معركة حلب

jalabi

قبل نشوب الحرب العالمية الثانية، توجه الفيزيائي (فيرنر هايزنبيرج) على ظهر باخرة إلى أمريكا الشمالية. كان ذلك في شهر غشت 1939م تماما مثل شهر فبراير الحالي 2016م الحامي حول حلب في سوريا.
قال الرجل في كتابه (الجزء والكل ـ حوارات في الفيزياء النووية) قبل العاصفة يفعل المرء ثلاثا كما هو المسافر في السفينة؛ شد الحزام وتهيئة أطواق النجاة ووداع من تحب لأنها قد تكون اللحظات الأخيرة قبل الغرق.
فعل الرجل بنفس القواعد الثلاث؛ أخذ عائلته إلى الجبال، حيث قد تكون النجاة حين تتهدم المدن الألمانية كما نشاهد في سوريا الأسد هذه الأيام، ثم حمل نفسه لمقابلة صديقه (إنريكو فيرمي) الإيطالي الذي فر من الفاشية؛ فبنى للأمريكيين الفرن (المفاعل النووي) الذي منه يستخرجون ما يشاؤون من قنابل ذرية!
في المقابلة التي يرويها في كتابه سأله فيرمي كيف ترى الأمور؟ فقال: هي سحب الحرب قادمة لا شك فيها ولا ريب.
قال: إذا كان هذا يقينك فلماذا تعود إلى ألمانيا؟ أجاب هايزنبيرج: لسببين أنني كان يجب أن آتي صغيرا يافعا ربما قبل عشر سنوات من الآن؛ فحيث يترعرع المرء يصبح المناخ الذي نشأ فيه أفضل الأوساط له أثرا وتأثيرا.
والثاني أنني بصدد بناء ألمانيا الجديدة بعد أن لا يبقى حجر على حجر. كما سيحصل على ما يبدو في سوريا البعث!
سأله إنريكو فيرمي من جديد: وما ظنك بالمنتصر في هذه الحرب هل سيفوز بها هتلر؟
أجاب فيرنر هايزينبيرج: لا.. وهتلر يعلم ذلك!
تعجب فيرمي وسأل: وكيف وصلت إلى هذه القناعة؟
أجاب فيرنر: إنها التكنولوجيا يا عزيزي. الحرب هي الأسلحة والتكتيكات، ولا أعتقد أن ألمانيا لها طاقة تكنولوجية كافية لمواجهة خصومها.
تعجب فيرمي وتابع: ولكن هل يعرف هتلر هذه الحقيقة اللامعة في ذهنك؟
أجاب فيرنر: نعم وهتلر يعلم ذلك ولكن يا صديقي متى كانت الحرب عقلانية. نعم متى كانت الحرب عقلانية؟
هذا الفصل من كتاب فيرنر هايزينبيرج (تصرف الأفراد حيال الكارثة) جذبني جدا أكثر من نظريته حول مبدأ اللايقين أو الاحتمال في حركة الإلكترون (Uncertainty Principle) وهو فصل من فلسفة علم النفس الاجتماعي أكثر من الفيزياء النووية ومشاكلها يقينا أو احتمالا.
أتذكر من القرآن شيئا من هذا القبيل حيث وجه الكتاب نظرته نحو فهم حركة التاريخ والبشر وهدايتهم للسلوك «الصحيح» أمام خيارات الفناء أحيانا كما هو حال فصيلة السنوريات من عائلة الأسود المفترسة في سوريا.
كان هم القرآن ليس الإعجاز العلمي! كانت مهمته الرئيسية هداية البشر أكثر من قوانين الفيزياء وتفاعلات الكيمياء وحركة السدم.
نحن في النفس الإنسانية في أعظم سديم وجودي على الإطلاق. وقتل كل سوري وسفك دمه في سوريا الحالية أعظم من كل شيء.
ما تقدمت به يلقي الضوء عما سيحدث في حلب في الأيام القادمة ونحن هنا أمام الأفكار التالية:
الأولى: العقل العلمي مفتوح على كل الاحتمالات بمعنى أن كل شيء قابل لأن يحدث على نحو معلق يصعب الجزم فيه واليقين. وهذا هو قدر التاريخ من حركة وصراعات البشر.
الثانية: قد ينتصر الثوار في المدينة التاريخية فتكون قاصمة الظهر للنظام البعثي الدموي وتنتقل المعركة من الشمال إلى الجنوب زحفا باتجاه عاصمة الأمويين.
وقد يحدث العكس ـ وهو الأرجح ـ حسب تحليل التكنولوجيا التي أوردناها، من انتصار النظام المدجج بالسلاح، مع الأسلحة والخبرة الروسية، التي يحاول فيها القيصر الروسي بوتين (رئيس استخبارات الستازي الرهيبة في ألمانيا الشرقية قبل نهاية الاتحاد السوفيتي (STASI) تحويل سوريا إلى غروزني موسعة، إن استطاع، فهنا المواجهة مختلفة عن قتال الجيب الشيشاني الصغير.
نحن هنا أمام تكنولوجيا عاتية، في مواجهة ثوار يحتاجون لتدريب عال ومعدات متطورة، مقابل تدخل دولي يريد أن يحقق انتصار طرف على طرف، كما يريد ولمصلحته هو، أكثر من الطرف المنتصر، طالما كان التموين بالسلاح ليس من صناعة الثوار.
حاليا في معركة حلب لو وضع سلاح متقدم ضد الطيران لتغير ميزان المعركة بموجب التكنولوجيا المتقدمة.
وهذا يظهر مأساة الحرب الحقيقة عارية صادمة، أن من يخوض الحرب يستطيع أن يبدأها، ولكن نهايتها ليست في يده بسبب السلاح ونوعيته وكميته.
هنا تقوم الدول العظمى بدور إجرامي لا أخلاقي لأنها تنصر من تشاء من خلال السلاح. لكن من ينتصر قد لا يكون هو الطرف الأحق بالنصر.
نماذج هذا كثيرة عبر التاريخ. لعل الحرب العراقية الإيرانية هي النموذج الصارخ؛ حيث كانت ثلاثون دولة تمد الطرفين بالسلاح بحيث يتحقق الاحتواء المزدوج كما كانوا يسمونه، أي لا ينتصر طرف على آخر.
حاولت إيران بروح التضحية والكم الهائل من القرابين البشرية أن تحقق النصر حتى وصلت الأمور إلى استخدام الأسلحة الكيماوية كما فعل نيرون سوريا الحالي.
ينقل عن رستم غزالة المقتول بعد مقتل أئمة المخابرات في 18 يوليو (في الغالب على يد النظام تخلصا منهم وفتحا لجبهة الحرب الشاملة على الشعب السوري) قوله سنعمل في حلب ما يترك مذبحة حماة نزهة أمامها.
طبعا هو يقول والجواب كما يقول الرب: قل كل متربص فتربصوا فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى.
في سورة القمر آية عجيبة: سيهزم الجمع ويولون الدبر. حين نزلت كان عمر رضي الله عنه يكرر أي جمع هذا؟ وأي دبر هذا؟
يقال أن معركة الزلاقة الشهيرة التي أخرت سقوط الأندلس أربعة قرون جرت فيها مراسلة بين يوسف بن تاشفين وألفونسو السادس. أرسل ألفونسو يهدد ويتوعد كما فعل رستم غزالة قبل مصرعه الحوراني سفاح لبنان السابق وحراميها الكبير.
ويقال أن ابن تاشفين المرابطي كتب على ظهر رسالته ثلاث كلمات فقط وأعادها إليه:
الذي يكون ستراه!
الأب دمر حماة بقتل عشرات الآلاف (أقلها عشرون ألفا والبعض يرفع الرقم حتى أربعين ألفا بمسح نصف المدينة في 27 يوما عجافا وليالي نحسات مدمرات فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية).
الأمر الثالث والأخير في قناعتي أن النظام قد يربح معركة حلب (وهو الأرجح حسب فلسفة هايزينبيرج) وينسحب الجيش الوطني الحر، ولكن الثورة السورية لن تقف عند معركة أي مدينة.
أعجبني تعليق لم أعرف مصدر كاتبه عن حصار حلب أن النظام الأسدي دمر حمص ولكنه لم يزد الثورة إلا اشتعالا، ولم يزدد هو من الشعب السوري إلا بعدا، ولم يزد الثورة إلا مزيدا من التصميم على تدمير نظام البعث مرة واحدة وللأبد.

نبذة عن الكاتب

كاتب و مفكر

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *