لمناقشة هذا المشروع يوم الأربعاء 3 أبريل المقبل.

الخطوط العريضة للإصلاح
حسب المعطيات التي (توصلت بها «الأخبار»)، فقد بلورت الحكومة مخططا متكاملا لإصلاح الإدارة ومراجعة منظومة الوظيفة العمومية، يتأسس على ثلاثة مبادئ كبرى، هي الجودة في الخدمات العمومية، والكفاءة في تدبير الموارد البشرية ورعاية المرفق العام وخدمة المصلحة العامة، وأوضحت أن مخطط العمل ركز، استنادا إلى هذه المبادئ، على التدابير والإجراءات الكفيلة بتقوية البنيات التنظيمية وتحسين أساليب التدبير العمومي والاستثمار الأنجع للوسائل التكنولوجية وترسيخ أخلاقيات المرفق العام، وأيضا على العمليات الأساسية التي من شأنها تعزيز الإطار القانوني والتشريعي، وإعمال التواصل العمومي الفعال، والبحث عن آليات الابتكار واعتماد التقييم المنتظم.
ومن بين التعديلات المقترحة على النظام، تعميم نظام التعاقد على مختلف القطاعات الحكومية، بعد اعتماده في قطاع التعليم، كما أن مشروع التعديل يسعى إلى إحداث تحول تدبيري عبر استعمال الأساليب الحديثة، سواء في ما يتعلق بالموارد البشرية، أو في ما يتصل بالأنشطة العمومية، من خلال اعتماد التدبير بالكفاءات وإعادة هيكلة الوظيفة العمومية العليا والمتوسطة، وتطوير منظومة الولوج إلى الوظائف العمومية وتطوير منظومة تقييم أداء الموظف. كما يتضمن المشروع الجديد إعادة النظر في نظام الرخص، وكذلك تطوير الحماية الاجتماعية للموظف.
وبخصوص الخطوط العريضة لمراجعة منظومة الوظيفة العمومية، التي تمت مناقشته في الاجتماع الأخير للمجلس الأعلى للوظيفة العمومية، هناك اعتماد مبدأ التدرج في تنزيل مضامين الخطة الوطنية لإصلاح الإدارة، وفي الانتقال من نظام المسار المهني إلى نظام «الوظيفة» الذي يقوم على تدبير الكفاءات، وذلك انسجاما مع التوجهات الملكية الواردة في رسالة الملك الموجهة إلى المشاركين في الملتقى الوطني للوظيفة العمومية العليا، والتأسيس لوظيفة عمومية مهنية فعالة وناجعة، وإصلاح منظومة الوظيفة العمومية وفق مقاربة تأخذ بعين الاعتبار نظام الجماعات الترابية وخصوصياته في اتجاه نظام موحد، مع التأكيد على ضرورة وضع الآليات اللازمة لنقل المهارات بين الموظفين وتهييء الخلف بالوظيفة العمومية، وضمان الانسجام والتوازن بين مختلف الهيئات والأنظمة الأساسية الخاصة بها، وضرورة التأسيس لتدبير الكفاءات كشرط أساسي لإصلاح منظومة الوظيفة العمومية، وإرساء نظام عادل ومحفز لتقييم مردودية وأداء الموظفين بناء على معايير موضوعية، مع السعي إلى تحقيق العدالة الأجرية، واستلهام التجارب الناجحة في القطاع الخاص، لاسيما في ما يخص الجانب التدبيري، وذلك مع مراعاة خصوصية وجوهر المرفق العمومي، الذي يقوم على مبدأ المصلحة العامة.

نظام عمره 60 سنة
يعود نظام الوظيفة العمومية المعمول به حاليا إلى سنة 1958، وسبق أن أعلن الوزير بنعبد القادر أن الحكومة ستشرع في ملاءمة هذه المنظومة مع الدستور الجديد ومع التطورات الحاصلة في إطار نص قانوني جديد، وخاصة ما يتعلق بالحكامة الجيدة وإخضاع المرفق العمومي لمبادئ الشفافية والمساواة وربط المسؤولية بالمحاسبة. ويرتقب أن يتضمن القانون الجديد للوظيفة العمومية نصوصا جديدة تتعلق بتدبير الكفاءات والموظفين، أي أنه بدل الاعتماد على الإطار والدرجة والسلم الإداري والأقدمية في الترقية، سيتم إدخال قواعد جديدة لتدبير موظفي الدولة انطلاقا من الكفاءات المهنية.
وتشير المعطيات المتوفرة بالموقع الرسمي لوزارة إصلاح الإدارة والوظيفة العمومية، إلى أن الحكومة المغربية انخرطت في مجموعة من الأوراش المتعلقة بتطوير منظومة تدبير الموارد البشرية بالإدارات العمومية، من منطلق الوعي بأولوية العنصر البشري في مسلسل الإصلاح والتحديث الإداريين، باعتباره ركيزة أساسية لتأهيل الإدارة العمومية والدفع بها إلى مستوى أرقى يسمح لها بمجابهة التحديات المفروضة عليها داخليا وخارجيا، وهذا ما حذا بها إلى نهج سياسة تدبيرية قوامها ترشيد الموارد البشرية عبر تمكين البنيات الإدارية من كفاياتها من الموظفين والأطر بالشكل الذي يستجيب لتطلعات المرتفقين وتوقعاتهم، ويضفي على الإدارة خصائص المواطنة والفعالية والشفافية والقرب، ويجعلها مصدرا لخدمات جيدة وبأقل تكلفة. كما تم إقرار المراسيم التي تهم الأنظمة الأساسية الخاصة بعدد من هيئات الموظفين والتي أملاها هاجس تجميع الأطر والدرجات المتشابهة من حيث قواعد التوظيف والترقي والمهام المدعوة لممارسة وظائف مماثلة في مختلف الإدارات العمومية، بالإضافة إلى تقليص عدد الدرجات والأطر وتبسيط مساطر تدبير شؤون الموظفين، واحتواء ظاهرة الفئوية وتوسيع قاعدة الموظفين الممكن نقلهم وتشجيع الحركية بين الإدارات المختلفة، والرفع من مستوى الإدارة العمومية عبر اعتماد تراتبية نظامية

متجانسة.
واعتمدت الحكومة مقاربة الوظائف والكفاءات، وذلك من خلال انخراط كل الوزارات في إعداد دلائلها المرجعية للوظائف والكفاءات، بالإضافة إلى الدليل المرجعي للوظائف والكفاءات المشتركة بين الإدارات، باعتبارها آلية ضرورية للملاءمة بين المنصب ومؤهلات الموظف الذي يشغله، ابتداء من توظيفه وعلى امتداد كامل مساره المهني، وذلك من أجل تيسير الانتقال من تدبير يرتكز على الإطار أو الدرجة إلى تدبير يقوم على الوظيفة ويعتمد دلائل مرجعية للوظائف والكفاءات. وتعتبر الوزارة أن المراجعة الشاملة لمقتضيات النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية تشكل أحد مرتكزات البرنامج الحكومي، لكونه يشكل الإطار القانوني المرجعي لتدبير الموارد البشرية بالإدارات العمومية، وخطوة من الخطوات التي يتعين قطعها في مسار الإصلاح المنشود، وتمهيدا لإصلاح عميق ومراجعة شاملة تُؤسس لمنظومة متطورة للوظيفة العمومية، وأشارت إلى أن الهدف الأساسي من وراء كل هذه الاصلاحات يتجسد في الانتقال من تدبير إداري تقليدي للموظفين، إلى تدبير عصري يتوخى تثمين وتحفيز الرصيد البشري وتعبئته لتحقيق أهداف التنمية الشاملة والمستدامة.

توصيات لإصلاح الوظيفة العمومية
دعا المجلس الأعلى للحسابات إلى اتخاذ إجراءات «عميقة» من أجل إعادة الاعتبار إلى منظومة القيم على كافة مستويات الإدارة، وإرساء آليات جدية لتحسين جودة الخدمات العمومية، بهدف تمكين المرفق العمومي من بلوغ أهدافه. وأوصى المجلس، في تقرير موضوعاتي حول تقييم نظام الوظيفة العمومية، بتصميم ووضع استراتيجية شمولية تشمل مخططات عمل دقيقة وتحدد الأهداف ذات الأولوية وكذا الإطار الزمني المناسب، مع الأخذ بعين الاعتبار التأثير المتوقع على الميزانية وتحديد المسؤول عن كل عملية.
وباعتبار الدور المركزي للموارد البشرية في المرفق العمومي، دعا المجلس إلى ضبط الوقت النظامي لحضور الموظفين، وذلك قصد الاستثمار الأمثل للطاقات المتوفرة، ووضع حد للتساهل المسجل في زجر التغيب غير المشروع عن العمل، وتعميم نظام مراقبة الولوج في جميع الإدارات العمومية وجعله شفافا بالنسبة للعموم. وأكد التقرير أنه من أجل الارتقاء بالتوظيف نحو فعالية أحسن، يتعين تحديث المساطر المرتبطة بهذه العملية، وذلك عن طريق الاستفادة من تقنيات تدبير الموارد البشرية التي أثبتت نجاحها في القطاع الخاص وفي بلدان أخرى، داعيا إلى العمل على إضفاء المهنية على عمليات التوظيف، ولاسيما من خلال مراجعة وزن الشروط الأكاديمية وذلك بتقليصه لفائدة اعتبارات الأخرى تتعلق بالخبرة والكفاءات الشخصية التي يتطلبها المنصب المراد شغله.
وبخصوص منظومة التقييم والترقية، دعا التقرير إلى إضفاء المصداقية عليها وربط الترقية بالاستحقاق والأداء، حيث ينبغي أن يروم الإصلاح تحقيق هدف القطع مع نهج الترقية التلقائية وحث الموظفين على أداء مهامهم بالجدية والاستقامة المطلوبتين، مضيفا أنه بالنظر إلى دورها المحوري في الوظيفة العمومية، فإن منظومة التقييم يجب أن ترتبط ارتباطا وثيقا بالتكوين المستمر، وأن تشكل أساسا فعليا لمعايير الأجور.
وأشار المجلس إلى أن الإصلاح ينبغي أن يروم إحداث تناسق بين منظومتي التقييم والأجور، داعيا، في أفق مباشرة إصلاح شامل لمنظومة الأجور، إلى التغلب على أوجه القصور الرئيسية من خلال استثمار مختلف الدراسات التي أجريت بهذا الصدد. ويتعلق الأمر، خصوصا، بإعادة النظر في تركيبة الأجر بغاية إعطاء الأهمية الأكبر للراتب الأساسي وتوجيه التعويضات الأخرى لكي تتناسب أهميتها مع الغرض الحقيقي الذي أحدثت من أجله. ومن أجل إطلاق دينامية لإعادة انتشار الموارد البشرية بين المصالح المركزية واللاممركزة من جهة وبين مختلف القطاعات من جهة أخرى، يوصي المجلس بربط عمليات إعادة الانتشار بإجراءات تحفيزية تضمن نجاح هذه العملية، وذلك لتحقيق توازن في توزيع الموظفين.

كلفة ثقيلة ومردودية ضعيفة
عن تشخيص نظام الوظيفة العمومية، أبرز تقرير مجلس الحسابات أن هذا التشخيص مكن من الوقوف على جملة من الاختلالات، «فالإدارات العمومية لا تتوفر على تقديرات دقيقة لاحتياجاتها الفعلية من الموارد البشرية. كما أنه بسبب التعقيد الذي يطبع نظام الوظيفة العمومية، فإن بعض القطاعات التي نجحت في تقدير احتياجاتها من الموظفين ظلت عاجزة عن إطلاق عمليات إعادة الانتشار الضرورية لتجاوز اختلالات التوزيع على المستوى الترابي». ناهيك عن أن مشاريع التدبير التوقعي للوظائف والكفاءات التي يفترض أن تستخدم كأداة لضبط أعداد الموظفين وكفاءاتهم، تظل مقتصرة في الوقت الراهن على إجراء دراسات لا يتم استغلالها إلا قليلا، وبالتالي، فإن تدبير الموارد البشرية لا يزال منحصرا في التدبير الإداري للموظفين، ويبقى تحديد الاحتياجات من الموارد البشرية مفتقرا للدقة.
من جانب آخر، يظل نظام التقييم غير مرتبط بالغاية منه، حيث لا يسمح بتقييم أداء كل موظف أو تمييز الموظفين على أساس الكفاءات، ذلك أن عمليات التقييم تتجه دوما نحو نسق الترقية السريعة، وذلك بسبب غياب معايير موضوعية واضحة للتقييم، ونقص في الجدية أثناء القيام بهذه العملية. وفي غياب آلية للتقييم الموضوعي، يظل نظام الأجور مرتبطا في أغلب الحالات بمعيار الأقدمية. وهكذا، يضيف التقرير، يتبين أن نفقات الموظفين في تطور مستمر في الوقت الذي يميل عدد الموظفين إلى الاستقرار.
وعلى الرغم من ارتفاع مستويات الأجور بشكل مستمر، فإن الإدارة المغربية لا تملك بيانات موثوقة عن أداء الموظفين للمهام الملقاة على عاتقهم. وفي هذا الإطار، فإن معيار ساعات العمل الفعلية غير معروف إلى حد كبير وذلك في معظم الإدارات. وأكد المجلس الأعلى للحسابات أن الدولة تتحمل وظيفة عمومية تفوق قدراتها الاقتصادية، في حين لا يجد التطور المهم الذي تعرفه الأجور ترجمته على مستوى تحسن نظرة المواطن للإدارة العمومية، مبرزا أنه رصد ارتفاعا مستمرا لكتلة الأجور، حيث إن «عدد العاملين بالوظيفة العمومية للدولة بلغ سنة 2016، ما يقارب 583 ألفا و71 موظفا مدنيا، بكتلة أجور تتجاوز 120 مليار درهم. كما يعمل بالجماعات الترابية 637 147 موظفا، بلغت النفقات المرتبطة بأجورهم ما قدره 11,16 مليار درهم سنة 2016».
ومن بين الملاحظات التي جاءت في التقرير، تبرز محدودية المبادرات المتخذة للإصلاح، إذ «أظهرت الحكومات المتعاقبة وعيا بضرورة إصلاح الوظيفة العمومية، وتبقى أهم المبادرات المتخذة تلك التي تمت بلورتها في إطار «برنامج دعم إصلاح الإدارة العمومية» (2003-2010) الذي امتد على أربع مراحل بمبلغ إجمالي تجاوز 9,6 مليارات درهم. وتضمن هذا البرنامج مشاريع لتحسين طرق تدبير الموارد البشرية، حيث نص على وضع تدابير للتحكم في كتلة الأجور، وإرساء تدبير توقعي لأعداد الموظفين والوظائف والكفاءات، ووضع خطة استراتيجية للتكوين المستمر والأسس اللازمة لسياسة اللاتمركز الإداري. غير أن المجلس يرى أن الإنجازات المحققة ظلت «محدودة»، حيث انحصرت في التدابير الهادفة إلى التحكم في كتلة الأجور فقط، وذلك عبر عملية المغادرة الطوعية سنة 2005، والتي كان لها أثر ظرفي وظلت مفتقرة للرؤية الشمولية.

الوظيفة العمومية.. كلفة مرتفعة وخدمات دون المستوى
انتقد المجلس الأعلى للحسابات، في تقريره حول الوظيفة العمومية، غياب الإرادة السياسية لدى الحكومات المتعاقبة في إصلاح نظام الوظيفة العمومية. وأشار التقرير إلى أنه باستثناء بعض التعديلات المحدودة، لم يعرف النظام الأساسي للوظيفة العمومية منذ تاريخ اعتماده سنة 1958 أي تغيير جوهري، حيث انصبت أغلب التعديلات على إحداث أنظمة أساسية استثنائية لفائدة بعض الفئات من الموظفين أو تحديد كيفيات تطبيق بعض مقتضيات النظام المذكور. وبالرغم من أن مشروع تعديل النظام الأساسي للوظيفة العمومية كان مطروحا على جدول الأعمال منذ سنة 2005، فإن السلطات العمومية اكتفت ببعض التدابير الجزئية عوض تعديل شامل، كما أن بعض هذه التدابير عرفت تأخرا في الإنجاز، ويتعلق الأمر خصوصا بالقانون رقم 13.31 المتعلق بتعميم المباراة كسبيل وحيد للتوظيف، وحركية الموظفين، واعتماد التعاقد في الإدارة العمومية. وباستثناء هذه التعديلات، فإن الإجراءات الأخرى اقتصرت على تجميع بعض الأنظمة الخاصة.
وخلص المجلس إلى أن الإصلاحات التي تمت مباشرتها، ظلت مجزأة، وانحصرت في تدابير منعزلة، وبالتالي فشلت في إطلاق دينامية للتغيير داخل الإدارة المغربية، في حين يستلزم الأمر مقاربة شاملة بالنظر إلى الترابط بين عناصر نظام الوظيفة العمومية (التوظيف والتقييم والترقية والتكوين والحركية ونظام الأجور…). ويعود غياب المنهجية الشاملة للإصلاح، حسب التقرير، إلى اختلالات ذات طبيعة مؤسساتية تتمثل، على الخصوص، في غياب الالتقائية بين الإدارات، والدور المهيمن لوزارة الاقتصاد والمالية التي يحكم عملها الهاجس المالي، بالإضافة إلى الثقل الذي تمثله التكتلات الفئوية (النقابات)، والذي يحد من مختلف المبادرات.
وبخصوص تحليل وتشخيص نظام الوظيفة العمومية، سجل التقرير أن صورة الإدارة ترتبط أساسا بموظفيها، ذلك أن الموظفين يعتبرون تجسيدا للمرفق العمومي لدى المواطنين. ويعرف المرفق العمومي في المغرب، انتقادات تتعلق بضعف جودة خدماته وغياب التكافؤ في الولوج إليه. وأشار التقرير إلى أنه، بالرغم من كون الإدارة المغربية تتوفر على مستوى عال من التأطير الإداري (65 بالمائة)، وتستهلك كتلة أجرية مرتفعة، فإن جودة الخدمات المقدمة للمواطنين تبقى دون المستوى، خاصة في قطاعات التعليم والصحة والعدل، وذلك بالرغم من أن هذه القطاعات الثلاثة تستحوذ مجتمعة على 52,5 بالمائة من كتلة الأجور وتستهلك أكثر من 40 بالمائة من الميزانية العامة للدولة.
ومن بين الأسباب الرئيسية التي تفسر النقائص التي يعرفها المرفق العمومي، المستوى الضعيف لتعبئة الموظفين، كما أن هذه النقائص تبرز بحدة أكبر داخل العالم القروي والأحياء الهامشية للمدن الكبرى. وبذلك، فإن الاختلالات التي تعرفها الإدارة تعمق الفوارق الاجتماعية وتنعكس بشكل أكبر على الفئات السكانية التي تعاني من الهشاشة. كما رصد التقرير غياب ثقافة لتقييم جودة الخدمات العمومية، بالرغم من الاختلالات التي يعرفها المرفق العمومي، ذلك أن تقييم أداء هاته المرافق لا يتم وفق عملية منتظمة وممأسسة. وفي غياب ثقافة التقييم هاته وكذا آليات فعالة للمراقبة، فإن جودة الخدمات العمومية تظل دون مستوى المتطلبات الدستورية المتمثلة في الولوج المتكافئ للمرفق العمومي والجودة والشفافية.
وتحدث التقرير عن وجود اختلالات في نظام حكامة الوظيفة العمومية للدولة، مشيرا إلى أن الأجهزة المتدخلة في القرارات المتعلقة بالوظيفة العمومية، تتمثل أساسا في الوزارة المكلفة بالوظيفة العمومية وإصلاح الإدارة، ووزارة الاقتصاد والمالية، اللتين تتوفران على اختصاصات أفقية، بالإضافة إلى المجلس الأعلى للوظيفة العمومية (جهاز استشاري). وتتوفر القطاعات الأخرى على وحدات إدارية (غالبا ما يتعلق الأمر بمديرية أو قسم)، خاصة بتدبير الموظفين وتنفيذ سياسات تدبير الموارد البشرية.
وأشار التقرير إلى أن الوزارة المكلفة بالوظيفة العمومية عرفت منذ إحداثها عدم استقرار في ما يخص تموقعها في الهيكلة الحكومية، كما عرفت تغييرات على مستوى التسمية. ومكن تحليل اختصاصات هذه الوزارة من تبيان الدور المحدود الذي تلعبه في ما يخص المهام الأفقية المتمثلة، على الخصوص، في تدبير أوراش تحديث الإدارة.
وتحدث التقرير عن الدور المهيمن للوزارة المكلفة بالمالية، بحيث تعتبر الوزارة أحد الأجهزة الأساسية لتدبير الوظيفة العمومية، إذ تتولى مديرية الميزانية المساهمة في وضع وتنفيذ الأنظمة المتعلقة بموظفي الدولة والجماعات الترابية وبعض المؤسسات العمومية، في حين تتكلف الخزينة العامة بأداء أجور الموظفين العموميين. وتضطلع مديرية الميزانية بأدوار مهمة في ما يخص التدابير المتعلقة بالوظيفة العمومية، حيث إن كل مقترحات النصوص القانونية ذات الأثر المالي تخضع إلزاميا لرأيها، وبذلك، فهي تشكل مركز القرار بالنسبة للوظيفة العمومية. وفي غياب بنية مؤسساتية لتبادل الآراء والتشاور بين مديرية الميزانية التابعة لوزارة المالية من جهة والوزارة المكلفة بالوظيفة العمومية من جهة أخرى، فإن معالجة الجوانب القانونية والمالية والتنظيمية للوظيفة العمومية تبقى مجزأة، وهو ما يعيق وضع سياسة شاملة ومندمجة لتدبير هذا المجال.

