الرئيسيةالملف التاريخيتاريخ

مشاهير دار المخزن المنسيون

أمراء وأقارب وأعيان لعبوا أدوارا كبيرة في حياة الملوك

يونس جنوحي
«الذين اشتغلوا إلى جانب المولى محمد بن يوسف في شبابه، أي في سنوات الثلاثينات والأربعينات، كانوا يدركون جيدا التقارب بينه وبين أخويه، يتعلق الأمر هنا بمولاي إدريس ومولاي الحسن، ابني المولى يوسف. لم يكونا يحملان لقب الأمير. والسبب راجع إلى أن التقاليد المخزنية المرعية وقتها لم تكن تعترف بلقب الأمير أو الأميرة، وتعامل كل سلالة العائلة الملكية بلقب «الشريف» و«الشريفة». ولم تتغير الأمور إلا عندما دخل لقب «الملك» إلى التشريفات الملكية، طاغيا على صفة «السلطان» القديمة الضاربة في التقاليد المخزنية العتيقة.
الشريفان كانا مقربين جدا من أخيهما محمد الخامس. وعلى عكس الولايات السابقة، عاش الشريفان في ظل أخيهما في وقت كانت العادة فيه أن إخوة السلطان كانوا يبتعدون تلقائيا عن عالم السلطة تاركين المجال لوزراء ومستشاري السلطان، الذين كان بعضهم على خلاف مع الشرفاء بسبب الصلاحيات المخزنية في السلطة. كما أن العادة جرت أن يكون إخوة السلطان المقربين منه، بعيدين عنه جغرافيا بحكم ثقته فيهم وتعيينهم كممثلين له في مناطق بعيدة».

أبناء القصر الذين عاشوا في الظل
في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، كان الأمير مولاي علي حاضرا بقوة في دواليب القرار، وكان حتى معارضو الحسن الثاني الأكثر شهرة، مثل عبد الرحيم بوعبيد وعبد الله إبراهيم يعرفون الأمير مولاي علي والأمير مولاي الحسن بن إدريس، اللذين كانا بعد الاستقلال يشغلان مناصب وزارية وحكومية مهمة.
لكن الأمر كان مختلفا مع أبناء القصر السابقين الذين عاشوا في الفترة المبكرة لوصول الملك الراحل محمد الخامس إلى الحكم سنة 1927. إذ وجدت سُنة مخزنية قديمة تقضي بإبعاد أبناء العمومة والإخوة عن دائرة السلطة القريبة، وتوظيف مستشارين ووزراء يعهد إليهم بأمور الدولة، مع الإبقاء على الإخوة أو الأبناء في مناصب سيادية مثل تمثيل السلطان في الأقاليم الأخرى.
في عهد المولى إسماعيل، أحد أشهر مؤسسي الدولة العلوية، ترسخت عادة مخزنية تمثلت في توظيف أبنائه في الأقاليم كممثلين للسلطان، أو مكلفين بمهام التفاوض مع القبائل التي كانت تتمرد على الدولة بين الفينة والأخرى. كان المولى إسماعيل يعهد بمثل هذه المهام إلى أبنائه دون غيرهم، ويعاملهم بصرامة إضافية تكون مبالغا فيها أحيانا، إذا ما خالفوا تعليمات الوالد.
في عهد المولى الحسن الأول الذي توفي سنة 1894، كان الوضع مختلفا. إذ إن السلطان الراحل ترك خلفه أزيد من 27 ابنا، وقع بينهم خلاف كبير على السلطة، بحكم أن المخزنيين الذين يقودهم باحماد اختاروا المولى عبد العزيز، بتوصية سرية من المولى الحسن الأول. بينما علماء القرويين اختاروا الابن إدريس واختار آخرون أخاه محمد، بينما فريق ثالث من العلماء المحافظين أكثر اختاروا الابن أحمد، الذي كان من طلبة العلم بدوره في جامعة القرويين.
خرج الابن الهادئ مولاي يوسف سالما من معركة كسر العظام بين دواليب المخزن، الذين كانوا يحاولون فرض رأيهم في مسألة خلافة المولى الحسن الأول بعد وفاته.
وفي فترة حكم المولى يوسف، لم يشأ أن يتكرر سيناريو إخوته، فاختار أن يجعل فترة حكمه خالية تماما من نفوذ إخوته أو المقربين منهم. لكن وفاته سنة 1927 جعلت بعض الحسابات تتغير، ليأتي الملك الراحل محمد الخامس إلى الحكم حاملا معه منهجا آخر في تعامله مع العائلة. فقد كان معروفا عنه حبه الكبير لأعمامه وأخويه، وحرص وهو في السلطة على زيارات منتظمة إلى فاس ومكناس، لكي يتفقد منزل العائلة الذي قضى به طفولته الأولى، وسنوات شبابه أيضا، وحافظ على علاقة وطيدة بأعمامه وأبنائهم أيضا.
لكنه في السلطة، قرب منه أخويه أكثر، وهما الشريفان مولاي إدريس ومولاي الحسن بن يوسف. عاش الأخوان مع أخيهما السلطان محمد بن يوسف إلى آخر حياتهما.
بالإضافة إلى ابني عمومته مولاي علي ومولاي الحسن بن إدريس، هذان كانا بالضبط من أصدقاء طفولة الملك الراحل محمد الخامس، وقد حصلا على لقب «أمير» مكافأة لهما على موقفهما الشجاع الرافض لمبايعة ابن عمهما «محمد بن عرفة» سلطانا على المغرب، بعد نفي الملك الراحل محمد الخامس، بل وزاراه في منفاه.

ابن يعيش وابن عبد الرحمان.. موظفان ولدا في القصر وماتا منفيين
ربما كان من سوء حظ إدريس بن يعيش أنه ولد في كنف أسرة مخزنية ولدت في ظل القصر الملكي بفاس. فرغم أنه استفاد من علاقاته العائلية وأصبح عاملا في القرن 19، وهو منصب لم يكن يصل إليه وقتها إلا أهل الثقة الملكية، إلا أنه باتخاذه هذا القرار سوف يندم كثيرا سنة 1904. فبعد أن كان ابن يعيش بعيدا عن ضجيج العاصمة وصراعات السلطة بها، قرر أن يعود بناء على طلب من محيط السلطان، وعُرض عليه أن يعود إلى القصر الملكي كما كان والده من قبله وإخوته، ووعده بأنه سوف يضعه في منصب غاية في الأهمية داخل القصر الملكي.
وبالفعل عاد ابن يعيش، ليجد نفسه في منصب مهم داخل شبكة المقربين جدا من السلطان ومرافقيه الدائمين. أصبح ابن يعيش، عندما اقتُرح اسمه على السلطان في تلك السنة، قائدا للمشاورية. وهو منصب غاية في الحساسية، لم يكن أكثر الوزراء نفوذا يحلمون بالوصول إليه. إذ إن هذا النوع من المناصب كان حكرا بالأساس على عائلات مخزنية دون غيرها، ويكون في الغالب متوارثا بحكم حساسيته.
لكن مع وصول المهدي المنبهي إلى السلطة، أصبح ابن يعيش يعيش متاعب كثيرة في منصبه، ووصل الحد إلى إبعاده من منصبه كمشرف على المخزنيين المرافقين للسلطان داخل القصر وخارجه.
ولم يكن الوحيد الذي تعرض لذلك الزلزال المخزني، فقد كان مغضوبا عليه دون أن تحدد الجهة التي قامت بإقصائه رفقة ابن عبد الرحمان الذي كان ينحدر بدوره من عائلة البخاري المقربة من المولى الحسن الأول. كان والده من مؤسسي الجيش، وكان يشتغل في القصر الملكي، لكنه أصبح بدوره مغضوبا عليه، وتقريبا بدون مهمة شأنه شأن ابن يعيش.
وقصة الرجلين ذكرت في بعض المراجع المخزنية أهمها مؤلفات كُتاب الدواوين، الذين تحدثوا في رسائل مخزنية عن رغبة هذين الاسمين في وساطة بعض الوزراء في الدولة لتقديم شكوى بالحاجب الملكي وبعض موظفي المخزن لإبعادهما من دائرة السلطان.
لكن ما وقع أن المهدي المنبهي، بحكم أنه أصبح أقوى وزراء الدولة في تلك الفترة، كان الوحيد الذي بيده حل المشكلة. وهكذا اقترح ابن عبد الرحمان على ابن يعيش أن يخصص هدايا ثمينة للوزير المنبهي لكي يجد حلا لمشكلة ابن يعيش، الذي لم يشفع له تاريخه العائلي في الإبقاء على منصبه الحساس في القصر الملكي. ورغم توسلاته للمنبهي وعناقه الدائم له كلما أراد تحيته، حسب ما ذكره محمد الروندة في تسجيله لمناوشات موظفي المخزن، في فترة ما بعد وفاة المولى الحسن الأول بفترة قصيرة.
وفعلا كان المهدي المنبهي يملك سلطات واسعة واستطاع إبعاد ابن يعيش من دائرة الإقصاء، إلا أن الأمر لم يعمر طويلا، بحكم أن كل هذه الأسماء عاشت تجربة نفي مريرة من عالم السلطة بانتهاء مرحلة ودخول المغرب في فترة مرحلة 1907، التي جاءت بأسماء أخرى إلى السلطة.

معلم طفولة المولى يوسف وإخوته أعدم في ساحة فاس
كان المولى يوسف، رغم أنه يمارس صلاحياته في الحكم من القصر الملكي في الرباط ما بين سنوات 1912 إلى سنة 1927، يعيش حياة أخرى بعيدة عن الأضواء في فاس. حتى أن أبناءه كانوا يجدون راحتهم في مدينة فاس التي نشؤوا فيها، ويفضلون قضاء أغلب أوقاتهم بها.
وكان الملك الراحل محمد الخامس في طفولته قد عاش في أجواء سياسية عصيبة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، حتى أنه عاش المرحلة المحتقنة لما بعد وفاة المولى الحسن الأول، وكان والده، أي المولى يوسف، أكثر إخوته بعدا عن صراع السياسة ومشاكلها. لكن محمد بن يوسف، عاش أجواء الانفلات الأمني الكبير الذي عرفته مدينة فاس، عندما دخلها المولى عبد الحفيظ وخرج منها المولى عبد العزيز.
وكان وقتها أحد علماء القرويين، واسمه محمد بن هاشم، حسب ما أوردته صحف من تلك الفترة، ناطقة بالفرنسية والإنجليزية، قد تعرض لعقوبة كبيرة بسبب ولائه لأكبر أبناء المولى الحسن الأول، وكان اسمه «مولاي الكبير».
كان مولاي الكبير مدعوما من طرف عدد من علماء القرويين لكي يخلف والده. وكانت أسر فاسية تدعم هذا الاختيار، رغم أن سيرة ابن المولى الحسن الأول غابرة الآن من سيرة التاريخ الرسمي، ربما انتقاما، لأنه كان مرشحا لخلافة والده ضدا في رغبة الصدر الأعظم باحماد، الذي اختار سنة 1894 أن يدعم وصول أصغر أبناء المولى الحسن الأول، ويتعلق الأمر بالمولى عبد العزيز، إلى السلطة. ضدا في رغبة الأعيان وأبناء العائلات المخزنية وبعض الوزراء الكبار في الدولة، الذين كانوا يريدون وصول مولاي الكبير أو مولاي إدريس أو مولاي أحمد لخلافة المولى الحسن الأول.
هذا الصراع نتج عنه إعدام عدد من العلماء من القرويين وهروب آخرين خارج مدينة فاس. التهمة كانت إقحام أنوفهم في قلب دار المخزن، رغم أنهم عاشوا حياتهم كلها خارجها. ولم يكن لديهم أي ارتباط بعالم القصر الملكي على عهد المولى الحسن الأول، وكل ما كان يربطهم بأبناء السلطان هو العلم.
