بانوراما

مظاهرات جزائرية صاخبة ضد الولاية الخامسة لبوتفليقة

إعداد: سهيلة التاور

بدأ الأسبوع الماضي عدد كبير من المظاهرات الصاخبة الأولى من نوعها التي عرفتها البلاد، منذ احتجاجات الربيع العربي قبل ثماني سنوات، للرافضين ترشح عبد العزيز بوتفليقة، 82 سنة، للولاية الخامسة، على أساس إنهاء زمن القهر والقمع، ومن جهة أخرى بسبب تدهور الوضع الصحي للرئيس الذي نقل على وجه الاستعجال إلى مستشفى بجنيف لإجراء بعض الفحوصات التي لم يصرح بها لمدة 48 ساعة، إلا أن الطائرة رجعت دونه. وقام ناصر بوتفليقة، شقيق الرئيس ومستشاره، بزيارة أخيه في مشفاه بجنيف. ومن جهة أخرى، طلب قائد الجيش الجزائري من بوتفليقة البقاء في جنيف حتى الثالث من مارس، وهو آخر يوم لتقديم أوراق الترشح الرسمية. كل هذا ولا يزال الرئيس المريض يصر على الترشح في جو من الغموض الذي يلف المشهد السياسي في الجزائر إلى حد الآن.

الصحة المتدهورة
آخر خطاب للرئيس الجزائري يعود إلى عام 2012، وذلك بسبب حالته الصحية التي بدأت في التدهور عام 2005 قبل أن تجبره سكتة دماغية عام 2013 على البقاء بمستشفى في فرنسا لمدة 80 يوما. وبعد عودته إلى الجزائر لفترة النقاهة، لم يتحدث الرئيس إلا بعد بضعة أشهر، وذلك للإعلان عن ترشحه للانتخابات الرئاسية في أبريل 2014.
ولم ير الجزائريون رئيسهم إلا يوم التصويت، أي بعد عامين من اختفائه دون صور أو خطابات، وبدا أنه فقد الكثير من وزنه وكان جالسا على كرسي متحرك، والتزم الصمت منذ ذلك الحين. وفي أول نونبر 2018، ذكرى بداية الحرب الجزائرية، ظهر بوتفليقة على شاشات التلفزيون في صورة قاتمة، صورة رجل مسن ومريض محدودب في كرسيه المتحرك. وهذه الصورة هي التي كانت حاضرة في أذهان الجزائريين عندما أعلن بوتفليقة في 10 فبراير الماضي ترشحه لولاية خامسة. وبهذه المناسبة، بعث بوتفليقة رسالة إلى الشعب الجزائري: «بطبيعة الحال لم أعد بنفس القوة البدنية التي كنت عليها، إلا أن الإرادة الراسخة لخدمة وطني لم تغادرني قط، بل وستمكنني من اجتياز الصعاب المرتبطة بالمرض».

علي بلحاج
ولد علي بلحاج، القائد الإسلامي المعارض بقوة لترشح الرئيس الجزائري بوتفليقة، في 16 دجنبر 1956 بتونس، حيث هاجرت عائلته تحت ضغط الاحتلال الفرنسي، وترجع أصوله لولاية أدرار في الجنوب الجزائري. والتحق والده محمد الحبيب بن محمد الطيب بلحاج بصفوف الثورة الجزائرية ما بين الفترة 1954 و1962 واستشهد عام 1961 وكان عمره 34 عاما. وبعد الاستقلال، وتحديدا في عام 1963، عادت الأسرة إلى الجزائر.
وحصل علي بلحاج وإخوته على منحة الشهيد التي تمنحها الدولة لأبناء الشهداء، وبعد الدراسة الثانوية، دخل معهد إعداد المعلمين بالحراش وتخصص في اللغة والأدب العربي. وبدأ بلحاج نشاطه الدعوي في مسجد أبي حنيفة النعمان بأحد الأحياء الشعبية بالعاصمة الجزائرية، وعرف عنه تأثره بخطب الشيخ عبد الحميد كشك. وفي بداية الثمانينات وسع نشاطه الدعوي وانجذب لدروسه الآلاف. وفي 30 غشت 1983 تم اعتقاله في قضية بويعلي مصطفى، كان من أوائل الدعاة الذين تبنوا العمل المسلح في الجزائر، وحكم عليه بالسجن خمس سنوات. وبعد أن قضى أربع سنوات من عقوبته صدر عفو عنه من رئيس الجمهورية حينئذ الشاذلي بن جديد، لكن وزارة الداخلية وضعته قيد الإقامة الجبرية بورقلة.
كان بلحاج من مؤسسي الجبهة الإسلامية للإنقاذ، إلى جانب عباسي مدني والهاشمي السحنوني، عام 1989 وذلك عقب اضطرابات أكتوبر عام 1988 احتجاجا على تردي الأوضاع الاقتصادية. كما اتفق الثلاثة أيضا على تأسيس حزب «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» الذي اعترفت به الدولة.
وبعد فوز حزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الانتخابات التشريعية في 26 في دجنبر 1991، تم إلغاء نتائجها وحل الحزب. وعند إعلان الحكومة الجزائرية حينئذ حالة الطوارئ في 9 فبراير 1992، وفي 2 يوليوز عام 1991 أودع علي بلحاج مع عباسي مدني وقيادات أخرى، على غرار علي جدي وكمال قمازي السجن، وصدر الحكم ضده بالسجن 12 عاما نفذها بالكامل. لكن في عام 2003 أطلق سراحه، وفي عام 2014 سعى بلحاج للترشح في انتخابات الرئاسة لكن السلطات منعته.
الحراك الطلابي: ليس لدينا رئيس وإنما صورة وإطار
أعلن الطلبة المشاركون في الوقفات الحاشدة التي نظمت الثلاثاء 26 فبراير في مختلف جامعات الجزائر، عن تلبيتهم نداء «جمعة التأكيد» ليعلنوا مواصلة احتجاجاتهم. حيث تتضارب آراء المراقبين بشأن ما يحمله خروج الطلبة الجزائريين في مظاهرات سلمية بجامعاتهم، بين من يرى أنها لا تختلف عن رأي الرافضين من الشعب، وبين من يربط أحداث التاريخ الجزائري بالحراك الطلابي الذي كان يرسم في كل مرة منعرجا جديدا بتاريخ البلاد.
وأكد المشاركون في المسيرات السلمية أنهم لا يقبلون رئيسا من جيل الثورة الجزائرية الذي لا يتمتع بصحة جيدة تمكنه من قيادة دولة. ويرى الطلاب المناهضون لترشح بوتفليقة أن في الجزائر قيادات شابة قادرة على السير بالبلاد نحو ضفة أكثر هدوءا وأمانا. وتحركت الجامعات الجزائرية لإعادة الاعتبار إلى شعب وتاريخ بأكملهما تم المساس بهما، فالمسألة تجاوزت البحث عن وقف تمرير ترشح بوتفليقة لعهدة خامسة. في احتشاد اعتبره المتابعون حدثا مفصليا في التاريخ الراهن لبلد المليون شهيد، حيث ارتبط تحرك الطلبة في الجزائر بمنعرجات التغيير في البلاد منذ ثورة التحرير المجيدة. وتخوفا من عدم الاستجابة للمسيرات السلمية، نادى الطلاب في خروجهم الاحتجاجي للعصيان المدني، بالضغط على المجلس الدستوري ليكون مستقلا ويرفض ملف ترشح بوتفليقة الذي قاد البلاد لمدة عشرين سنة.

اجتماع المعارضة
عقب كل هذه الاحتجاجات، تم عقد اجتماع توافقي للمعارضة الذي خرج دون نتائج، حيث غاب عنه عدد من الشخصيات ذات الوزن الثقيل. وقرر المجتمعون عقد اجتماع الاثنين. ولم يحضر هذا الاجتماع المرشح المثير للجدل رشيد نكاز، والإعلامي المرشح عبد الغني مهدي، في حين اكتفى عبد الرزاق مقري، رئيس حركة مجتمع السلم، بإشراك ممثل له. وشدد الاجتماع، كذلك، على ضرورة الاستجابة لمطالب الشعب الذي خرج بالملايين بمختلف ولايات الجزائر، محملين السلطة المسؤولية التاريخية لما قد تنجر له البلاد جراء تجاهله. وكان من المنتظر أن يخرج الاجتماع بإعلان موقف المعارضة بخصوص الدخول بمرشح مشترك في معترك 18 أبريل المقبل، لكن بيانه أكد أن المعارضة قررت عدم الخوض في الأمر، واقتصرت قراراتها على دعم حراك الشارع. كما حددت المعارضة الاثنين موعدا لاجتماعها لمناقشة ملف ما وصف بالهروب للأمام في ملف الرئاسيات وفرض سياسة الأمر الواقع، خاصة بعد تغيير مدير الحملة الانتخابية لبوتفليقة، وهو ما اعتبر استهتارا بالمسيرات الشعبية، حيث قرر الرئيس عبد العزيز بوتفليقة تغيير مدير حملته الانتخابية واختار عبد الغني زعلان مديرا جديدا بدلا من عبد المالك سلال، سعيا للفوز بفترة رئاسية خامسة، بينما خرج اجتماع للمعارضة بشأن الأزمة الحالية دون نتائج ملموسة. وتم ذلك قبل يوم من انتهاء الآجال القانونية لإيداع المرشحين للرئاسيات ملفاتهم لدى المجلس الدستوري، بحسب ما ينص عليه دستور البلاد، ولم يقدم بوتفليقة ترشحه إلى الآن.

إصابات وحالة وفاة
ودعت المظاهرات التي خرج خلالها عشرات الآلاف من المتظاهرين في عدة مدن في الجزائر، الرئيس عبد العزيز بوتفليقة إلى التنحي، في أكبر تظاهرات مناهضة للحكومة منذ احتجاجات الربيع العربي قبل ثماني سنوات. ورغم أن الاحتجاجات كانت سلمية في معظمهما، فإن مشادات وقعت بين الشرطة ومحتجين قرب القصر الرئاسي بالعاصمة الجزائر بعد تراجع أعداد المتظاهرين، حيث صرح مسؤول محلي أن شخصا يبلغ من العمر 60 سنة توفي خلال المظاهرات بعدما أصيب بنوبة قلبية. فيما ذكر التلفزيون الرسمي أن عددا من المحتجين ورجال الشرطة أصيبوا في الاشتباكات التي وقعت في العاصمة. والأرقام الرسمية تشير إلى إصابة 63 شخصا، بينما تم احتجاز 45 شخصا. ووقعت مواجهات بين رجال شرطة ومحتجين في ساحة أول مايو وسط العاصمة، بحسب مشاهد نشرت في مواقع التواصل الاجتماعي. وشهدت العاصمة الجزائرية والعديد من المدن الأخرى، الجمعة، تظاهر عشرات آلاف الجزائريين رافعين شعارات مناهضة للنظام. وكانت منظمة العفو الدولية دعت، الخميس، قوات الأمن إلى الامتناع عن اللجوء إلى القوة المفرطة أو غير الضرورية لتفريق متظاهرين سلميين.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Al akhbar Press sur android
إغلاق
إغلاق