مسلسل الفتك بالعظماء

مسلسل الفتك بالعظماء

كثيرة هي الأسماء التي تداولناها، ونتداولها، على أساس أنها للكبار، الذين أسسوا مجد الحضارة العربية الإسلامية في الحقبة التي تُعرف عربيا وإسلاميا بالحقبة الذهبية، وهذه الأسماء قد نعجز عن إحصاء إسهاماتها وما أبدعت، نظرا لتعدد الاهتمامات والتخصصات من جهة، اعتبارا لموسوعيتها، ونظرا من جهة أخرى لكثافة تلك التخصصات وتنوعها. ويبقى المثير هو الإجماع حول قوة وأهمية، وعظمة كل ذلك. لكن السؤال الذي لا يمكن التفكير في طرحه، وبالتالي استبعاده كليا، هو المتعلق بحياة هؤلاء جميعا، ودرجة حضورهم وتأثيرهم في المحيط الذي ينتمون إليه، فالمستوى العالي لِمَا وَصَلَنا عنهم من عملٍ وجِدٍّ وإبداعٍ، بالتأكيد يدفعنا لتصور حياتهم داخل محيط يُقدِّرهم، وسلطة تجعلهم طليعة المجتمع..، ماذا لو لم يكن الأمر كذلك؟ ماذا لو علمنا أنهم عاشوا في كبد وضيم، وبعضهم عاش المأساة،
ومات عليها؟
لنذكر مثلا كبار الفلاسفة والرياضيين والأدباء، أبو بكر الرازي وابن رشد والجاحظ وبن المقفع وابن الهيثم والكندي وغيرهم، ولنذكر أيضا علماء الدين والفقهاء والمتصوفة الرواد، البخاري وبن حنبل ومالك بن أنس والحلاج..، أكيد أن كل هؤلاء عاشوا أمراء من فرط تقديرهم وعُلُوِّ شأنهم بين الناس، وبين السلطان على السواء، كيف لا وهم الرواد في الارتقاء بكل ما احتاجه الناس من أمور الدين والدنيا إلى مستويات تفوق ما كان عليه الناس في الأمم الأخرى؟
أبدا، الأمر عكس هذا تماما، فإذا كان الرابط الأساس، الذي يجتمعون حوله هو العلم والمعرفة، فالذي يجمعهم أكثر – وهو الأحقُّ بالاهتمامِ والتَّدَبُّر وأخذ العِبر- هو المحن والمآسي التي عاشوها جميعا، والتي بلغت من المأساوية ما يندى له جبين المنتسب لهذه الأمة، ولو بمرور قرون، لأن ما نعيشه اليوم هو في الحقيقة رجعُ صدىً لما عاشوا، ليس أكثر. وسأكتفي بذكر بعض المآسي التي عاشها بعض العظماء سالفوا الذكر، ولنبدأ بابن الهيثم، ملك البصريات وعلم المناظر، ومخترع نظام التصوير بالكاميرا، الذي ادّعى الجنون خوفا من بطش الحاكم بأمر الله الفاطمي، وقَبِل العيش مجنونا على أن يكون سويا ويقع عليه عقاب الخليفة، ومع ذلك لحقه الأسوأ، أسوأ عذاب، حين حُبس في زنزانة مظلمة تغمرها العتمة ولا تُبقي لنزيلها أملاً في القراءة أو الكتابة، وهذا هو الغرض والمغزى من وضعه فيها، لكن شعرة ضوء كانت تتسلل من الباب السميك للزنزانة هي التي ستُوحي لابن الهيثم بفكرة الكاميرا، منعوه من الكتابة لأنها تزعجهم، فجاد على العالم من بعدهم بفكرة أبقته حيا أبد الدهر، وأفنت في المقابل ذكرهم ولم يعد يذكرهم الناس إلا بما ألحقوه من الأذى بالآخرين.
وهذا بن رشد الذي عاش في المأساة ومات فيها، ولحقته حتى بعد الموت، أُحرقت كتبه بأمر السلطان يعقوب المنصور المُوحدي، وطردته الغوغاء من مسجد قرطبة، وضربته بالنعال، بسبب كفره المزعوم، وبعد موته ستتجدد المأساة حين تَشَفَّى فيه خصومه وحرّضوا على ترحيل جثمانه وكتبه إلى شمال المتوسط بالتهمة نفسها «الكفر»، فكان الترحيل، وكان أن غرق الجنوب في الظلام، ونعم في المقابل الشمال في النور «نورِ عقلانية بن رشد».
أما إذا استحضرنا عظيما آخر عُرف بالتفوق والدراية أكثر ممن لهم السلطة عليه، عبد الله بن المقفع، فسنجد أن كتاباته المبهرة والبديعة لم تشفع له حين أمر حاكم البصر بقتله والتمثيل بجثته بسبب تطاوله عليه وسبه هو وأمه، وإن كان هناك من يعتبر سبب هذا الفتك الفضيع فساد دينه وعقيدته، ويُحكى أنه قطِّع حيا وشُوي لحمه قطعة قطعة على مرأى منه.
ولأن العظماء يُقَرَّبُون غالبا من دوائر السلطة، فقد كان الفيلسوف والفزيائي والطبيب، جابر بن حيان في ديوان الوزير جعفر البرمكي، وعندما أتخذ هارون الرشيد قراره الشهير بإقصاء البرامكة من المسئولية والتنكيل بهم، لم يراع في ابن الحيان إلا ولا ذمة، ولم يستحضر له علما ولا معرفة، فما كان للأخير إلا الهرب والتخفي، إلى أن مات.
وتبقى محنة بن حنبل صاحب المذهب الفقهي الشهير الذي يحمل اسمه «المذهب الحنبلي» ويسمى أتباعه والمنتسبون لمذهبه باسمه «الحنابلة»، هي الأشهر والأكثر شيوعا، وذلك لسببين، الأول ارتباطها بقضية فلسفية وكلامية «خلق القرآن» التي أخذت شهرة واسعة، وأثارت جدلا فلسفيا كبيرا، وخاضت فيها الأجيال المتعاقبة جيلا بعد جيل إلى اليوم، وألفت حولها كتب يصعب حصرها، والثاني هو تداول الخلفاء المتعاقبين على الفتك بابن حنبل والإبقاء عليه مسجونا معاقبا بلا رأفة وشفقة بتوصية يرثونها كما يرثون الحكم والسلطان، المأمون والمعتصم والواثق والمتوكل، وهذا الأخير هو من وضع حدا لها.
وأجعل خاتمة هذه الإطلالة الموجعة في سير بعض العظماء، مع الاسم الأكثر ذكرا في الصالحين والطالحين، دون تمييز، والأكثر تقديرا وتبجلا في زماننا من طرف أهل السنة، كيف لا وهو صاحب «أصح كتاب بعد كتاب الله» كما يعتبره الكثيرون، الإمام البخاري، إذ لا يتصور أحد أنه عاش بشاعة الملاحقة والتكفير، حتى الموت قهرا وحسرة، بل هذا ما حصل فعلا، إذ لم يشفع له بحثه المضني في الحديث النبوي وجمعه وتنقيته مما لحق به من الشوائب والأكاذيب، فنال على إثر عمله الجليل التقدير ورفعة المقام بين أقرانه من الفقهاء، وهؤلاء -أو جزء منهم على الأقل- لم يعجبهم ما بلغه البخاري دونهم، فبحثوا له عن زلة، وكادوا له، وحرضوا عليه، وقذفوه بأشنع تهمة، فساد العقيدة، وبالتالي الكفر، وعاش وهو في آخر العمر مطرودا، هاربا من المترصدين له في وطنه، وبين مدن كَثُر فيها مُحِبُّوه وكارهوه على السواء، سمرقند وبوخارى ونيسابور، وضاقت به الأرض، وأُغلقت في وجهه الأبواب، وصاح صيحته الأخيرة «اللهم إني قد ضاقت علي الأرض بما رحبت، فاقبضني إليك»، وظل طريدا دون حمايةٍ أو اعتبارٍ حتى الموت.
من خلال كل هذا ما الذي تبقى لنا من هؤلاء وغيرهم، غير وضع أسمائهم على الشوارع والصيدليات والمقاهي، حين يكون الإصرار على دفن سيرهم بشقها المأساوي، وتجاهل مناقبهم وما كان لهم من السبق في العلم والمعرفة، ألا يتبادر إلى الذهن أن ما نحن فيه من وهن وهوان هو امتداد لتغييب العقل، والحجر عليه، وبالتالي التضييق على دائرة الإبداع الفكري لصالح «الإبداع التكفيري» بفتاوى وبدونها ينشغل بها الناس وتشغلهم؟ ومن ثمة إخلاء الساحة لدائرة السلطة كي تستفرد بالفعل والقول، و»التفكير» أيضا؟ والسماح بسلاح التكفير يشتغل ويتغلغل ويفعل فعله في الناس بكل بؤس وصفاقة كما حصل مع السابقين؟ ألا يحق لنا أن نردد ما نَظَمَه المتنبي حين قال:
لا شيء أقبح من فحل له ذكــر
تقوده أمــة ليــس لــــها رحــم
أغاية الدين أن تحفوا شواربكم
يا أمة ضحكت من جهلها الأمم.
بل يحق لنا، وأكثر.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *