معارك في تاريخ علاقة الوداد والرجاء البيضاويين

معارك في تاريخ علاقة الوداد والرجاء البيضاويين

منذ أن خرج فريق الرجاء البيضاوي من جلباب الوداد، ظل الصراع عنوانا رئيسيا في علاقة الفريقين وجمهورهما، لقد كان الراحل محمد بلحسن التونسي العفاني، الملقب بالأب جيكو، محقا حين قال: «سأرعى فريقا يقتسم مع الوداديين هواء الدار البيضاء»، لذا كان من الطبيعي أن يقتسم الناديان التجمعات السكنية والأفئدة، ويتحول عشق هذا الفريق أو ذاك إلى حالة تطرف تبدأ بسؤال الهوية وتنتهي بسجال الوجود.
تجاوز الانتماء لهذا الفريق أو ذاك حدود التنافس الرياضي، ولم يعد الملعب هو الفيصل في جدل الزعامة الكروية، بل إن حمل اللون الأحمر لا يستقيم إلا بمعاداة اللون الأخضر، والعكس صحيح، مما أدى إلى تصادم تجاوز حدود الجمهور المتعصب إلى المسيرين الذين يفترض فيهم التحلي بروح المسؤولية ونزع فتيل الاصطدام.
من كريم حجاج الرئيس الرجاوي الذي كان يحمل سلاحه على كتفيه، إلى محمد بودريقة الذي يرمي في ساحة المعركة بتصريحات مسيلة للدموع والمداد، تتشابك خيوط العلاقة بين الوداديين والرجاويين، إذ لا يمر موسم كروي دون أن تندلع معركة هنا أو هناك، تتدخل الوقاية المدنية للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم تارة من أجل إخمادها، وغالبا ما يطوق حكماء هذا الفريق أو ذاك المشكلة وتصبح مجرد نوبة غضب عابرة.
في هذه الورقة نستحضر تاريخ معارك الرجاويين والوداديين، ونرصد نقط التوتر في حياة الغريمين ومسارهما الكروي الذي لا يخلو من اصطدامات.

حجاج: رئيس الرجاء الذي كان يسير الفريق وعلى كتفه بندقية
لم يكن مسيرو الشأن الكروي يساقون إلى المعتقلات بسبب تهم تافهة، كما هو الحال اليوم، بل كانوا مصدر إزعاج حقيقي للسلطات. يحكي الحسن الثاني، في «ذاكرة ملك» عن رجل اسمه كريم حجاج، شغل منصب رئيس سابق للرجاء، وتوجد اليوم صورته في مدخل إدارة النادي بالوازيس، وكيف أن هذا المسير المشاكس كان وراء محاولة اغتيال ملك البلاد الحسن الثاني. لكن الرجاويين يعترضون على الاتهام ويصرون على أن محاولة اغتيال الملك من طرف المقاوم الشرس حجاج تمت قبل أن ينال هذا الأخير صفة رئيس نادي الرجاء، بعد أن استفاد من عفو وردت تفاصيله في مذكرات الملك الراحل، بل إن كل القرائن تؤكد أن كريم كان مجرد عاشق لرجاء البدايات الأولى للنسور، وأن الرئيس الذي كان يدير شأن الفريق هو البوعزاوي العشفوبي.
قال أحد رجالات جيش التحرير إن كريم كان يكن عداء دفينا للحسن الثاني، الذي كان حينها وليا للعهد، وللوداد البيضاوي، وحسب المتتبعين لتاريخ العداء بين الغريمين فإن السر وراء رفض كريم مصافحة كثير من مسيري الوداد هو انتماء بعضهم لحزب الشورى والاستقلال الذي كان غريما تقليديا سياسيا لحزب الاستقلال الذي كان حجاج يعد من ذراعه المسلح، لذا لم يتردد كريم في الدعوة لمعاملة الفريق الأحمر «كخصم مدعوم من طرف النظام الحاكم».
لكن اسم حجاج، الذي كان يأتمر بأوامر المهدي بن بركة، سيتداول في سماء المقاومة قبل أن يسمو في عالم الرياضة، حين اتهم بتصفية عباس المسعدي، قائد جيش التحرير بالشمال، والثانية هي محاولة تصفية الحسن الثاني حينما كان وليا للعهد.
ويحكي الحسن الثاني في مذكراته أن حجاج أصبح في ما بعد رئيسا لفريق الرجاء البيضاوي بعدما عفى عنه واعترف له، بحضور كل من وزير العدل وعامل مدينة فاس، بأنه هو من قتل المسعدي وهداهم إلى مكان دفنه وقال لهم: «قتلته بأمر من بن بركة». لكن الرجل داخل الرجاء لم يتخلص من عشقه للتصفية الجسدية لكل من كان يتآمر على الرجاء، وغالبا ما توعد الوداديين بالتصفية لذا حرص مسؤولو الوداد على مبادلته الكراهية بالود المصطنع.