فقد كان بعض هؤلاء الطلبة من القرويين يشاركون أبناء السلطان «حصير» الدراسة داخل جامعة القرويين، لا أقل ولا أكثر.
محمد بن هاشم، تعرض لأكبر عملية انتقام بسبب دفاعه المستميت عن مولاي إدريس ومولاي أحمد لخلافة والدهما. والسبب أن محمد بن هاشم كان مدرسا لمولاي أحمد وصديقا لمولاي الكبير، الذي درس معه في القرويين قبل أن ينادي عليه المولى الحسن الأول لكي يدرس بعض أبنائه خارج أسوار القرويين، وهناك توطدت علاقته بهم.
فقد كان يعلن في جلساته التي يخطب فيها يوميا بعد الصلوات في مدينة فاس، أن أحق أبناء المولى الحسن الأول بخلافته هم أبناؤه الكبار وليس الابن الأصغر الذي اختاره «باحماد»، وكان يؤجج مشاعر الناس للاحتجاج. لكنه نجا بفضل هروبه من فاس في آخر لحظة، بعد أن كان باحماد شخصيا قد أعطى الأوامر بتأدبيه وإخراس صوته.
لكنه سرعان ما عاد إلى الظهور سنة 1907، حيث سوف ينتبه إليه القايد ماكلين بالإضافة إلى صحفيين، فرنسي وبريطاني، بحكم قربه الكبير من مولاي أحمد، ابن المولى الحسن الأول.
كان محمد بن هاشم قد استغل الاضطراب الكبير في الأوضاع الأمنية وعاد إلى فاس، وهو يعلم أن غريمه «باحماد» قد توفي ومات معه أغلب المتربصين به بسبب مواقفه المعارضة. لكنه نسي أن دفاعه مجددا عن الاسم نفسه سوف يجر عليه عداوات جديدة من المدني الكلاوي هذه المرة، لأنه كان يدعم وصول الابن عبد الحفيظ، والذي كان أصغر من مولاي أحمد، لكنه كان معينا في حياة المولى الحسن الأول في مراكش لتمثيل والده بها. وهكذا دعمه المدني الكلاوي وساعد في تثبيت الأوضاع من أجله في فاس، ليكون مصير محمد بن هاشم هو الإعدام في ساحة من ساحات فاس، وينتقل مولاي أحمد إلى الظل.
ولا أحد من الباحثين في تاريخ المخزن استطاع التنبؤ بمصير بعض أبناء المولى الحسن الأول، الذين تضرروا كثيرا من ذلك الصراع. حتى أن المولى يوسف، والد الملك محمد الخامس، كان من الحكمة لدرجة أنه قرر إبعاد أبنائه عن تلك الأجواء المحتقنة التي قضى بها فترة شبابه، قبل أن يصبح سلطانا للمغرب.

هكذا أحب محمد بن يوسف أعمامه وحرص على دفنهم بفاس ومكناس
كان أعمام الملك الراحل محمد الخامس محافظين على التقاليد المخزنية القديمة، ولم يكونوا وقتها يحملون لقب الأمراء. كانوا شرفاء علويين يحظون بكثير من التقدير في الأوساط المخزنية، بحكم تردد السلطان محمد بن يوسف عليهم بانتظام، خصوصا في أيام الآحاد لتفقد أحوالهم في فاس ومكناس، قبل أن يعود إلى قصره في الرباط.
كان معروفا عن الملك الراحل محمد الخامس، أو السلطان محمد بن يوسف كما كان يلقب قبل أن يطلق عليه لقب الملك، أنه يقدر أعمامه وأقرباء والدته الذين كانوا أيضا في مدينة مكناس، ومستقرين بالقصر الملكي الذي بناه السلطان المولى إسماعيل، ويتردد على زيارتهم باستمرار.
أعمام الملك محمد الخامس كانوا 27 فردا، بينما كانت التقاليد المخزنية وقتها تتكتم كثيرا بخصوص بنات العائلة، ويبقون في قسم الحريم بعيدا عن الأنظار، حتى أن كبار الموظفين المخزنيين الذين كانت تربطهم بالسلاطين علاقة شخصية، لم يكونوا يعرفون أي شيء عن بنات السلاطين وعماتهم.
كانت التقاليد المرعية وقتها، والتي كان يقدرها المولى يوسف كثيرا، تُملي ببعد حريم العائلة عن الأضواء.
كان أعمام الملك محمد الخامس يعيشون في ظل استقرار السلطة على عهد المولى يوسف، الذي أصبح سلطانا للمغرب سنة 1912. وبحكم أن أغلبهم كانوا يعرفون جيدا دواليب المخزن على عهد والدهم المولى الحسن الأول، فإنهم كانوا يفضلون البقاء في ظل المولى يوسف، الذي كان بدوره حريصا على أن يبقى من بقي منهم على قيد الحياة في تلك الفترة، يعيشون حياة مستقرة.
كان أغلبهم يعيشون في «ديور المخزن»، التي كانت مجاورة للقصر الملكي في فاس. هذا القصر الذي شهد عملية نهب كبيرة عند اضطراب الأوضاع سنة 1907، وعندما مرت الأزمة، أغلقت أبوابه في وجه ضيوفه السابقين ليصبح مخصصا فقط لزيارات السلطان إلى مدينة فاس.
كان مولاي محمد قد عاش داخل قصر فاس، بأوامر من المولى عبد الحفيظ. وحسب بعض أعيان فاس وعلمائها، فإن مولاي محمد، عم الملك محمد الخامس، كان قد اعتزل الناس وأغلق على نفسه باب جناح في القصر الملكي بفاس إلى أن توفي قبل تنصيب المولى يوسف سنة 1912، بأيام فقط. والسبب أنه كان يبتعد بنفسه عن السياسة التي عاش صراعاتها عندما رشحه بعض علماء القرويين بدورهم لخلافة والده، خصوصا وأنه كان من أكثر إخوته متابعة للدروس، وكان يفكر في مرحلة من حياته في التوجه إلى الشرق لطلب العلم.
مولاي الزين كان أقرب أبناء المولى الحسن الأول إلى قلب أخيه المولى يوسف، وبالتالي فإن الملك الراحل محمد الخامس كان يولي عناية خاصة بعمه، بحكم ملازمته للمولى يوسف لفترة من حياته في الرباط. فيما أغلب الأعمام كانوا يعيشون في محيط القصر الملكي، حيث ورثوا تقاليد دار المخزن الضاربة في القدم.

مولاي إدريس ومولاي الحسن.. أخوان عاشا في ظل محمد الخامس
هما أخواه اللذان قاسماه ذكريات كثيرة بين فاس ومكناس والرباط. صُدما معه عند الوفاة المفاجئة لوالدهم الراحل المولى يوسف سنة 1927، ولم يكن الثلاثة يتوقعون أن يتوفى الأب بتلك السرعة، في وقت كان ظاهرا أنه يتمتع بصحة جيدة. لكن المرض الذي ألم به بشكل مفاجئ تسبب في وفاته التي فاجأت الجميع.
الذين اشتغلوا إلى جانب المولى محمد بن يوسف في شبابه، أي في سنوات الثلاثينات والأربعينات، كانوا يدركون جيدا التقارب بينه وبين أخويه، يتعلق الأمر هنا بمولاي إدريس ومولاي الحسن. لم يكونا يحملان لقب الأمير، والسبب راجع إلى أن التقاليد المخزنية المرعية وقتها لم تكن تعترف بلقب الأمير أو الأميرة، وتعامل كل سلالة العائلة الملكية بلقب «الشريف» و»الشريفة». ولم تتغير الأمور إلا عندما دخل لقب «الملك» إلى التشريفات الملكية، طاغيا على صفة «السلطان» القديمة الضاربة في التقاليد المخزنية العتيقة.
الشريفان كانا مقربين جدا من أخيهما محمد الخامس. وعلى عكس الولايات السابقة، عاش الشريفان في ظل أخيهما في وقت كانت العادة فيه أن إخوة السلطان كانوا يبتعدون تلقائيا عن عالم السلطة، تاركين المجال لوزراء ومستشاري السلطان الذين كان بعضهم على خلاف مع الشرفاء بسبب الصلاحيات المخزنية في السلطة. كما أن العادة جرت أن يكون إخوة السلطان المقربين منه، بعيدين عنه جغرافيا، بحكم ثقته فيهم وتعيينهم كممثلين له في مناطق بعيدة.
يقول المستشار الملكي والوزير الراحل عبد الهادي بوطالب، إن لقب الأمير لم يمنح إلا بعد الاستقلال، حيث انضافت إلى صلاحيات الملك الراحل محمد الخامس صلاحية أخرى تتمثل في اختيار شرفاء يحملون اللقب الأميري، وهي الصفة التي لم تكن واردة في دار المخزن قبل ذلك التاريخ.
يُعتبر بوطالب واحدا من الذين كانوا يعرفون التقاليد المخزنية جيدا، بحكم أنه دخل القصر الملكي بعد تفوقه الدراسي في جامعة القرويين بفاس، ليدرس الأمير مولاي الحسن، ويصبح مستشارا مقربا له ووزيرا في ستينات القرن الماضي حاملا حقائب وزارية غاية في الحساسية، حسب ظروف تلك الفترة.
وحسب بوطالب دائما، الذي أشار إلى الأميرين مولاي علي ومولاي الحسن، اللذين حملا اللقب مباشرة بعد الاستقلال، أنهما حصلا عليه مكافأة من محمد الخامس الذي قرر منحهما اللقب الأميري لأنهما تضامنا معه في محنة المنفى، بل وقاما بزيارته وقاطعا بن عرفة الذي كان ابن عمهما، احتجاجا على انقلابه على شرعية الملك الراحل محمد الخامس.
الأميران حملا اللقب رغم أن أبويهما لم يكونا سلطانين. فالأمير مولاي علي والأمير مولاي الحسن بن إدريس، تقلبا في مناصب ومهام كلفهما بها الملك الراحل محمد الخامس في مراحل متفرقة من حياته. فالأمير مولاي الحسن بن إدريس، كان عاملا على مكناس بعد الاستقلال، ووزيرا للشؤون الصحراوية والموريتانية. وكلاهما كان يمثل رمزية كبيرة لتقدير الملك الراحل محمد الخامس لأبناء عمومته وإخوته أيضا، الذين عاشوا إلى جانبه وبقوا قريبين منه.
كانت بعض الدسائس ترمي سنة 1927، بالضبط في شهر نونبر إلى الإيقاع بين الملك الراحل محمد الخامس وأخويه فور تنصيبه سلطانا على المغرب. كان أمين سر والده المولى يوسف، التهامي اعبابو، الذي كان يشغل منصب الحاجب، بالإضافة إلى قدور بن غبريط الذي كان متوغلا في دار المخزن وملما بأسرارها، كانا يميلان إلى خلق خلخلة في السلطة وتم إبعادهما من طرف الملك الراحل محمد الخامس، وقرب منه ابن عمه مولاي إدريس، وكافأه لاحقا بلقب الأمير مكافأة له على إخلاصه للملك محمد الخامس في تلك الفترة وفي سنوات المنفى أيضا.

أصدقاء أبناء دار المخزن.. نشؤوا في القصر وماتوا في الظل
كان لأبناء المولى الحسن الأول الكثير من الأصدقاء، وكان بعض هؤلاء فقط مسموحا لهم بدخول بعض أجنحة القصر الملكي. ولعله من المثير معرفة أن السلطان الحسن الأول كان صارما مع أبنائه ويمنعهم من اصطحاب أصدقائهم إلى داخل القصر الملكي، ما لم يكن يعرف جيدا آباءهم.
جل الصداقات التي ربطها أبناء الأسرة العلوية في أيام المولى الحسن الأول ومولاي يوسف بعده، كان مصدرها جامع القرويين. أي إنها كانت بحكم دراسة أبناء السلطان في القرويين، ثم في القصر عندما يتم اصطحاب بعض نجباء القرويين إلى القصر. وهي العادة التي حافظ عليها الملك الراحل محمد الخامس، ودخل بفضلها المستشار عبد الهادي بوطالب إلى القصر الملكي.
في التاريخ، هناك قصص مثيرة لبعض الأسماء التي عاشت في ظل القصر الملكي والسلطة، وانتهت في طي النسيان.
أحد هؤلاء كان من عائلة اللبادي الشهيرة التي تنحدر من تطوان. ربط الحاج اللبادي التطواني علاقة متينة مع المولى الحسن الأول، إذ كان يمثل سلطة المخزن في تطوان، وكان المولى الحسن الأول إذا زاره يحظى باستقبال مهيب في المنطقة.
ابن اللبادي، وكان اسمه محمد، على اسم جده الحاج محمد اللبادي صديق القصر، نشأ لفترة مع أبناء المولى الحسن الأول، وكان صديقا للمولى يوسف وقضى بعض سنوات طفولته معهم بطلب من المولى الحسن الأول الذي زار مرة منزل اللبادي في تطوان كعادته، وبالضبط في زيارة سنة 1889، وقضى أياما في دار اللبادي وفي ضيافته، ليختار أصغر أبنائه لكي يرافق أبناء السلطان إلى فاس، ويدرس معهم في دار المخزن.
كان السلطان يختار دار اللبادي للإقامة في تطوان، كلما حل بها في مناسبات كثيرة. بالإضافة إلى عائلة الحاج عبد الكريم اللذين كانا معا، مقربين جدا من السلطان الراحل، لكن علاقتهما بالقصر تضررت كثيرا بعد رحيله، لتحل محلهما عائلات أخرى، نشأت في ظل المخزن.
الحاج عبد الخالق السكيرج كانت له أيضا مع السلطان الحسن الأول قصة مثيرة، يكاد يعرفها قلة فقط ممن تربوا في دار المخزن، وهي أن المولى الحسن الأول كان يرتدي جلبابا أهداه له الحاج السكيرج، كعلامة على تقديره له. ولم يكن السلطان وقتها ليقبل الهدايا، خصوصا اللباس، من أي كان.
اسم آخر كان مقربا من المولى الحسن الأول، ثم أبنائه من بعده. ويتعلق الأمر بالوزير الصنهاجي الذي كان ينحدر من أسرة نشأت في ظل المخزن، رغم أن أبناءها لم يتقلبوا في مناصب مخزنية كثيرة، إلا أن الوزير الصنهاجي أيام المولى الحسن الأول كان مقربا جدا من القصر.
بالإضافة إلى القائد السلوي، الذي كان مُعينا في الشمال، وطلب مرة من المولى الحسن الأول سنة 1890 أن يُشرفه بترك أحد أبنائه لديه لكي يدرس في الشمال، فوافق المولى الحسن الأول تقديرا للقايد السلاوي على أن يبقى أحد أبنائه الذين رافقوه في تلك الزيارة، لكي يدرس مع أبناء السلاوي لفترة معينة، قبل أن يعود إلى فاس بناء على أوامر والده السلطان.
لقد كانت قصص هؤلاء الذين نشؤوا في ظل المخزن متشابكة، واهتز أغلبها بسبب الأحداث العصيبة التي مر بها المغرب في ظروف فرض الحماية. بعضها تقوى وأخرى انقطعت ولم تترك أثرا إلا في الرسائل السلطانية القديمة.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Al akhbar Press sur android
إغلاق
إغلاق