معانا ولا معاهم 2.1

 

 

سألني أحد القرّاء بعد إنهائه لقراءة عمودي حول المقاطعة، “واش نتا معانا ولا مع بوتسوانا؟”، وهي طريقة ساخرة لكي يسأل القارئ الكريم السؤال المغربي “واش نتا معانا ولا مع الخرين”؟

وهذا السؤال في حد ذاته خطير، لأنه يفترض أن الشعب منقسم إلى فسطاطين، فسطاط الخير وهم المقاطعون وفسطاط الشر وهم غير المقاطعين أو غير المعنيين أصلا بالموضوع، بحكم أن الأغلبية “ما عندهم حتى فرنك باش يشريو لا الحليب ولا الما المعدني وما عندهم حتى بشكليط صحيحة”.

الخطير في هذا التقسيم الذي يضع المقاطعين في خندق الوطنيين الصادقين، ومن لا يقاطع في خندق الخونة والمتآمرين والمتخاذلين هو أنه يكشف عن وجود فكر فاشي ينتصر للرأي الواحد ويقصي كل رأي مخالف.

فقلت للأخ الكريم إنني لست ضد فكرة المقاطعة مبدئيا، وكل مواطن لديه الحق في مقاطعة المنتوج الذي يريد ولا أحد يمكنه أن يفرض عليه استهلاك ما لا يحب، وليس فقط من حق المواطن أن يقاطع منتوجا معينا بل من حقه أن يقاطع جميع المنتجات وأن يضرب عن الطعام حتى إذا أراد، فليس هناك من سيتدخل في قراره واختياره.

ولا بد أن القارئ الكريم نسي، أو تناسى، أنني كتبت أن المقاطعة الشعبية هي أحد أرقى أنواع النضال، لكن هذا لا يمنع من أن لدي رأيا في الموضوع عبرت عنه بكل وضوح وحرية، فأنا صحافي وكاتب رأي والمفروض أنني أتحمل مسؤولية توعية الناس والمشاركة في صناعة رأي عام، ليس بناء على دغدغة عواطف العامة، ولكن بناء على معطيات منطقية ومقنعة ربما قد لا تعجب من يحبون الانسياق وراء التهم السهلة والجاهزة.

وشرحت للأخ الكريم أنني لست أدافع عن هذه العلامات التجارية التي يدعون لمقاطعتها، كما أنني لست ضدها.

لأنني أعتبر أن المشكل الكبير والحقيقي في المغرب ليس غلاء منتوج معين وإنما الغلاء بشكل عام، وقد كتبت قبل أيام أن الأسعار في المغرب خلال الست عشرة سنة الماضية ارتفعت بخمسين بالمائة، ولا أتحدث عن الحليب والخبز والزبدة فقط بل عن أسعار التداوي والتطبيب والتعليم والنقل وغيرها.

إذن فالمشكلة ليست في الدعوة للمقاطعة بل إن المشكلة هي عندما يتعدى الأمر الدعوة للمقاطعة إلى فرض الوصاية والحجر على عقول الناس ومصادرة مواقفهم وتقسيم المجتمع إلى صالحين ومناضلين يعلنون مقاطعتهم على صورهم بصفحاتهم في الفيسبوك وخونة متآمرين فضلوا البقاء على الحياد.

والخوف ليس في أن تبقى منزلقات وهفوات الدخلاء على هذه الحملة في مواقع التواصل الاجتماعي بل في أن تنزل إلى الشارع العام، مثلما حدث مع عمال إحدى محطات إفريقيا الذين هاجمهم أشخاص بكلام نابي لمجرد أنهم يشتغلون في محطة اتخذها دعاة المقاطعة هدفا دون المحطات المنافسة.

وكلنا شاهدنا فيديو ذلك الشخص الذي كان يهدد أصحاب التاكسيات بعدم التزود بالوقود عند محطات أفريقيا تحت طائلة “يفش ليهم الروايض” والاعتداء عليهم جسديا.

وبالأمس حكت لي صديقة أنها طلبت من السيدة التي تشتغل لديها اقتناء الماء المعدني فرفضت أن تذهب للدكان مخافة أن يضربوها إن هي اشترت سيدي علي.

وقد حكى لي وزير سابق أن سفيرا لدى إحدى الدول الأوربية في الرباط لم يقدر على شراء ماء سيدي علي من السوبر خوفا من أن يعترض طريقه أحد في باركينغ المركز ويعنفه على عدم المقاطعة، وطبعا فالسفير “زاد فيه”، لكن خوفه مشروع بالنظر لما يراه ويسمعه في مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصا عندما يشاهد ذلك الواتساب الذي يظهر فيه سائق التاكسي في الرباط يهدد بالذهاب إلى محطة إفريقيا لتعنيف كل من يتزود بالوقود فيها بذريعة أن المحطة التي تحتكر السوق تسرق منه عشرين درهما في اليوم. يقول منتشيا “البارح درت ليهم شوهة واليوم مغادي نخلي حتى حد يدير المازوط”، والسؤال هو ما الذي يجبرك على التزود من هذه المحطة، لماذا لا تتزود من شال أو طوطال التي تبيع بأسعار أعلى؟ فسوق المحروقات ليس فيه احتكار لشركة واحدة بل هناك شركات كثيرة تتنافس في السوق؟ ولماذا أصلا تريد أن تعتدي على زبائن ليسوا متفقين مع موقفك؟ متى كانت الدعوة للمقاطعة تتم بالعنف؟

إن أمثال هؤلاء الأشخاص هم من يسيء إلى فكرة المقاطعة ويجعل منها أداة للتخويف والترهيب عِوَض جعلها أداة للتوعية والضغط الناعم. وأمثال هؤلاء الأشخاص يعطون عن المقاطعة صورة متوحشة تستعين بالسب والقذف لإيصال رسالتها عِوَض النقد البناء والمقنع.