النعم ميارة “الكاتب العام للاتحاد العام للشغالين بالمغرب” : «يجب تفعيل المجلس الأعلى للوظيفة العمومية»
تجب الإشارة إلى أن الحكومة بدأت تتحدث عن الوظيفة الجهوية بدل التوظيف بالتعاقد، وذلك في إطار الجهوية الموسعة، غير أن ما نطرحه نحن في الجانب الأول على الحكومة، هو ضرورة أن تفكر في إصلاح الوظيفة العمومية بشكل عام، معالجة إشكالية تعدد الأنظمة الأساسية الوظيفة العمومية، والمجلس الأعلى للوظيفة العمومية الذي لم يتم تفعيله، إذ إنه لم ينعقد منذ ثلاث سنوات، غير هذه المرة، ناهيك عن ضرورة الحوار مع النقابات الأكثر تمثيلية من أجل مناقشة العديد من الملفات المهمة في إطار الوظيفة العمومية. وبعد كل هذا يمكن، حينها، الحديث عن إصلاح الوظيفة العمومية. أما أن تحاول الحكومة تنزيل قرارات وتوجهات بتنزيل حلول ترقيعية في قطاعات دون أخرى فهو أمر مرفوض، والحكومة تهرب التشريع بمراسيم وقرارات يتم تنزيلها دون استشارة لباقي الفرقاء، وهو ما يتسبب في مشاكل وإكراهات، كشأن ملف التعاقد الذي خلف احتجاجات أزيد من 70 ألف أستاذ حاليا، وبين عشية وضحاها تتراجع الحكومة وتتحدث عن الوظيفة الجهوية، دون سابق مشاورة مع الفرقاء الاجتماعيين.
إن ما يمكن تسجيله أنه ليس هناك أي حوار مع النقابات قبل تنزيل قرارات التوظيف الجهوي، كما أن الملف لم تتم مناقشته في أي من اجتماعات المجلس الأعلى للوظيفة العمومية، الذي يعتبر بمثابة المؤسسة الدستورية التي تجسد حضور وتمثيلية هذه الأطراف. ونعتبر أن حديث الحكومة عن إصلاح الوظيفة العمومية هو محاولة من أجل حجب وتوجيه الأنظار عن هذه العشوائية في التسيير التي تطبع تعامل الحكومة في عدد من الملفات. وهذا الأمر لن يخدم أي أحد، وعلى الحكومة تقديم حلول للأزمات الحالية في إطار الحوار الاجتماعي الذي يتهرب منه رئيس الحكومة. وتجب معالجة ملف التوظيف بالعقود أو التوظيف الجهوي كذلك في إطار الحوار الاجتماعي والالتزام بمخرجات الحوار. والملاحظ أن الحكومة سبق وراسلت صندوق النقد الدولي من أجل توفير خط ائتماني لأن الحكومة مقبلة على (إصلاحات كبيرة)، وقد طالب البنك الحكومة بالتخلي عن الوظيفة العمومية، وهو الأمر الذي بدأت الحكومة في تنزيله من خلال التعاقد في التعليم الذي فشل اليوم، على اعتبار أن أي ملف اجتماعي يتم الخوض فيه دون استشارة أو إشراك النقابات مصيره الفشل.

محمد النحيلي ” الكاتب الوطني للمنظمة الديمقراطية للجماعات المحلية ” : «ليس لدى الحكومة الحالية أي نية للإصلاح»

إن ما يمكن أن نسجله في تعاطي الحكومة الحالية، هو أنه ليست هناك أي نية للإصلاح، باعتبار أن الخيط الموجه للتدابير والسياسات العمومية التي تم إقرارها، هو الهجوم على الحقوق والحريات، والتراجع عن مكسبات الطبقة العاملة وعموم مكونات الشعب المغربي. وأي مقاربة تحكم اليوم تعامل الحكومة ومعالجتها للملفات المرتبطة بالطبقة العاملة هي مقاربة ماكرو اقتصادية مرتبطة بتنفيذ توجيهات وإملاءات مراكز المال الدولية، وعلى رأسها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وبالتالي فمنذ إقرار الخوصصة وبعدها المغادرة الطوعية، ونحن نسجل هجمات متوالية على الوظيفة العمومية، أو بالأحرى على الخدمة العمومية، من خلال الإجهاز على كل الخدمات العمومية التي تعتبر الحكومة أنها تشكل عبئا ماليا في قطاعات غير منتجة. من هذا المنطلق، فالحكومة تعمل على تنزيل القرارات التي يحكمها تحقيق التوازنات الماكرو اقتصادية، وما جاء به وزير الوظيفة العمومية يخرج عن منطق المشاورة التي جاء بها الدستور ويضرب في عمق الفاعل النقابي.
نحن نسجل اليوم سباقا نحو إقرار إصلاح أحادي وبشكل فردي، وهو الأمر الذي لا يختلف عن النهج الذي سلكته الحكومة السابقة لعبد الإله بنكيران، من خلال الهجوم على عدد من المكتسبات والإمعان في القرارات الانفرادية، ولو أن الوزير الحالي انشغل بتنفيذ ما تبقى من اتفاق أبريل 2011، الذي يتضمن العديد من الاتفاقات التي تهم الوظيفة العمومية وإصلاحها، وتحفيز الموظف العمومي والرفع من مردودية، لكان الأمر أحسن. غير أن ما نلاحظه أن الحكومة الحالية تواصل الإمعان في القرارات الأحادية، كشأن سابقتها التي أجهزت على أجور الموظفين، من خلال (الحق الذي أريد به باطل)، المتمثل في إصلاح التقاعد، والذي بموجبه تم الاقتطاع من أجور الموظفين بدل الرفع منها، وبدل محاسبة ناهبي المال العام والاستجابة لتقرير لجنة تقصي الحقائق. كانت النية لدى الحكومة هي التقليص من أجور الموظفين، وهي النية التي كان عبر عنها بنكيران في عدد من المناسبات، والحكومة الحالية تواصل تنزيل ما تركته سابقتها، والوزير المكلف بالوظيفة العمومية لم يكلف نفسه محاورة النقابات أو حتى تنظيم مناظرة تجمع كل الفرقاء من أجل التباحث في هذا الإصلاح المنشود.

حسن المرضي ” ممثل الجماعات الترابية بالمجلس الأعلى للوظيفة العمومية ” «المجلس الأعلى للوظيفة العمومية يجتمع حسب المزاج والإصلاح يسير ببطء شديد»

1 – ما خلفيات توجه الحكومة من أجل إصلاح الوظيفة العمومية؟

يجب الإشارة أولا إلى أن تصور الحكومة بخصوص إصلاح قطاع الوظيفة العمومية جاء متأخرا بالربط مع القانون المتعلق بالوظيفة العمومية الذي يعود لسنة 1958، والذي طرأت عليه مجموعة من التغيرات وهي تغيرات بسيطة، خلافا لما يجب أن يكون عليه تطور الإدارة المغربية والوظيفة العمومية، الذي يجب أن يكون تطورا متسارعا يواكب مستجدات القطاع في باقي دول العالم، زيادة على أنه من المفروض على الحكومة العمل من أجل تفعيل المؤسسة الوحيدة التي تعنى بالوظيفة العمومية، وهي المؤسسة المنتخبة الوحيدة في المجال، وهو المجلس الأعلى للوظيفة العمومية الذي يجتمع حسب المزاج، وليس هناك دورات محددة لهذا المجلس، مع العلم أنه هو المؤسسة التي يجب أن تناقش فيها جميع ملفات الوظيفة العمومية بحكم تركيبته، على اعتبار أنه يضم ممثلين عن الإدارة وكذلك ممثلين عن الموظفين المنتخبين، سواء الإدارات العمومية أو الجماعات الترابية، زيادة على أن هناك إشكالية في هذا المجلس هي غلبة تمثيلية الإدارات العمومية على تمثيلية الجماعات الترابية، علما أن هذه الأخيرة هي مكون أساسي، وهي الأقرب للمواطنين والمخاطب المباشر في التواصل معهم كما تؤدي خدمات القرب للمواطنين، وهي إشكالية لم تقدم لها الحكومة حلا مرضيا من أجل الخروج بقانون للوظيفة العمومية يساير التطورات المستقبلية.

2 – ماهي المشاكل التي تواجه إصلاح الوظيفة العمومية؟

إن الإشكالية التي تواجه الحكومة في السنوات الماضية هي أن هذه الحكومة حاولت إفراغ الإدارات العمومية من الوظيفة العمومية والتقليص منها، وهو الأمر الذي ليس وليد اللحظة، بل هو مرتبط منذ التسعينات من القرن الماضي من خلال التدبير المفوض والخوصصة لعدد من القطاعات، وبالإضافة إلى كل هذا إجراءات المغادرة الطوعية التي أفرغت الوظيفة العمومية والإدارات العمومية من عدد مهم من الأطر والكفاءات وذوي الخبرة، وسهلت لهذه الأطر مغادرة الإدارة العمومية في الظروف التي مازالت تلك الإدارات في حاجة ماسة إلى تجربتهم، ناهيك عن سياسة التعاقد التي جاءت بها الحكومة السابقة وبدأت الحكومة الحالية في تنزيلها، وهي السياسة التي ستخلق مشكلا كبيرا في الوظيفة العمومية، علما أن هؤلاء المتعاقدين الجدد لم يحصلوا على التكوين الضروري من أجل الاشتغال في الإدارة العمومية، زيادة على غياب التأطير النقابي والسياسي لديهم، وهو الأمر الذي خلق احتقانا اجتماعيا مع هذه الفئة، التي يظهر أن جانبا من مطالبها عادلة، خصوصا إذا تحدثنا عن غياب الاستقرار المادي والمعنوي.
وبالإضافة إلى كل ما ذكر هناك نقص كبير في جانب المحاسبة لموظفي الإدارات العمومية على الرغم من المبدأ الدستوري القاضي بربط المسؤولية بالمحاسبة، بالإضافة إلى أن الإدارة المغربية لا تمنح فرص التكوين والتكوين المستمر، وهو الأمر الذي يجعل الموظف ينفر من العمل ولا يواصل العطاء في مجاله.

3 – أي دور يمكن أن يلعبه المجلس الأعلى للوظيفة العمومية في إصلاح الوظيفة العمومية؟

إن الإشكالية التي تواجه المجلس الأعلى للوظيفة العمومية هي أنه لا يعقد اجتماعاته بشكل دوري، إذ أن المجلس الأعلى يجب أن تتوفر له جميع الصلاحية للاقتراح والعمل على دراسة المشاريع المرتبطة بقطاع الوظيفة العمومية بالنظر إلى التمثيلية الواسعة التي يتشكل منها، وهو الأمر الذي يجعل منه هيئة مهمة من أجل إصدار توصيات قابلة للتطبيق، غير أن الملاحظ أن الحكومة في واد والمجلس الأعلى للوظيفة العمومية في واد آخر، مع العلم أن رئيسه هو رئيس الحكومة، غير أننا سجلنا أن العثماني لم يسبق له أن ترأس أحد اجتماعات المجلس الأعلى للوظيفة العمومية خلال ولايته الحكومية الحالية، زد على ذلك إشكالية التعيين في المناصب السامية، الذي نعتبر أن هذا الاختصاص كان من المفروض أن يكون بيد المجلس الأعلى للوظيفة العمومية حتى نضع حدا لذلك الغطاء السياسي الذي يفرضه الوزراء في التعيينات للمناصب العليا، والذي غالبا ما يكون مرتبطا بالولاءات الحزبية، وقد سجلنا في هذا الباب مجموعة من الخروقات التي تستوجب الاشتغال على هذا الموضع بالاستعجال المطلوب من خلال تشكيل لجنة تكون تابعة لرئاسة الحكومة يناط بها هذا الاختصاص في التعيين في المناصب العليا، والذي يجب اعتماد الكفاءة والتجربة والخبرة من أجل التعيين في هذه المناصب. ومع الأسف التوصيات التي تصدر عن المجلس الأعلى للوظيفة العمومية لا يتم تنزيلها والحكومة تشارك في المجلس بناء على تصورات سابقة تحاول تمريرها في المجلس.

مخطط الحكومة لضرب الوظيفة العمومية
شرعت الحكومة في العمل بالتوظيف المؤقت عن طريق التعاقد، أو ما يصطلح عليه التوظيف بـ«الكونترا». وسبق للنظام الأساسي العام للوظيفة العمومية أن عرف، سنة 2011، تعديلا بموجب الفصل 6 المكرر من القانون رقم 50.05، والذي يقضي بإضافة طريقة جديدة في التوظيف، إلى جانب التوظيف النظامي في الوظائف القارة، متمثلة في «تشغيل أعوان عن طريق التعاقد»، بمبرر جذب كفاءات خاصة قادرة على إنجاز مشاريع أو خدمات لفائدة الإدارة المعنية، والتي تكتسي عادة طابعاً مؤقتاً وتقنياً محدداً في الزمان، كلما اقتضت ضرورة المصلحة ذلك، ولا يترتب على هذا الأسلوب في التشغيل أي ترسيم للمتعاقدين في أسلاك الوظيفة العمومية.
ويهدف المخطط إلى سد حاجيات الإدارة من الكفاءات والخبرات القادرة على تسيير وتدبير المشاريع والأوراش الكبرى على الأمدين القصير والمتوسط، والتي لا تتطلب، في نظره، بالنظر إلى طبيعتها، اللجوء إلى التوظيف النظامي الدائم، وهو ما سيضع الحكومة مرة أخرى أمام امتحان عسير، خصوصاً أن الفهم الحاصل لدى الجميع يتلخص في أن قطاع الوظيفة العمومية يستعد للتوظيف بالتعاقد، لسد العجز المسجل على

مستوى الموارد البشرية.
وتتجه الحكومة بشكل تدريجي إلى التخلص من الوظيفة العمومية، وظهرت ملامح ذلك أثناء تقديم عرض حول المرسوم المتعلق بالتشغيل بموجب عقود بالإدارات العمومية، تم تقديمه خلال الملتقى التشاوري للمفتشين العامين للوزارات، حيث تم تدارس التشغيل بموجب عقود في الوظيفة العمومية بدلا عن التوظيف، وتمت الإشارة خلاله إلى الأساس القانوني للتشغيل بموجب عقود، والذي يستند إلى الفصل 6 مكرر من الظهير الشريف رقم 1.58.008، الصادر في 24 فبراير 1958، والذي يعد بمثابة النظام الأساسي للوظيفة العمومية، والذي يسمح للإدارة عند الاقتضاء بأن تشغل أعوانا بموجب عقود وفق الشروط والكيفيات المحددة بموجب مرسوم، ولا ينتج عن هذا التشغيل في أي حال من الأحوال حق الترسيم في أطر الإدارة.
وبدأت الحكومة بأول خطوة في هذا الاتجاه، بمصادقة البرلمان على القانون المتعلق بإحداث المدرسة الوطنية العليا للإدارة، والذي ستكون من بين مهامها تنظيم في إطار تعاقدي مباريات التوظيف في المناصب العمومية لحساب الإدارات العمومية وغيرها من الهيئات. ومن خلال هذا القانون، تم دمج المدرسة الوطنية للإدارة مع المعهد العالي للإدارة. ورغم أن العديد من الإدارات والمؤسسات العمومية تعرف خصاصا مهولا في الموارد البشرية، فإن الحكومة تعمل بمنطق سياسة التقشف في توزيع المناصب المالية، بهدف تقليص كتلة الأجور، رغم أن هذا التوجه ستكون له انعكاسات على مداخيل صناديق التقاعد التي تعاني بدورها أزمة تهددها بالإفلاس.
أما التصور المقترح فيتكون من نوعين من التعاقد: الأول التعاقد من أجل إنجاز مشاريع أو دراسات أو تقديم استشارات أو خبرات (التعاقد الوظيفي)، وذلك من أجل إنجاز مشاريع أو دراسات أو خبرات أو القيام بمهام، ومدة التعاقد محددة أقصاها سنتان، مع إمكانية تجديدها دون أن تتجاوز مدة التعاقد الإجمالية أربع سنوات، والفئة المستهدفة أشخاص ذوو كفاءات وتجربة مهنية عاليتين، والأجرة والتعويضات المخصصة لهذه الفئة حددت في أجرة جزافية شهرية في حدود 50 ألف درهم، تحدد معاييرها بقرار مشترك للسلطة الحكومية المكلفة بالمالية والسلطة الحكومية المكلفة بالوظيفة العمومية، وألا يتجاوز عدد الأعوان المتعاقدين 12 عونا كحد أقصى بالنسبة لكل إدارة، وشروط الترشيح هي الشروط العامة المنصوص عليها في النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، ومنها مؤهل علمي لا يقل عن مستوى الإجازة أو ما يعادلها، وتجربة مهنية لا تقل عن 10 سنوات في القطاع العام أو الخاص في المجالات ذات الصلة بالمهام أو المشاريع أو الدراسات أو الاستشارات موضوع العقد.
وبخصوص النوع الثاني من التعاقد، فهو من أجل القيام بوظائف ذات طابع مؤقت أو عرضي أو تنفيذي. ومدة التعاقد محددة قابلة للتمديد لفترة إضافية واحدة في حدود المدة نفسها تحدد في العقد، وبالنسبة للأجرة والتعويضات، فهي، أيضا، أجرة جزافية شهرية تحدد مقاديرها بقرار مشترك للسلطة الحكومية المكلفة بالمالية والسلطة الحكومية المكلفة بالوظيفة العمومية، مع زيادة في الأجرة عن سنوات الأقدمية. ولا يمكن اللجوء إلى التعاقد إلا بعد ترخيص رئيس الحكومة في حدود المناصب المالية الشاغرة، ولا يمكن أن يؤدي التشغيل بموجب عقود إلى الترسيم في إحدى الدرجات النظامية، كما جرى في وزارة التربية الوطنية، التي شرعت في اعتماد هذا النظام من التوظيف، إثر الخصاص المهول الذي يعانيه القطاع في ما يخص الموارد البشرية، خصوصا الأساتذة في عدد من الأكاديميات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Al akhbar Press sur android
إغلاق
إغلاق