GCAM_Top
TM_Top
TM_Top-banner_970x250

مصر.. ليس عواد/ السيسي وحده!

إعادة ترسيم الحدود المصرية ـ السعودية، وما نجم عنها من وضع جزيرتَي تيران وصنافير تحت السيادة السعودية، ليست فضيحة سياسية ودستورية وأخلاقية، لنظام عبد الفتاح السيسي، وحده؛ بل هي افتضاح جديد للتكوين الهشّ الذي قام عليه، أصلاً، بنيان القوى المصرية المختلفة التي ساندت انقلاب السيسي من منطلق واحد، وحيد لدى الكثيرين، هو التخلص من جماعة الإخوان المسلمين، بأي ثمن.
غير أنّ الأثمان، الباهظة دائماً، تعاقبت وانتظمت وتعددت، حتى صارت اليوم بنياناً متكاملاً من الارتهان الاقتصادي للخارج، والمملكة العربية السعودية بصفة خاصة، والاعتماد الصريح على الإعانات والمساعدات بالمليارات. والبُعد الأخطر في هذا الخيار أنه لم يكن يتوخى التنمية وخدمة المجتمع في نهاية المطاف، بل قطع الطريق على الاحتجاجات الشعبية مؤقتاً، وتأمين المزيد من عوامل تحصين النظام في ناظر الفئات التي ساندت الانقلاب، وتمويل جهاز السلطة الأضخم والأكثر ولاء: الجيش. وهكذا كان من الطبيعي أن تتطور الحال إلى تبعية سياسية، انحطت في نهاية المطاف إلى مستوى ترسيم الحدود والتنازل عن الأرض.
وليت هذا كله نفع المواطن المصري في لقمة عيشه اليومية، إذْ انكشفت حدود «المعجزات» التي لن يكون في وسع مليارات المساعدات تحقيقها، وبالتالي بات النقيض هو المآل، ضمن قطبَيْ معادلة جهنمية: سعر صرف الجنيه يهبط إلى مستويات قياسية أمام العملات الصعبة، فيلتهم موازنة مترنحة أصلاً ومفلسة تقريباً (بلغ الأمر برئيس الوزراء، شريف اسماعيل، إلى القول: «الدولة مفيهاش فلوس»!)؛ وحيتان المال والأعمال تعبث، أكثر فأكثر، بمتطلبات الحياة الأبسط، وتتحكم بالسوق دون ضوابط رادعة.
وعلى هوامش المعادلة الجهنمية ذاتها، تضافرت مهازل إعلام مصري لم يعد لديه حضيض أدنى يهبط إليه، فانقلبت برامج الـ«توك شو» إلى ما هو أشدّ تخديراً، وأذىً بالطبع، من «غرزة» سامّة وضيعة؛ ومهازل انتخابات مجلس شعب، صار على الفور مسرحاً للكوميديا السقيمة الهابطة؛ وتفاقمت، أكثر فأكثر أيضاً، مظاهر كمّ الأفواه وخنق الحريات وإشاعة مبدأ «ما يصحش كده» بوصفه مدوّنة سلوك وانضباط؛ ولم تكن واقعة مقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني سوى قشة جديدة هبطت على ظهر البعير!
ومن المحزن حقاً، وإنْ كان وصمة عار في جباه الذين فضّلوا انقلاب السيسي على مقارعة مباذل الإخوان، أن تجد اليوم مزاجاً شعبياً ساخطاً، آخذاً في التنوّع من حيث الطبقة والفئة العمرية والانحياز العقائدي؛ لا يترحم على أيام الإخوان، حين يقارن ويفاضل مع أزمنة السيسي، فحسب؛ بل يرى أنّ رجال حسني مبارك كانوا، في مسائل كثيرة، أقلّ جسارة على انتهاك الوجدان الوطني المصري، وأدنى تعطشاً إلى التجويع والترويع! وهذه، هنا أيضاً، ليست فضيحة عسكر السيسي ورجالاته وحدهم؛ بل هي في المقام الأول فضيحة «يسار» متعدد المرجعيات، ماركسي وناصري وقومي… كان قصير النظر، وحسير الإبصار، فعجز عن إدراك عواقب إعادة الجنرالات إلى سدّة السلطة، بل تعمدت بعض فئاته أن تغمض الأعين عنهم، وتسدّ الآذان!
مصر تعود إلى عين العاصفة مجدداً، إذاً، والشعارات التي رُفعت في مظاهرات «جمعة الأرض هي العرض» لم تكتفِ بتنزيه مصر عن البيع، والهزء من عواد/ السيسي الذي باع أرضه، بل عادت إلى مطلب إسقاط حكم العسكر؛ على نحو يفيد، في أحد أبرز دلالاته، أنّ استكمال يناير 2011 اقتضى محطات مختلفة، متكاملة أو متناقضة، ويقتضي المزيد منها اليوم أيضاً. وليس تفصيلاً عابراً أنّ الشارع الشعبي، الذي انتفض ضدّ مبارك والعسكر ومرسي، يستأنف اليوم انتفاضته ضدّ السيسي، ولكن ضمن مستجدات أكثر تحريضاً وأعلى شحناً؛ بينها المعيش اليومي، بالطبع، ثمّ جرائم الفساد ومهازل السياسة ومساخر الإعلام، وكذلك.. المهانة الوطنية في بيع الأرض/ العرض!

نبذة عن الكاتب

ناقد ومترجم

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة