“مضاربة” سياسية

 

 

 

بسبب «عزله» أصبح إلياس العماري مثل الثور المطعون، يحرك قرنيه في الحلبة ذات اليمين وذات الشمال لعل شيئا يعلق بأحدهما.

وبما أن التجربة والأحداث أثبتت لكل من كان بحاجة إلى دليل أن أي موضوع يحشر فيه إلياس أنفه يكون مصيره الفشل، فقد «سد» عليه الجميع.

لكن رغم ذلك يجتهد لكي يحشر أنفه في مواضيع حساسة لكي يقول إنه ما زال قادرًا على خلق «الحدث الأكبر»، بمعناه الفرائضي في الشرع طبعا.

وقبل أيام عبر وزير الخارجية الكندي لمسؤول دبلوماسي عربي عن عدم فهمه لاقتراب إلياس العماري منه خلال مؤتمر في الهند ومفاتحته في موضوع ترشح المغرب لتنظيم كأس العالم، فقد كان الوزير الكندي ينتظر أن يفاتحه في هذا الموضوع مولاي حفيظ العلمي الذي عينه الملك رئيسا للجنة دعم ملف ترشح المغرب للمونديال، فإذا به يفاجأ بشخص لا صفة له للحديث في هذا الملف يفرض نفسه عليه بغاية إثارة الانتباه وبعث رسالة مفادها أنه ما زال قادرًا على «التعاون».

وقبل ذلك قفز إلياس العماري «بلا سروال» في ملف شائك هو ملف المغاربة اليهود وقال إن حزبه سيقدم قانونا يرمي لسحب الجنسية المغربية عن اليهود المغاربة القاطنين بالقدس والمستعمرات.

والجميع، بمن فيهم المغفلون، فهموا أن الهدف من الاستقبال «الحماسي»، من الحماسة طبعا وليس حماس، لخالد مشعل، وإعلان إلياس العماري نيته تقديم مشروع هذا القانون، هو إرسال رسالة بالحبر السري لنتانياهو الذي كلما تسلم السلطة دخل مع المغرب في مناوشات و»صابوطاج» يستهدف مصالحه، خصوصا في العمق الإفريقي.

والهدف دائما من هذه الفرقعة هو إرسال إلياس لرسالة مفادها أنني مستعد لإحراق المركب بركابه إذا لم تتم إعادتي إلى مكاني والاحتفاظ لي باعتباري.

والدليل على أن إلياس العماري لم يقم سوى بفرقعة إعلامية فارغة كما هي عادته هو ما نشره الكاتب العام لفدرالية اليهود بفرنسا الذي نشر على صفحته بالفيسبوك يقول إنه التقى العماري وأن هذا الأخير قال له «مكاين والو من داك الشي».

والواقع أن زيارة خالد مشعل الأخيرة للمغرب أسقطت أقنعة كثيرة عن وجوه الأمناء العامين للأحزاب الذين استقبلوه.

فبمجرد ما زار مشعل المغرب حتى اشتعلت نيران المضاربات الحزبية.

فإذا كانت الظرفية الدولية للزيارة فرضت على المغرب الرسمي محو الحدود الإيديولوجية بين حماس وفتح واعتبار استقبال أحد قادة المقاومة الفلسطينية دعما لقضية القدس، وتحديدا رفضا للقرار الأمريكي القاضي بنقل السفارة لهذه المدينة المقدسة، فإن وضوح رسالة الاستقبال لم يكن كذلك بالنسبة لقادة الأحزاب، إذ إن لهؤلاء رسائل أخرى لا متناهية في الصغر والضحالة يسعون لتبليغها للرأي العام.

ففي الوقت الذي أكد مشعل أن الملك هو من أعطى الضوء الأخضر لهذه الزيارة، سارع أعضاء الحزب الحاكم لاستثمار واستغلال رمزية الزيارة، سواء من خلال الحيز الذي أعطي لها في الإعلام التابع للحزب أو من خلال تهافت هؤلاء على أخذ الصور مع مشعل.

والغريب هو أن كل الذين أخذوا صورا معه، بما في ذلك «القنديلات»، نشروا صورهم في الفايسبوك معتبرين ذلك مساندة للقضية الفلسطينية. هكذا انحسرت مساندة القضية إلى مستويات دنيا عند «الإخوان»، بحيث أصبح نشر الصور مع الفلسطينيين دعما لمقاومتهم، وهذا أضعف الإيمان.

فبنكيران الذي انتهت صلاحيته السياسية استغل الزيارة ليرسل رسائل إلى إخوانه بأنه رقم مهم إلى درجة أن كبار الشخصيات تزوره في بيته، فكلف ما تبقى من كتائبه بنشر صوره وتدبيج مقالات عن هذا الفتح الكبير، وكذلك فعل كل وزراء الحزب.

باقي الأحزاب لم تدع موجة «المساندة بالصور» تمر دون استغلالها، إذ انخرط فيها الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية والأصالة والمعاصرة، وكل طرف في هؤلاء حرص على أن يقنع الرأي العام بتاريخ مساندته للشعب الفلسطيني، طبعا هذا هو سطح الرسالة، أما عمقها فشيء آخر تماما.

فهذه الأحزاب التي أضحت متخصصة في المضاربات السياسوية، والمستعدة للقيام بكل المحرمات من أجل تسجيل نقط في معاركها السياسوية السمجة، لا تفوت أية قضية، داخلية كانت أو خارجية، دون أن تسعى جاهدة لتحويلها إلى رسم تجاري تحتكره.

فعندما توفيت نساء الصويرة دهسا، رأينا هؤلاء يعبثون بكل صفاقة بجثثهن، وتحولت جلسات البرلمان إلى جلسات الحمام الشعبي، وتحولت البرلمانيات إلى «كلاسات حمام»، لكن لا أحد ذهب إلى جوهر المشكل.

والمضاربات نفسها وقعت عند اندلاع احتجاجات جرادة، حيث حل هناك خالد البوقرعي بصفته برلمانيا ليحرض على الاحتجاج، والاتحاد الاشتراكي نسي أنه مشارك في الحكومة وبدأ أعضاؤه في إصدار مواقف كلها دعم للمحتجين، لتنطلق حرب التصريحات مرة أخرى، ولا أحد اتجه إلى عمق المشكلة.

فحزب لشكر نسي أنه كان يحكم لسنوات ولم ينجز شيئا للحسيمة وجرادة والصويرة، والبوقرعي الذي وضع نفسه خادما لبنكيران نسي هو أيضا أن سيده حكم لخمس سنوات ونصف دون أن يفعل شيئا يخفف معاناة السكان في هذه المناطق، والأصالة والمعاصرة نسي أن الجهات التي يسير مجالسها الجهوية هي الجهات التي تعرف الاحتجاجات، كل هؤلاء نسوا الحديث عن مسؤوليتهم المباشرة عما يحدث، وتفرغوا للمضاربة والمتاجرة في مآسي الشعب.

وهكذا فإذا كانت زيارة خالد مشعل جاءت في وقت دولي خطير مع اعتراف ترامب بالقدس عاصمة للدولة الصهيونية، فإنها عندنا أضحت مناسبة أخرى لممارسة المضاربات والمزايدات، مع أن كل هؤلاء الذين «يناضلون» بالتقاط الصور غير مؤهلين إطلاقا للحديث عن القضية الفلسطينية، وتاريخهم القريب يفرض عليهم أن يعتذروا للشعب المغربي بدل أن يستمروا في الكذب عليه.

فبنكيران لم يجد شيئا يقوله، وهو الذي كان رئيسا للحكومة، وعلى علم بمستويات التطبيع القياسية في ولايته، وصرح بأنه «كان سيذهب للجهاد في فلسطين عندما كان طفلا» لكنه تجاهل ما اقترفه وهو في أرذل العمر، حيث لم يقدم لفلسطين شيئا عندما كان رئيسا للحكومة غير زيادة نسبة التطبيع التجاري واستقبال الصهيوني عوفير برانشتاين في المؤتمر السابع للحزب، حينها قال آية الله التبريري، محمد يتيم، إن هذا الصهيوني لم يحضر بصفته «إسرائيليا»، بل جاء من أجل تشجيع الحزب على تنظيم لقاء سري بين مشعل وبرانشتاين في منزل عبد الكريم الخطيب وبحضور بنكيران ومحمد يتيم نفسه، علما بأن برانشتاين هذا كان ضمن الوفد الإسرائيلي الذي فاوض على اتفاقية أوسلو، وما زال حتى الآن يدافع عن هذا الاتفاق، والذي يدفن بشكل مباشر مجموعة من مطالب الشعب الفلسطيني، وعلى رأسها حق العودة، بل ويعترف بشكل صريح بسيادة الكيان الصهيوني على أراضي ما قبل 67.

ومن جهته سارع حزب الأصالة والمعاصرة، والذي يزعم أمينه العام معاداته للمرجعية الإخوانية لحماس، إلى استغلال موجة التقاط الصور وتنظيم لقاء بين خالد مشعل والعماري.

ومحاولة منه للظهور بمظهر «الثوري» فقد اقترح الحزب مشروع قانون يعتزم التقدم به أمام البرلمان، يقضي بسحب الجنسية المغربية من المغاربة المقيمين في القدس والمستوطنات الإسرائيلية.

فهذا الحزب الذي لا يخفي أمينه العام إيمانه بالعلمانية نسي أن اليهودية دين وأن الصهيونية إيديولوجية، بل إن الصهيونية ليست حكرا على اليهود فهناك مسلمون ومسيحيون صهاينة في فكرهم، وهم بيننا كثيرون، يؤمنون بمشروع إسرائيل كوطن خالص لليهود، ولنتذكر هنا دعوة بيرنار هينري ليفي لمحاربة وتجريم معاداة الصهيونية وليس فقط محاربة وتجريم معاداة السامية.

هذه التناقضات لا تقتصر على هؤلاء فقط، بل تشمل أيضا إدريس لشكر الذي استقبل مشعل، ونسي أن حزبه على عهد اليوسفي استقبل في فندق روايال منصور بالدار البيضاء مجرم الحرب دافيد ليفي الذي زار ملاح الرباط حيث ولد.

كما أن التقدم والاشتراكية الذي استقبل مشعل وعمم صوره بمعيّة مولاي اسماعيل العلوي وأقطاب الحزب الشيوعي نسي أن الإدارة الأمريكية على عهد علي يعته أهدتهم المطبعة التي يطبعون بها جرائدهم الْيَوْمَ نظير صمتهم عن ضرب واحتلال بوش للعراق بسبب قصف صدام لحبيبتهم إسرائيل.

إن المشكلة، كما قال الحسن الثاني رحمه الله في خطاب له موجه للقادة العرب في قمة عربية، هو أننا نعتقد بأن الفلسطينيين أيتام، وأن لكل منا الحق في ممارسة الوصاية عليهم، فيما أحسن شيء قد نساعد به الفلسطينيين هو أن نتفق على حد أدنى، فالفلسطينيون كما قال رحمه الله «ليسوا في حاجة إلى مربية بل بحاجة إلى معونة لا تكون متضاربة لأننا نتفرق فتصبح القضية الفلسطينية مصدر ضرر لنا كما نصبح نحن مصدر ضرر لهم، فالفلسطينيون ضحية للمضاربات وللمزايدات».

إن ما قاله المرحوم الحسن الثاني حول الضرر الذي تتسبب فيه المزايدات بين الدول العربية حول ملف فلسطين ينطبق تماما على أحزابنا السياسية، فالمضاربات والمزايدات بين هذه الأحزاب هي سبب الضرر الفادح الذي يعاني منه البلد حاضرا وماضيا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.