هذا الرهاب الاجتماعي الذي خلقه الفهم المشوه في أذهان البعض حول ثقافة المقاطعة أيقظ مخاوف فطرية وغريزية لدى عامة الناس، بحيث أصبح البعض يعلن مساندته للمقاطعة فقط لكي لا ينعت في وسطه المهني والعائلي بالخائن، عملا بالحكمة المغربية “ما يخرج من الجماعة غي الشيطان”.

مرة أخرى أكرر، المقاطعة سلوك حضاري نبيل، وأنا لست ضدها، لكن أنا ضد المقاطعة الانتقائية التي تستهدف تدمير منتوج معين لصالح إنجاح منتوج منافس، وقد رأينا كيف استغلت المنتجات التي لم تشملها المقاطعة فرصة تعرض منافسيها للقصف لكي تضاعف من إنتاجها لسد الخصاص، حتى أن مجموعة الشعبي تركت خلافات الورثة جانبا وأطلقت ماركة مياه جديدة في السوق في عز المقاطعة التي استثنتها.

ولو أن دعاة المقاطعة دعوا لمقاطعة جميع ماركات الحليب وجميع ماركات المياه المعدنية ودعوا مثلا ليوم بدون سيارات ومقاطعة جميع محطات الوقود، لكانت المقاطعة ذات معنى ولعرفنا أن الهدف هو إجبار مالكي هذه المواد على خفض الأسعار، ولكانوا رضخوا وخفضوا الأسعار.

لكن الذي حدث هو أنه تم خلط المواد المقصودة بالمقاطعة بأسماء مالكيها فلم نعد ندري هل المقصود هو خفض الأسعار أو شيطنة أسماء بعينها لأهداف يختلط فيها السياسي بالاقتصادي بالشخصي.

والنتيجة هي أن أسعار المواد المقصودة بالمقاطعة لم تعرف أي انخفاض، وحتى لو أراد أصحاب هذه المواد خفض أسعار موادهم فالقانون يمنعهم، فقانون حرية الأسعار والمنافسة الذي وضعته حكومة بنكيران في 2014 يمنع المنافسين من إنزال الأسعار بهدف التأثير على منافس آخر وإخراج بضاعته من السوق.

وهذا يعني أن شركات المازوط والحليب والماء إذا أرادت تخفيض الأسعار فإنها ستصنف ضمن خانة المتلاعبة بقانون الأسعار والمنافسة.

وكثير مما ترونه في مواقع التواصل الاجتماعي ويصلكم في الواتساب من قبيل صور تخفيض كوكاكولا لماء Ciel الذي تنتجه من 11 درهما إلى 10 دراهم، وأن هذا من بركات المقاطعة، ليس صحيحا. فالشركة خفضت السعر قبل خمس سنوات إلى 10 دراهم بعدما كانت طرحته في السوق بسعر 11 درهما، وقس على ذلك كثيرا من الأخبار الكاذبة التي تروج، كإخراج تصريحات مسؤولي بعض الشركات من سياقها الحقيقي ووضعها في سياق آخر بهدف التضليل.

كل هذه الممارسات الصبيانية تسيء إلى نبل وقوة فكرة المقاطعة، وتحولها إلى بذرة تسقى بماء الكراهية عِوَض جعلها نقطة ارتكاز لترسيخ ثقافة احترام الرأي والرأي الآخر والحوار الراقي بدون تخوين أو إلصاق التهم الجاهزة بأي طرف.

ويبدو لي والله أعلم أن هناك تعطشا لرؤية الدم، كما يحدث في حلبات مصارعة الثيران حيث يأتي الجمهور لمشاهدة دم المصارع وليس دم الثور، وأن هناك حملة استعداء غير بريئة على رجل أعمال ناجح اسمه عزيز أخنوش الهدف منها إلصاق صورة عنه في إذهان الناس مرادفة لصورة السياسي الذي اغتنى بفضل منصبه واستغل نفوذه لمراكمة الثروة.

وأنا هنا لست في موقع الدفاع عن الشخص، فقط أستغرب كيف يتعرض رجل أعمال أنشأ والده أول “بومبة ديال ليصانص” في المغرب قبل ستين سنة لما يشبه الرجم الجماعي بسبب ثروته، فيما لا أحد يحاسب أولئك السياسيين الذين لم يرثوا من آبائهم شيئا غير الديون ولم يغامروا في إطلاق أي مشروع آخر غير مشروعهم السياسي الشخصي ولم يخلقوا أي منصب شغل سوى لأبنائهم ومع ذلك تحولوا منذ دخولهم لعالم السياسة إلى أثرياء.

أخنوش يجب أن نحاسبه إذا ثبت أنه استغل نفوذه كوزير لحماية مصالحه الاقتصادية، أو تهرب من دفع الضرائب، وإذا كان هناك من لديه إثباتات حول هذا الأمر فأنا أتطوع لنشرها على صدر هذه الجريدة. لكن بالمقابل لا يجب أن نعتبر كل من نجح وراكم الثروة عدوا وفاسدا تجب شيطنته.

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.