حين صفع مسير رجاوي رئيس الوداد
في مباراة «ديربي» بين الوداد والرجاء على أرضية ملعب فيليب، تطور نقاش عقب المباراة بين عز الدين بن جلون، رئيس الوداد، والمكي لعرج أحد مسؤولي الرجاء، وتحول إلى ملاسنات قبل أن يبادر المسؤول الرجاوي إلى توجيه صفعة قوية لوجه رئيس الوداد، الذي لم يرد الصاع واكتفى بالابتعاد عن ساحة السجال، في ما ظل المكي يتوعد بالمزيد من الصفعات.
كانت هذه الغارة الرجاوية التي ترجع لسنة 1959، كافية لرفع درجة الاحتقان في صفوف الوداديين، فقد عبر كثير من أنصار الوداد عن استعدادهم للثأر من المكي، الذي خرج مظفرا من المعركة، فيما أصيب مسؤولو القلعة الحمراء بنوبة ذهول وهم يعاينون استخفاف رجاوي برئيس ودادي، يقول أبو بكر اجضاهيم عن هذه الواقعة:
«كان فريق الوداد الرياضي يمر بأسوأ حالاته، وكان الرئيس عز الدين بن جلون يتعامل مع الموقف باستخفاف كبير، فجأة لاحظنا بعد مباراة «ديربي» أن الرجل ينزوي بعيدا عن مستودع الملابس وهو يذرف الدموع، اعتقدنا أنه مستاء لحال الوداد الذي ساءت نتائجه في تلك الفترة، لكن تبين أن صفعة المكي لعرج وراء عزلة الرئيس، الذي قررنا عزله نهائيا لأنه أساء للفريق، وفي مساء اليوم ذاته عقدنا اجتماعا طارئا وقررنا قلب الطاولة عليه، مما أثار قلقه، خاصة وأنه كان يشغل منصب أمين مال الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، لذا انتقم منا وشرع منذ إزاحته في مصادرة مداخيل المباريات إلى أن يسترجع دينا كان له على الوداد».

لحريزي الرئيس الذي فتح النار على مكوار قبل الرجاويين
لم يكن أحمد لحريزي رئيسا مهادنا، بل كان سريع الغضب لا يتردد في تسمية الأشياء بمسمياتها، فقد تجاوزت معاركه حدود جيرانه الرجاويين، إلى إعلان الحرب على الوداديين والأعضاء الجامعيين. قال لي لحريزي في آخر حوار أجريته معه قبل رحيله إلى دار البقاء: «هناك بعض المسيرين الذين لن أذكر أسماءهم حفاظا على مكانتهم داخل المجتمع، كانوا يريدون أن يظل التسيب هو السائد، تصور أنه بعد تسلمي للرئاسة وتفحص مالية الفريق قيل لي إن بعض الدائنين يطالبون بمستحقاتهم التي على ذمة الوداد، بل وطلبوا مني تسديد فاتورة مليون ونصف المليون من السنتيمات لأحد مسيري الوداد، لكنني قلت لهم لن أسدد أي سنتيم غيابيا وعلى الدائن أن يأتي إلى النادي ويطالبنا مباشرة بالمبلغ، منذ ذلك الحين لم يظهر أثر للدائن رغم أنه عضو ضمن المكتب المسير، وتبين في ما بعد أن العديد من النفقات كانت وهمية»، وهذا سر صراعه الداخلي مع مكونات المكتب المسير.
اتهم أحمد لحريزي زميله عبد الرزاق مكوار بتفويت مقر نادي الوداد الذي حل محله فندق شيراتون، بشارع الجيش الملكي بالدار البيضاء، في ظروف غامضة، وفي آخر لقاء بين الرجلين خلال حفل تكريم لرؤساء الوداد السابقين لم يتبادل الرجلان التحية،لأن خلافاتهما لها امتدادات، بل إن أحمد وجه رسالة إلى الديوان الملكي تضمنت تنبيها لوجود اختلالات في تسيير الوداد في الفترة التي كان فيها مكوار يرأس الفريق، وطالب بمراقبة حسابات الوداد التي لم تقدم للوداديين من سنة 1973 إلى 1986، إضافة إلى المشاكل والغموض الذي لف قضية احتضان النادي من طرف بنك الوفاء.

الحرب الباردة بين معاش وبوعبيد
ينفي عبد الواحد معاش وجود صراع بينه وبين مسيري الوداد، وهو نفس الطرح الذي يذهب إليه لاحقه عبد القادر الرتناني، إلا أن هذا الإقرار لا ينفي وجود نزاع خفي بين الغريمين بسبب نعرات حزبية ونقابية، فالوداد كان أقرب إلى حزب الاستقلال، بينما كان الرجاء مرتبطا وجدانيا بالعمل النقابي، خاصة الاتحاد المغربي للشغل، الذي كان يشكل قوة عمالية خارقة للعادة، وترجع علاقة الرجاء بهذا التنظيم النقابي إلى وجود أسماء مؤثرة ضمن النادي كالتباري وعبد الرزاق، وشخصيات أخرى لها دورها في الحركة النقابية، مقابل معاداة الوداد لهذا التنظيم.
لكن الخلاف السياسي الحقيق كان بين عبد الواحد معاش والمعطي بوعبيد، «أنا في حزب الشورى والاستقلال وهو في حزب الاتحاد الدستوري الذي خرج من صلب الإدارة، وكان من الطبيعي أن نختلف، بل إنني أذكر غضبه من عمود في جريدة «الرأي العام» كان يحمل عنوان «بالمرصاد» يعود لسنة 1983، حيث وصفت فيه المعطي وصفا استفزه وجعل السلطات تطلب مني تفسيرات حول مقاطع من العمود، لأن المعطي كان حينها وزيرا أول»، يقول معاش الذي جمعته المحاماة مع المعطي قبل أن تجمعهما الرجاء.
بدأ النزاع بين الرجلين حين رخص معاش للاعب مصطفى شكري الملقب بـ «بيتشو» بالانتقال إلى الوداد، «اتصل بي المعطي بوعبيد وقال لي بنبرة ثائرة وغير لبقة، من هو «البشر» الذي رخص لـ «بيتشو» بمغادرة الرجاء صوب الوداد، فقلت له ببرودة أعصاب أنا صاحب القرار وأكدت له ولكثير من الرجاويين أن الرجاء تملك الخلف».
قال سعد بوعبيد نجل الراحل المعطي لـ «الأخبار»، إن والده غضب لتسريح اللاعب «بيتشو»، خاصة وأن مضاعفاته على الفريق تجاوزت حدود انتقال لاعب إلى فريق آخر، «قبل مواجهة الوداد البيضاوي في إطار أول «ديربي» يخوضه شكري ضد زملائه الرجاويين، قال لي والدي ما أخشاه هو أن يهزمنا «بيتشو» وليس الوداد، حاول المدرب أن يقلل من حجم وجود «بيتشو» في تشكيلة الخصم، لكنه ظل مصرا على الخطر القادم من هذا اللاعب، الذي كان رجل «الديربي»، فغضب غضبا شديدا وظل يوجه اللوم لمن ساهم في تسريح لاعب مؤثر».

الدوبلالي وأوزال.. معركة وهدنة
بدأت أولى خيوط الصراع بين الطرفين في مباراة الوداد والرجاء في ربع نهاية كأس العرش لسنة 1998، تميزت بطرد لاعب الوداد مصطفى الرتباوي، وكان الوداد منهزما بهدفين لصفر في الجولة الأولى، قرر أعضاء المكتب المسير الاحتجاج على التحكيم بطريقة لبقة، بل ونادى البعض بمغادرة الملعب وعدم استكمال اللقاء وهو القرار الذي روج له مجموعة من المحامين الذين كانوا ضمن المكتب المسير، نزل أبو بكر اجضاهيم إلى الملعب ولأنه كان معروفا من قبل رجال الأمن، بحكم مهامه كرئيس منطقة أمنية، فقد التحق باللاعبين وقال لهم إن «الوداد ظلت منذ تأسيسها عرضة للظلم وشحنهم من أجل تحويل الجولة الثانية إلى معركة»، دخل اللاعبون بحماس شديد وقدموا أداء مبهرا لتنتهي المباراة بالتعادل، هدفان في كل شبكة، وحين أعيدت المباراة يوم الأربعاء تمكن الوداد من الانتصار، بعد ذلك عرف الجنرال حسني بنسليمان الحقيقة وقرر إلغاء قرار التوقيف الصادر في حق أبو بكر اجضاهيم، بل إن إحدى أغاني الرجاويين لازالت تثير موضوع «دخلة» أبو بكر، وتتهمه بحمل السلاح في وجه الحكم.
على امتداد مسار نصر الدين الدوبلالي ظل الرجل يمسح أخطاءه في امحمد أوزال، ويردد بأنه لا يعني الرجاء بل يطلق النار على المجموعة الوطنية، ونادرا ما كان أوزال يرد على تصريحاته النارية، التي تجاوزت حدود الحوار الصحفي إلى ندوة صحفية عقدت في فندق الساحل بالدار البيضاء في نهاية التسعينات، خصصت لإطلاق النار على الرجاء من خلال رئيس مكتب المجموعة الوطنية الذي لا يتردد نصر الدين باتهامه بخدمة مصالح الرجاء.

مذكرة التفاهم والتوافق الذي ولد ميتا
في 25 شتنبر سنة 2014، تنفس البيضاويون الصعداء ومنوا النفس بوقف إطلاق النار بين الغريمين، بعد التوقيع على مذكرة التفاهم بين نادي الوداد الرياضي ونادي الرجاء الرياضي من قبل كل من الرئيس سعيد الناصري عن الوداد، والرئيس محمد بودريقة عن الرجاء، أمام شهود عيان يترأسهم وزير الشباب والرياضة ورئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، مساء زيارة الملك محمد السادس للدار البيضاء وإعطاء انطلاقة مشروع تأهيل مركب محمد الخامس.
حسب منطوق هذه المذكرة، فإن الناديين قررا الوقوف صفا واحدا ضد كل أشكال الشغب و العمل على نشر ثقافة الروح الرياضية. كما اتفقا على إنشاء هيكل موحد لتنفيذ هذا التعاون، من خلال حملات للترويج للجانب التربوي لكرة القدم، والبحث المشترك عن مصادر تمويل جديدة، لا سيما من خلال فرص الرعاية المشتركة للمعلنين الكبار وخلق «مؤسسة الوداد والرجاء للأعمال الاجتماعية».
مذكرة التفاهم هاته أعدمت بعد أقل من أسبوع على ولادتها وتحديدا في مباراة «ديربي»، حين أعلن بودريقة عن فك الارتباط بسبب حكاية التذاكر، لتعود حليمة إلى عادة النزاع القديمة.

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *