الرأي

مستقبل العلم والعالم

بقلم: خالص جلبي

 

 

إن سرعة الإنسان سخيفة حتى في مستوى عدَّاء (الماراثون) الشهير (فيديبيدس) الذي ركض (224 كيلومترا) بين مدينتي (ماراثون) وإسبرطة القديمة للتحذير من الاجتياح الفارسي الوشيك لبلاد اليونان فهو لا يزيد عن 15-20 كيلومترا/ ساعة، في حين أن سرعة الحصان لا تزيد عن 70 كيلومترا/ ساعة، ويبدو أن الفهد البري هو أسرع الحيوانات قاطبة إذ تعقب المكتشف الأمريكي (روي تشابمان آندروز) فهدا هنديا قريبا من نيبال بسيارته وبقي يزيد في السرعة فلم يستطع اللحاق به ولم يتعب الفهد الرشيق، وربما بلغت سرعته حوالي 120 كيلومترا/ ساعة، وتبقى الطيور هي المتفوقة بين كل كائنات الكرة الأرضية فهناك مجموعة من الطيور تصل سرعتها حتى قريبا من سرعة الطائرات (ما يزيد عن 350 كيلومترا/ ساعة)(طير الفرقاطة)، ويعتبر سمك (أبو سيف) أسرع الكائنات البحرية، إذ يصل في سرعته حتى حوالي 100 كلم في الساعة، إلا أن القرآن يفتح عيوننا على (سرعات) تتفتح لها الشهية العلمية تماما، تقوم بها ثلاثة كائنات واعية هي (الملائكة) التي يكشف القرآن النقاب فيها عن سرعة الضوء (في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون).

 كما يشير القرآن إلى اختلاف الزمان بين مكان وآخر، فـاليوم هو في مكان (خمسين ألف سنة)، ولكنه في مكان آخر (ألف سنة) من الزمن الذي نتعامل به (مما تعدون). و(الجن) محدودو السرعة بعدة مئات من الكيلومترات في الساعة، كما جاء في قصة نقل عرش ملكة سبأ على يد الجن والعلماء، فكانت سرعة الجن في نقل العرش حتى يقوم سليمان من مجلسه وهو ساعات ولكن الذي عنده علم من الكتاب نقله في لحظة وهي سرعة الضوء. وإمكانية نقل المواد على الطريقة التي عرضت في فيلم (الهرب ضد الزمن- RUNNING  AGAINST THE TIME)، حيث تم تكثيف المواد، سواء الفيزيائية أو البيولوجية من خلال (داتا= وحدات معلومات) رهيبة ونقلها عبر الزمن إلى زمن آخر. وبالطبع فإن الفيلم الأخير هو من أفلام الخيال العلمي لا أكثر، ولكن الإنجازات الإنسانية العظيمة جاءت كلها من خيالات، وصاحبنا (آينشتاين) جاءت نظرية (النسبية) عنده من خياله وهو طفل (أن يركب شعاع الضوء)! إن القصة وترميزاتها بين (سليمان والهدهد والعرش والصرح) تنعش العقل بإمكانيات لم يصل إليها حلم الإنسان، بل وحتى كل التصورات العلمية الحديثة، باعتبار أن سرعة الضوء ثابتة لا تتغير  كما لا يمكن تجاوزها، وكان السباق بين (عفريت) من الجن يريد إحضار العرش في مدى ساعات (قبل أن تقوم من مقامك)، وبين من يملك إمكانية (علمية) (عنده علم من الكتاب) والذي عرض خدماته في إحضار العرش بسرعة الضوء (قبل أن يرتد إليك طرفك). كانت إذاً إمكانية (الجني) في سرعةٍ وصل إليها الإنسان، بل (تجاوزها) في الوقت الراهن. بل هناك من يخطط لبناء قطار في لجة المحيط الأطلسي في نفق مفرغ من الهواء يطير بقوة المغناطيس بسرعة 8000 كلم في الساعة؟ والجني أحضر حمولة بسيطة (العرش) وخلال ساعات، والبشر اليوم يرسلون الصواريخ التي تخترق الجاذبية الأرضية بسرعة تجاوزت 27 ألف كلم/ ساعة، ولكن الإمكانيات البشرية لم تصل حتى اليوم إلى قدرة ذلك الذي عنده (علم من الكتاب). ولم تصل إلى مستوى عمله مرتين: (الأولى) لم تصل إلى سرعته لأنها سرعة الضوء، ولأن (النسبية) تضع (استحالة) في الوقت الراهن أمام الوصول إليها، و(الثانية) إمكانية نقل أي شيء عبر هذه السرعة التي تمثل أعظم سرعة في الوجود، حيث يتحول من يصل إليها إلى (كتلة لا نهائية) ويستهلك من الطاقة (طاقة لا نهائية) وينضغط في (الطول) وينكمش إلى الصفر، كما يتوقف (الزمن) عند ذلك! بل إذا زادت السرعة عن سرعة الضوء انقلبت الأحداث بشكل معكوس فيقوم الأموات من القبور، وتلد البنت أمها!

ومن عالم الفيزياء إلى عالم البيولوجيا فقد أصيبت السيدة (مارغريته دورن بوش) من منطقة الراين لاند من غرب ألمانيا في يناير 2003م بنوبة احتشاء قلب كادت أن تهلك فيها. وبعد أن نجت عرف أن ربع القلب قد احترق في هذه العاصفة. وعانت المريضة من الضعف وضيق النفس حتى سمعت بأن هناك علاجا جديدا عند طبيب في جامعة دوسلدورف اسمه (شتراور) فقصدته. فأخضعها للعلاج بطريقة ريادية جديدة، هي أخذ خلايا (جذعية) من نفس المريضة من الحوض. وهذه الخلايا بسيطة ويمكن أن تنقلب إلى أي نوع من الخلايا في الجسم. وهي تقنية كشفت بعد قصة الاستنساخ الخلوي وخروج دولي النعجة إلى الوجود عام 1997م. والخلايا الجذعية هي في معامل الصيانة داخل البدن، وتوجد في أكثر من عشرين نسيجا ولا توجد في القلب. وعندما يخلق الإنسان يمر بثلاث مراحل حاسمة: الأولى حتى ثماني خلايا وبإمكان كل خلية أن يوجد منها إنسان. ولو عزلت السبع وحفظت في سائل الآزوت مبردة 162 تحت الصفر، فيمكن الاحتفاظ بها حية ميتة مدة عشرة آلاف سنة. وهناك معهد في أمريكا يعمل هذا. ويمكن دعوتها للحياة بعد ألف سنة واستخراج نسخة طبق الأصل عن الإنسان الأولي. وبعد مرحلة السبع المثاني من الخلق العظيم، تأتي مرحلة عدم التميز وهي حتى 200 خلية غير المميزة وهي التي تسمى الخلايا الجذعية. ومن هذه الـ200 خلية يخرج 210 أنواع من الأنسجة الجسمية بعدد يصل إلى سبعين مليون مليون خلية. وهي خلايا تشكل كل الأعضاء والأجهزة. وهي التي اعتمدها الدكتور شتراور لمعالجة مريضته. قام الدكتور (بودو إيكيهارد شتراور، 61 سنة) بأخذ عينات خلوية من  حوض السيدة دورن بوش، ومن خلال قسطرة أدخلها في الشريان الفخذي وصولا إلى القلب، حيث منطقة التموت وتظهر بجهاز خاص قد انقطعت عنها التروية. وفي تلك المنطقة يقوم بزرع هذه الخلايا الذكية. ليكتشف بعد فترة أن هذه الخلايا غير المميزة عندما وصلت إلى تلك المنطقة بدلت طبيعتها وتحولت إلى خلايا قلبية، وتم ترميم وتجديد المنطقة المصابة وعادت المريضة إلى حياتها الطبيعية ونشاطها المعتاد، فهي تركب دراجتها كل صباح وتقوم بنزهتها الصباحية. والقلب حين يصاب ويسميه الأطباء (التنخر Necrosis) النسيجي. وهو تموت قسم من العضلات، حيث كان الدم يغذي، ويطلق عليه احتشاء القلب. ومرض القلب عادة يأتي على شكلين، إما (الخناق) أو (الاحتشاء). والخناق هو قلة تدفق الدم ثم العودة إلى الطبيعي، والثاني هو الانقطاع التام وتموت قسم من عضلة القلب وهو مهم في التشخيص. والخناق ألم في الصدر يزول بعد دقائق، وهو إنذار أن تروية العضلة القلبية ليست على ما يرام. وأذكر أنني استدعيت يوما إلى مريض، وأنا في مرحلة ممارستي الأولى للطب، وكان يشكو من ألم شديد في الصدر يشبه طعنة الخنجر، وألم من هذا النوع قد ينتشر إلى الكتفين أو الفكين أو حتى أحيانا يمتد إلى اليد اليسرى. ونصحت الرجل بالراحة بعد حقنة المسكن، ولكن البيت ازدحم بالزوار والغرفة بالدخان وبقي الرجل على حركته، ظنا منه أن الحركة سوف تريحه. والنتيجة معروفة. فالعزاء يكون قد تجهز وملك الموت دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى. وفي مثل هذه الحالات يجب الانتباه إلى أن الوضع قد يكون خناقا، أي نوبة انقطاع مؤقتة للدم، أو أن القلب في طريقه إلى التموت. وأحيانا يعمل القلب على قانون (كل شيء أو لا شيء)، فعند تموت قسم منه يعلن الحداد العام والإضراب الشامل عن العمل، فيتوقف كل القلب عن العمل فيموت المريض. وهذا السبب في أن قسما من مرضى القلب بالاحتشاء يموتون مع النوبة، فوجب التنبيه إلى أخذ الاحتياطات والتدابير والتشخيص المبكر والمعالجة الصارمة. والقفزة الجديدة في المعالجة ثورة في الطب تفتح بابا لعلاج الشلل ومرض باركنسون والزهايمر والسكري، لأن الخلايا يمكن تعويضها بخلايا من الجسم بدون ظاهرة الرفض. مع هذا فطريق العلم ليس سهلا وسريعا، والتجارب ما زالت ماضية في طريقها وفوق كل ذي علم عليم. 

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق