معاكم جا التمشخير

 

 

ابتلانا الله بمسؤولين ليسوا فقط فاشلين، بعضهم فاسد، وإنما أيضا بمسؤولين يحترفون هواية “التمسخير” بمن يدفعون رواتبهم وامتيازاتهم من جيوبهم.

وقد سمعنا وزير التشغيل السابق يصف المغاربة بالقطيع ويصف نفسه بالسارح، وقد سبقه الوزير بوصندالة مصطفى الخلفي، وزير الاتصال الناطق الرسمي باسم الحكومة سابقا، عندما ذهب للمشاركة في المؤتمر الـ46 لمجلس وزراء الإعلام العرب، وعندما أخذ الكلمة واصفا نظيره الأردني بوزير الإعلام في المملكة الأردنية “الهامشية”، عِوَض الهاشمية.

وسبقهم جميعهم بنكيران عندما اقترف أكبر زلة لسان يوم أقسم “عمرو ما يحط قاعو فالبرلمان”، وأنهاها الوزير الداودي الذي اكتشف هواية “دردرة” سنيدة فوق موكيط البرلمان، “حيت ماشي هوا اللي غادي يشطبو”.

والمصيبة أن هواية “التمسخير وحشيان الهضرة” للشعب لم تعد حكرا على الوزراء، بل حتى بعض المسؤولين العموميين أصبحوا يظهرون مؤهلاتهم في هذا المجال وآخرهم الجواهري والي بنك المغرب.

فقد اختار الرجل لغة “التمشخير” والسخرية السوداء والفجة للنيل من انطباعات الرأي العام تجاه قرار استراتيجي يتعلق بالتحرير الجزئي للدرهم والذي ستكون له تداعيات على جيوب وموائد المغاربة.

وبدل أن يحترم الجواهري ذكاء المغاربة ويجعل الرأي العام مهابا، مهما كان حجم سخريته من الموضوع، وبدل أن يخفف المسؤول الأول عن السياسة النقدية للمملكة من هواجس المغاربة تجاه هذا القرار بلغة قادرة على تعبئة الرأي العام للدفاع عن القرار الحكومي، استدعى قاموس السخرية من مدونة الأسرة والقانون الجنائي لاستعراض عضلاته في المجال “النقدي”، جاعلا من  تخوفات المواطنين المشروعة مجرد نكت لا تستحق الإجابة المقنعة من رجل الدولة.

لم يدرك الجواهري، وهو يحاول تغليف رأيه بأقنعة كاريكاتورية وساخرة والضحك بالتهديد بالقتل وضرب الصداق والزواج ولغة الحمام والكسال، أن خروجه الإعلامي، بعد سنوات من الصمت الذي كان يضفي عليه نوعا من الجدية والهيبة، أدى مفعولا عكسيا وأساء إليه وأساء لقرار تحرير الدرهم.

للأسف نباهة الدركي الأول للسياسات النقدية لم تسعفه لفهم أن قاموس السخرية كلغة للتواصل لها زمانها وموضوعاتها ورجالاتها، وهي للسياسيين وعالمهم أقرب منها إلى رجال المال والأعمال، وأن السخرية السياسية تمارس للتعبير عن الحقيقة بلغة الترميز وليست حيلة لتفادي الإقناع وتنوير الرأي العام الذي ليس مفروضا فيه أن يكون عالما ومتخصصا في سياسات الدولة ليدلي بشعوره وانطباعاته حولها.

لقد كان على والي بنك المغرب وعوض أن يتعب نفسه في التهريج غير المضحك أن يصارح دافعي الضرائب بما نشرته وكالة رويترز مؤخرا من كون الحكومة تستعد لطلب خط ائتمان جديد من صندوق النقد الدولي وفق شروط جديدة، وأن يمتلك الجرأة لكي يقول لهم إن هذا الطلب لن يتحقق بدون تطبيق التحرير التدريجي لسعر الدرهم، وكفى الله الجواهري شر “القتال”.

اليوم، هناك محاولة لفرض الحماية على المغرب بطريقة أخرى أكثر ذكاء، وهي ما يقوم به البنك الدولي عندما يعطي أوامره للمغرب لكي يقوم بتطبيق حمية اقتصادية قاسية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من خلال إصداره لتقرير أسود عن المغرب يقرع فيه كل نواقيس الخطر.

والحقيقة أن البنك الدولي، وهو يعبر عن قلقه من أحوال البلد، ليس حريصا على مستقبل المغرب والمغاربة، بل إن همه الوحيد أن يظل المغرب واقفا على رجليه لكي يدفع ديونه الثقيلة للبنك حتى آخر دولار.

لذلك فإن منظر الجواهري وهو يحاول إقناع دافعي الضرائب أن القرار المالي هو قرار سيادي للمغرب منظر أقرب إلى الرثاء منه إلى شيء آخر.

فالجميع يعلم أن موظفي البنك الدولي وصندوق النقد الدولي يقفون على “الشادة والفادة” في كل القرارات المالية للحكومة، وقد فضح نائب صندوق النقد الدولي كل شيء عندما قال إن تحرير سعر الدرهم كان بطلب منهم، وبعد هذا البيان “آش عند الدرهم ما يكول قدام غسالو”.

إننا لا نطلب من مسؤولينا العموميين الذين ندفع رواتبهم من ضرائبنا أن يخبرونا بما يصنعون باسمنا وبمستقبلنا ومستقبل أبنائنا باسم الحق في المعلومة، لأنهم لن يفعلوا ذلك، بل فقط نطلب منهم ألا يستخفوا بعقولنا وأن لا “يتمشخرو” علينا بتقديم تصريحات تحتقر ذكاءنا.

وعندما يقول العثماني رئيس الحكومة إنهم في الحكومة يسيرون عكس ما يفرضه عليهم صندوق النقد الدولي فإن أول سؤال يتبادر إلى ذهن كل مغربي هو “من نيتك أسي العثماني” ؟

ونحن نتحدى السي العثماني والسي الجواهري أن يسيرا عكس أوامر مدام لاكارد، “والله حتى تجي تجبد ليهم هادوك الودينات عندهم”.

نعم المغاربة فقراء، والأمية متفشية فيهم، وحتى المتعلمون منهم لا يقرؤون كثيرا، لكن هذا لا يعني أنهم “دمدومات”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.