MGPAP_Top

مغاربة حضروا مفاوضات «إكس ليبان» انصرفوا للسياحة وشراء الهدايا

مغاربة حضروا مفاوضات «إكس ليبان» انصرفوا للسياحة وشراء الهدايا

كل ما كانت تحتاجه فرنسا كان عبارة عن قاعة مغلقة وطاولة كبيرة. الكل يعلم أن مفاوضات «إكس ليبان» كانت محطة أساسية في رسم ملامح مرور المغرب إلى المرحلة الأخرى. مفاوضات مثيرة، حتى بعد مرور 60 سنة اليوم على أطوارها، تبقى كواليسها عصية على الاختراق رغم التذمر الواضح الذي كان باديا على وجه المهدي بن بركة، والذي كان وقتها اسما وازنا راهن عليه حزب الاستقلال للمفاوضة لصالحه حتى يفوز بمساحة واسعة في الساحة، بعد انسحاب فرنسا من المغرب، لكن المفاجأة كانت كبيرة، واعترف المهدي بن بركة وآخرون أن «إكس ليبان» لم تكن إلا بداية السيطرة الفرنسية على المصالح المغربية تحت يافطة الاستقلال.

الكواليس السرية التي ورطت سياسيين مغاربة لقبول المفاوضة
لم يكن البرلمان الفرنسي ليقبل بسهولة بفتح باب المفاوضات بين فرنسا والمغرب على طاولة واحدة تجتمع فيها السلطات الفرنسية مع ممثلين عن أتباع فرنسا من المغاربة والسياسيين الذين يسبحون عكس التيار. لكن التصويت الفرنسي أدى إلى المضي قدما في فرش الطريق أمام إقامة طاولة «إكس ليبان»، أو «كسليبا» كما كان عامة الشعب ينطقونها أيام كانت موجات الراديو تأتي بتقارير عن مراحل المفاوضات بين فرنسا والمغرب. ما فات المغاربة أن يعرفوه وقتها، أن مسرحية كبرى كانت تحاك، وأن السياسيين الذين كانوا يعارضون التوغل الفرنسي، كانوا على وشك أن يبتلعوا أول مقلب سياسي في حياتهم. فيما كان الموالون لفرنسا، خصوصا من الذين اشتغلوا في المناصب التابعة لوزارة الداخلية، ينفذون التعليمات فقط.
في الأرشيف الرسمي الفرنسي، توجد تقارير يعود تاريخها إلى سنتين بعد تاريخ مفاوضات «إكس ليبان»، أي بالضبط إلى سنة 1958. تقول إحدى الفقرات ما معناه أن فرنسا كانت تحكم قبضتها على المفاوضات، ونجحت في التحكم في القرارات التي خرجت من تلك القاعة في ضاحية إكس ليبان الهادئة. توجد أيضا مراسلات دبلوماسية تحمل توصيات واضحة لمسؤولي الإدارة الفرنسية بالمغرب، تخبرهم أن يجتمعوا بالأعيان الذين تم اختيارهم لحضور مفاوضات إكس ليبان، أولهم المقري، الصدر الأعظم الذي كان بمثابة وزير داخلية قبل هيكلة الإدارة المغربية سنة 1956، بالإضافة إلى الحاج عبد الحي الكتاني الذي كان بدوره مقربا جدا من الإدارة الفرنسية، وهو الأمر الذي تسبب للاثنين معا في مشاكل كثيرة، حيث وجهت إليهما تهمة الخيانة والعمالة لفرنسا. هذان الرجلان كانا محط ثقة كبيرة لفرنسا، وعاشا معا كواليس الإعداد لمفاوضات «إكس ليبان» عن قرب، حيث تم تكليفهما حسب ما يشهد به الأرشيف الفرنسي، بالحديث مع بقية الأعيان الذين حضروا المفاوضات، حتى يمثلوا قوة ضاغطة في المفاوضات، وهكذا ستكون فرنسا تفاوض بقوتين: القوة الأولى تتمثل في موظفيها وسياسييها وعسكرييها، والثانية تتمثل في الأعيان المغاربة الذين كانوا يحسبون على الطرف المغربي، لكنهم مع الإرادة الفرنسية، ولا شك أنهم سيصوتون في المفاوضات لصالح القرارات التي تخدم التغلغل الفرنسي في المغرب، سواء حصل على الاستقلال، أم بقي تحت الحماية.
الكل، سياسيين وأعيانا، كانوا يعلمون أن ما أدى لعقد مفاوضات إكس ليبان، لم يكن إلا ورطة الحكم في المغرب. ولولا انفجار الأوضاع السياسية بعد نفي محمد الخامس، واستحالة المفاهمة بين الحزبين المغربيين، الاستقلال والشورى والاستقلال، لما كانت هناك مفاوضات أساسا. لأن التعيينات العسكرية التي كانت تقوم بها فرنسا في المغرب خلال سنوات الخمسينات، كانت كلها تشهد أن فرنسا لم تكن أبدا تضع أمامها الخيار السياسي كحل للأزمة مع المغرب، بقدر ما كانت تخطط لتعزيز خطوطها العسكرية للضرب بقوة في المدن الكبرى، كالدار البيضاء والرباط ومراكش وفاس، والسيطرة على بؤر التوتر، خصوصا في الجنوب والأماكن التي كانت عصية على الاختراق، سيما أمام القبائل التي أمضت سنوات طويلة في القتال ولم ينفع الحصار الفرنسي في إخضاعها إداريا، رغم التحالفات التي قامت بها فرنسا مع الأعيان.
بالعودة إلى مفاوضات إكس ليبان، والتي جرت أطوارها طيلة الأيام الخمسة الأخيرة من شهر غشت سنة 1955، فإن الأسابيع القليلة التي سبقت المفاوضات شهدت اتصالات واسعة للسيطرة على مجريات المفاوضات التي بدا أن فرنسا كانت تريد استغلالها لصالحها، وقد نجحت في الأمر أولا بسبب إخلاص الأعيان لها، وثانيا لأن السياسيين المغاربة المشاركين، صُدموا، رغم أن الكثيرين قالوا إن أمر المسرحية كان متوقعا، لكن واقع الحال يقول غير ذلك. إذ إن المهدي بن بركة نفسه، اعترف في كتاباته وخطاباته السياسية التي كانت أساسا موجهة إلى شباب الخمسينات والستينات في الجامعات المغربية، (اعترف) أنه ابتلع الطعم الفرنسي في مدينة إكس ليبان، واستنتج منذ اليوم الأول للمفاوضات أن فرنسا تضغط باستعمال الأعيان لتمرير ما تقترحه في تلك المفاوضات، وهكذا كانت مقترحات المحسوبين على الأحزاب الوطنية، خصوصا حزب الاستقلال الذي كان ممثلا بأسماء تمزج بين السياسة والحقل الديني، لا تلقى أي تجاوب ولا دعم لأن المعارضة الفرنسية وحدها كفيلة بجر الأعيان إلى معارضة الأطروحة المغربية أيضا، فيما كان الأعيان يصوتون لصالح ما تقترحه فرنسا، وهكذا كانت المفاوضات غير متكافئة. لكن السؤال الذي كان يجب طرحه، هو لماذا لم ينسحب المغاربة من مفاوضات إكس ليبان، ما داموا قد استنتجوا أن الأعيان ليسوا إلا لوبيا للضغط لصالح فرنسا؟

هذا سر التحامل الكبير على المشاركين في «إكس ليبان» وهكذا اتهموا بالاسترزاق
وجه لوم كبير، بعد حصول المغرب على الاستقلال، لكل الذين شاركوا في مفاوضات إكس ليبان ولو بحسن نية. السبب أن القرارات والتوصيات التي خرجت بها تلك المفاوضات التي أسالت الكثير من المداد لكنها لم تعد على المغرب بشيء ذي قيمة، كانت تخدم المصالح الفرنسية في المغرب. الخارطة السياسية لما بعد حصول المغرب على الاستقلال سنة 1956، كانت قد رسمت في إكس ليبان. والمهزلة الكبيرة، كما سترون، أن حزب الاستقلال الذي عارض بشدة أول حكومة، رغم أنه كان مشاركا فيها، كان حاضرا في مفاوضات إكس ليبان ومرت التوصيات أمام أعين ممثليه على طاولة المفاوضات، وتورط المغرب في السماح للفرنسيين والمحسوبين على فرنسا، بالسيطرة على المشهد السياسي والإداري في المغرب، لما بعد سنة 1956، ليعود للانتفاضة على الوضع رغم أنه كان طرفا في صنعه أثناء المفاوضات.
ليس هذا تحاملا على الذين شاركوا في المفاوضات، لكنه رأي نخبة مغربية كانت تراقب المشهد من بعيد. إذا عدنا إلى المؤرخ المغربي، عبد اللطيف الفيلالي، ومقالاته، بالإضافة إلى مجلده الضخم، «التاريخ السياسي للمغرب العربي الكبير»، فإننا سنجد تذمرا واضحا للرجل مما آلت إليه الأوضاع في المغرب بعد الاستقلال، ولأنه كان قريبا جدا من الأحداث، وطرفا في صنعها مرات كثيرة، فإنه ربط مباشرة بين التيه المغربي بعد 1956 والأزمات الحكومية المتلاحقة، وبين توصيات مفاوضات إكس ليبان لـ«غشت» 1955، وقال إن الذين شاركوا فيها سمحوا لفرنسا بهندسة المشهد السياسي المغربي بالشكل الذي ارتأته مناسبا، وإن الطرف المغربي لم يكن أبدا مفاوضا جيدا، بل وتحامل كثيرا على بعض المشاركين ووصفهم بالخونة. عبد الكريم الفيلالي كان قاسيا جدا في حكمه على الذين شاركوا في المفاوضات. يقول الفيلالي متحدثا عن إكس ليبان، وللإشارة فإن رأيه هذا جر عليه قيد حياته عداوات كبيرة جدا، إن بعض الساسة أصبحوا مرتزقين ومتكسبين: «ما كان لـ«فور» أن يتقدم حتى يعرف رأي الملك محمد الخامس في الحلول المقترحة، والتي تتضمن رغبة بعض الساسة المغاربة الذين أصبحوا من المحترفين المتكسبين والذين انخدعوا بظروف أحزاب المعارضة الفرنسية كما سيصرح بذلك التلمساني عمر بن عبد الجليل لمراسل جريدة «الجمهورية» المصرية، بحضور علال الفاسي نفسه في مطار القاهرة، يوم 12 شتنبر 1955 (أي بعد مفاوضات إكس ليبان بأسابيع)، وقد دل ذلك على أن القوم كانوا يعيشون داخل الدوامة التي استنفدت كل طاقتهم في سبيل الوصول إلى تحقيق الأغراض والمصالح والغايات التي سيُكشف عنها خلال الأيام الأولى للاستقلال، ولم تكن شيئا غير استغلال المناصب من أجل الحصول على المال».
انكشفت الأمور بعد الاستقلال بمدة قصيرة، لكن بالنسبة للذين شاركوا في المفاوضات، فإن الأمور قد انكشفت لهم منذ أولى ساعات المفاوضات كما اعترفوا بذلك. حتى أن المهدي بن بركة كان قد صرح لبعض مقربيه قائلا إنه ابتلع الطعم، ووجد نفسه جالسا لوحده يتأمل الجالسين دون أن يقدر على اقتراح النقط التي اشتغل عليها بنفسه لأيام طويلة، واكتفى بمحاولة فهم ما يقع في الجانب الفرنسي، الذي كان يقترح ويلقى تجاوبا من الفرنسيين والمحسوبين عليهم من الأعيان المغاربة. هل فات الذين حلوا بمدينة إكس ليبان الفرنسية أن يؤمنوا أن فرنسا لم تكن لتفاوض أبدا بدون أن تراعي مصلحتها الشخصية؟ سيكون مضحكا أن يعتقد المغاربة المشاركون أن فرنسا كانت تريد منح المغرب هدية مجانية تتثمل في استعادة توازنه السياسي، والحد من التغلغل الفرنسي في المغرب. هذا بالضبط ما كان يعتقده الذين كانوا يحملون السلاح في وجه فرنسا، حتى أنهم كانوا يؤلفون النكات عن السياسيين، لأن فرنسا استدرجتهم إلى أرضها وجعلتهم يحضرون مفاوضات كانت شبيهة بالمسرحيات الكوميدية، للتقرير في مصير المغرب بعد أن تنسحب منه. الأيام كشفت أنها لم تنسحب بالصورة التي روجت لها وروج لها الكثيرون، وأن سيطرة فرنسا على الوضع السياسي والاقتصادي بالمغرب بقيت مستمرة، ولم تتراجع حدتها إلا بعد فترة طويلة على حصول المغرب على الاستقلال.

سياسيون وأعيان مغاربة استغلوا الرحلة للسياحة والتبضع
لفهم ما وقع في صيف 1955 بمدينة إكس ليبان، يجب أولا العودة إلى الظروف التي جعلت فرنسا تلجأ إلى هذا الخيار.
ممثلة في رجلها العسكري الذي يمثل سلطتها بالمغرب، الجنرال جوان.. بقيت فرنسا تصدر أوامرها من أجل سن قوانين تسمح بإنشاء حكومة فرنسية بالمغرب، وتنتزع كافة السلطات من المؤسسة الملكية التي كانت تحكم البلاد.
دور الكلاوي لم يحن بعد. دخلت فرنسا على الخط مع بن عرفة مجددا. من سيتكلف هذه المرة؟ رجل تداول الوطنيون اسمه كثيرا واتهموه بالخيانة العظمى، إنه الكتاني. يقول ابن الكلاوي في كتابه: «حسب بعض الأخبار التي يصعب التأكد من صحتها، فقد تم الاتصال بين عبد الحي الكتاني والزعيم علال الفاسي قبل نفيه إلى الغابون. فقد أرسل الشيخ العجوز صهره وساعده الأيمن، الكانوني، إلى علال الفاسي، مؤسس حزب الاستقلال، لحثه على مشاركته حقده على السلطان. ومقابل ذلك وعده الكتاني أن يجعل نفسه وتابعيه في خدمة أطروحة حزب الاستقلال. وبما أن الرئيس علال الفاسي قد رفض رفضا قاطعا ذلك الاقتراح، فقد وجه الكتاني حقده ضد محمد الخامس وحزب الاستقلال معا».
لكي تكتمل الصورة عن الدور المزعوم لعبد الحي الكتاني، فقد راج أيضا أنه قام بمحاولة أخيرة لدى محمد بن عرفة، حيث استنجده بالمصحف الشريف أخرجه الشيخ من جلبابه ليطلب منه بقداسة القرآن أن يقبل بـ«مهمته السامية في قيادة أمور المسلمين في هذا البلد».
عائلة الكلاوي تقول إن الكتاني كان شيخا للطريقة الكتانية، وتقول أيضا إن بن عرفة كان يكن قدرا كبيرا من الاحترام لشيوخ الطرق الصوفية. بل وتضيف أن الاتصال في البداية كان بين الكتاني والإقامة العامة الفرنسية فقط. لكن ابن الكلاوي يقول في كتابه: «وبما أن باشا مراكش لم يكن يعير كبير اهتمام لمسألة الشخص هذه، اكتفى منذ البداية بالمصادقة من غير أي اعتراض على قرارات الكتاني، فقد كان هذا الأخير يرغب في أن يضع على العرش سلطانا يحيطه هو بالتقديس الواعد».
هذه مقولات تاريخية تعد بمثابة وثائق للمرحلة بكل ما وقع فيها من تقلبات أدت إلى عقد مفاوضات إكس ليبان. لأن فرض بن عرفة مكان محمد الخامس، جر الوضع السياسي إلى التمزق، ووجدت فرنسا نفسها مجبرة على التفكير في «توليفة» لاحتواء الأوضاع، خصوصا وأن السياسيين المغاربة، كعلال الفاسي، المهدي بن بركة، الوزاني، عبد الهادي بوطالب وآخرين كانوا ينظرون في اللقاءات الحزبية المعلنة والمغلقة، لمرحلة ما بعد الاستقلال، ويطالبون بالأساس بعودة الملك محمد الخامس إلى المغرب أولا، وما لم تكن فرنسا تحبه، هو أن الساسة المغاربة كانوا يتحدثون وقتها، خصوصا خلال سنة 1954 عن الخارطة السياسية للمغرب ما بعد انسحاب فرنسا نهائيا منه. وهو ما كان المقيم العام الفرنسي يرى فيه تهديدا للوجود الفرنسي في المغرب، وقد كان ذكيا، من خلال التقارير الرسمية التي رفعها إلى بلاده، في رصد بوادر الرغبة المغربية في الاستقلال سياسيا عن فرنسا والتأسيس لنخبة سياسية مغربية تعوضها في الإدارات المغربية. وهو ما عجّل بعقد مفاوضات إكس ليبان، لبحث طريقة لبقاء فرنسا مسيطرة على الوضع، ولإنهاء مشكل الحكم في المغرب. وهكذا تمت حياكة كل شيء لعقد مفاوضات إكس ليبان بحضور الأعيان المغاربة الذين كان أغلبهم قيادا وباشاوات، وموالين لفرنسا، خصوصا خلال مرحلة نفي الملك محمد الخامس. تقول الأرقام إن عدد المغاربة الحاضرين لم يتجاوز 37 اسما، أغلبهم كانوا موالين لفرنسا، فيما بقي الآخرون ممثلين عن حزبي «الاستقلال» و«الشورى والاستقلال». جاء في مذكرات لأحد الممثلين العسكريين للولايات المتحدة الأمريكية في المغرب، في القاعدة العسكرية بالقنيطرة، أعيد جمعها سنة 1972 بعد أن ضاعت منها أوراق كثيرة، ما مفاده أن الفرنسيين كانوا يروون لأصدقائهم في المغرب ما وقع في إكس ليبان. اسمه «ماكوار» والمذكرات موقعة باسمه، بالإضافة إلى حرفين يختصران اسمه الشخصي الذي يبدأ بحرف الميم، ولم يفصح عنه كاملا، والمرجح أنه ضاع مع الأوراق الأخرى التي ضاعت قبل أن يتم الاعتناء بالأوراق المتبقية، والتي عثر عليها في ملف عسكري سنة 1972. المذكرات تعود إلى سنة 1955، أي مبكرا مباشرة بعد مفاوضات إكس ليبان، ومما جاء فيها، ما يلي: «لم أكن قادرا على الخروج هذا الصباح. رفعت سماعة الهاتف وطلبت الإدارة في القاعدة العسكرية وأخبرتهم أنني متعب. تذكرت بكثير من الأسف موعدي مع صديق فرنسي تعرفت عليه قبل أسابيع في حفلة شواء حضرها عسكريون فرنسيون، كان يحكي لي فيها المفاوضات الأخيرة التي جرت في إكس ليبان، وهي مدينة فرنسية جميلة. كنا نهتز ضحكا خلال الحفل، وهو يروي لنا عن وقائع غريبة لبعض الأغنياء المغاربة الذين حضروا تلك المفاوضات. استغربت كيف أنه يتحدث عنهم بسوء بينما يقول إنهم أصدقاء حقيقيون له وتربطه بهم علاقات وطيدة، وإن بعضهم يملك إقامات في فرنسا لقضاء العطل الصيفية. رفعت سماعة الهاتف لأتصل به من خلال بطاقة المعايدة التي منحني إياها في فندق الرباط في آخر سهرة، وقبل أن أعتذر منه، أخبرني أنه في طريقه إليّ للاطمئنان على حالتي الصحية. لم تمض إلا ساعتان حتى حل في قلب غرفة الضيوف داخل الإقامة التي خصصت لي ولأسرتي الصغيرة. أخبرته في معرض حديثنا أنني أعرف بعض الأعيان المغاربة أيضا، وسألته إن كان يعرف الباشا الكلاوي وعبد الحي الكتاني والوزير المقري، فهز رأسه إيجابا، وقال لي إن الكتاني شخصيا أمضى معه أياما رائعة في إكس ليبان، واندهشت عندما أخبرني أنه ساعده في التبضع واقتناء الهدايا لعائلته، على هامش المفاوضات! لم أكن أتصور في الحقيقة أن الأمور مرت بهذا الشكل.. لكن يبدو أن هذا ما وقع. المفاوضات لم تكن جدية».
قد تبدو مذكرات هذا العسكري الأمريكي مبالغا فيها، وقد تكون ضربا من الخيال، خصوصا وأن جزءا كبيرا منها مفقود إلى اليوم، ولم تصل منها إلى الأرشيف إلا بعض الأوراق المبتورة، لكنها على الأقل تحاكي ما وقع في إكس ليبان، سيما وأن عبد الحي الكتاني، كما هو معروف، اعتبر من الذين هووا إلى القاع بعد مشاركته في مفاوضات إكس ليبان، ليقف إلى جانب الطرح الفرنسي، ويكون عدوا بموجب هذا الأمر، للسياسيين الذين كانوا حاضرين، وهو ما جعل الرجل يعيش أياما عصيبة بعد حصول المغرب على الاستقلال. ماذا وقع إذن؟

النهايات المأساوية للأعيان الذين دعموا التوصيات الفرنسية
الصدر الأعظم المقري كان اسما بارزا خلال مفاوضات «إكس ليبان»، لكنه كان أيضا من أكثر الذين فقدوا شعبيتهم، خصوصا وأنه بقي في منصبه في الوقت الذي شهد المغرب أزمة العرش وقدوم بن عرفة وما تبع ذلك من أزمات أخرى، أحرقت أسماء إضافية كالفاطمي بنسليمان وآخرين كلفهم الأمر حياتهم، حيث تعرضوا للاغتيال. حضور البعض في مفاوضات إكس ليبان، ووقوفهم في صف المقترحات الفرنسية، كان كفيلا بتأجيج الرأي العام ضدهم.
ولفهم الدور الذي كان يقوم به المقري، في تواز مع مصالح الحماية الفرنسية، فقد جاء في كتاب «التاريخ السياسي للمغرب الكبير» ما يلي: «في عهد المولى عبد الحفيظ، وبالضبط عام 1910 كان سفر المقري إلى باريس على رأس وفد… وهي سفرية لم تذكر كثيرا في ترجمة الرجل، لأنه حصلت له أثناءها قصة مع زوجة سائق فرنسي استدرجه الفرنسيون بها حتى قيل إنها حملت منه. وبذلك أصبح المقري مأسورا للفرنسيين طيلة حياته مقابل عدم إفشاء السر».
وفي الحين الذي كان يبدو فيه أن المقري رجل ثقة الملك محمد الخامس، ووارث الحكمة من الراحل مولاي يوسف، فإنه كان يسهل مأمورية الفرنسيين، ولقي سخطا كبيرا عندما قال في تعليقه على نفي محمد الخامس وتنصيب بن عرفة: «إن إبعاد محمد الخامس لن يكلف أكثر من 24 ساعة من الفوضى والاضطراب، وإن بقاءه بعدما أجمع المجتمعون بمراكش على قيام إمام ثان هو سيده محمد بن عرفة، سيكون خطرا على البلاد، وإن وجود إمامين؛ إمام الرباط، وآخر بمراكش عمل يمس الشعور الديني، وإذا صح العزم فلتبادر فرنسا بإبعاد عدوها». الفترة التي قال فيها الحاج محمد المقري هذا الكلام كان فيها صدرا أعظم ووزيرا أول للملك محمد الخامس، واتضح حينها أنه لا يملك إلا أن ينصاع لرغبات فرنسا، وهو ما جره إلى تمريغ سمعته في ما بعد.
المقري ونظرية إفشاء السر التي طرحها المؤرخ عبد الكريم الفيلالي، يمكن أن نقرأ منها سر موقفه في مفاوضات «إكس ليبان»، خصوصا وأنه كان يستطيع العودة إلى الاصطفاف إلى جانب السياسيين، لكنه ربما كان يعلم أنه لوحده لن يشكل قوة ضاغطة، سيما وأن أصدقاءه وبعض الأعيان الآخرين، كانوا يقفون إلى جانب فرنسا في المفاوضات حتى قبل أن يغادروا المغرب في اتجاه «إكس ليبان».
هكذا انتهى المقري أعزل ومنفيا، وصدرت ضده في المغرب أحكام قضائية بلغت حد تجريده من ممتلكاته، وكان اسمه على رأس القائمة التي تم وضعها بدعم من الوطنيين أمام مكتب الملك محمد الخامس سنة 1956 لتجريد المقري وآخرين من الجنسية المغربية، خصوصا وأن بعض السياسيين تحدثوا في خطابات سياسية عن إهانة كبيرة تعرض لها المغرب أثناء مفاوضات إكس ليبان، ووضعوا اللوم على عاتق المقري والكتاني وكل الذين كانوا في مناصب الباشاوات، سيما وأن رئيس الحكومة وقتها، مبارك البكاي، كان باشا، وقبل ذلك كان جنديا قاتل لصالح فرنسا، وكان أيضا من الذين حضروا مفاوضات «إكس ليبان». لكن الغضب كان منصبا على أولئك الذين لم ينجحوا في المرور إلى المرحلة اللاحقة من لعبة التوافقات السياسية، وخسروا كل شيء بما في ذلك مناصبهم الإدارية السابقة، وما زاد تأجيج الغضب ضدهم، رغبة البعض في الانتقام منهم، خصوصا وأنهم كانوا يدعمون الممارسات الفرنسية في المناطق التي اشتغلوا فيها باشاوات وقيادا، خلال الأربعينات وبداية الخمسينات.

هل تعرض المغرب للإهانة عندما جلس إلى طاولة المفاوضات الملغومة؟
بعد ستين سنة على مفاوضات إكس ليبان، لم يفصل أحد في ما إن كان المغرب قد تعرض فعلا لإهانة تاريخية ممثلة في مفاوضات إكس ليبان، خصوصا وأن المهدي بن بركة، والذي كان الاسم الذي راهن عليه الكثيرون ممن يتابعون السياسة المغربية وآمنوا بالحل السياسي للأزمة بين فرنسا والمغرب، اعترف في كتاباته، أن المغرب تعرض لمقلب كلفه خسارة سنوات إضافية حتى بعد حصوله على الاستقلال، لأن مقتضيات إكس ليبان كانت ترسخ وجود الإدارة الفرنسية في المغرب واستفادتها لسنوات أخرى حتى بعد خروجها من البلاد. الإهانة «المفترضة» تتمثل في المقلب الذي تعرض له الراغبون في حيازة صلاحية حزبية في الخارطة السياسية الجديدة للمغرب. فحزب الاستقلال راهن كثيرا على مفاوضات إكس ليبان، وكذلك حزب الشورى والاستقلال. ما لا يعرفه الكثيرون أن منافسة كبيرة جرت بين الحزبين في ذلك اليوم في الإعداد للمفاوضات، حتى يضمن كل حزب لأبنائه توسعا في الخارطة السياسية بالمغرب في مرحلة ما بعد خروج فرنسا، لكن ما وقع أن فرنسا ألغت كل شيء، وضربت بقوة على طاولة المفاوضات، لتتحول الجلسة التي امتدت أشواطها لخمسة أيام، إلى فخ حقيقي كان فيه الطرف المغربي ضعيفا مقارنة مع اللوبي الضاغط لصالح مصالح فرنسا. السؤال الذي كان يجب طرحه وقتها، والذي لا جدوى من طرحه الآن هو: لماذا لم ينسحب السياسيون المغاربة من مفاوضات «إكس ليبان»، ما دامت قد مرت في تلك الظروف؟
الجواب لن يكون سهلا بالتأكيد، لأن الظرفية السياسية وقتها كانت معقدة، لكن ما لا يمكن فهمه هو لماذا تحامل الشارع المغربي على الذين صنفوا في خانة «الخونة» وصودرت ممتلكاتهم، فيما استمر السياسيون في الاحتجاج وبقوة، خصوصا حزب الاستقلال، ضد أول حكومة مغربية سنة 1956، وهم يعلمون جيدا أنهم وقعوا على وجودها بتلك الطريقة في مفاوضات إكس ليبان؟

الكتاني الذي كان عالما وانتهى منفيا في نيس الفرنسية
لنمر الآن إلى عبد الحي الكتاني. هذا الرجل كان يشغل مكانا في أعلى سلم التكليفات المخزنية، وينحدر من عائلة مرموقة ولها رصيدها العلمي في الخزانة المغربية. وكان في وقت مبكر واحدا من الذين شهد لهم بالنبوغ في فترة الشباب، خصوصا وأنه كان من طلبة العلم البارزين، ليس بفضل اسمه العائلي فقط، لأن الكتاني كان اسما عائليا معروفا في أوساط المتصوفة، ولكن أيضا لأنه كان مجتهدا، حسب شهادات الذين أشرفوا على التدريس في جامعة القرويين والذين كانوا على اتصال بجامعات المشرق أيضا، سيما في مصر وسوريا.
كيف إذن لهذا الرجل الذي خلف أزيد من 500 مقال في مختلف العلوم، وحصل على العالمية من جامعة القرويين في سن مبكرة، إذ إنه كان يشتغل في التدريس في أحد المعاهد التي تلقن العلوم الشرعية وعمره لم يتجاوز 20 سنة، كان معارضا في البداية للوجود الفرنسي بالمغرب، لكنه انقلب فجأة وأصبح واحدا من كبار الأعيان المغاربة وأصبح مقربا من رؤوس الإدارة الفرنسية بالمغرب، وتحول في إطار التقارب الذي كان بين فرنسا وبعض الأسماء المحسوبة على الزوايا الصوفية في المغرب، إلى صديق لفرنسا، وكان من بين الذين حضروا المفاوضات، وفورا بعد حصول المغرب على الاستقلال سنة 1956، أصبح الكتاني واحدا من الأسماء المطلوبة، وربما كان محظوظا لأنه لم يتم اغتياله كما وقع للكثيرين ممن كانوا مقربين منه واشتغلوا باشاوات وقيادا، إذ وجد أغلبهم مقتولا في قارعة الطريق، وتم التمثيل بجثتهم بطرق بشعة، بالإضافة إلى أن آخرين قُتلوا وقطعت رؤوسهم. وهكذا يكون الكتاني قد نجا بحياته عندما اختار الإقامة في نيس، خصوصا وأن النخبة الجديدة في مغرب ما بعد 1956 لم تكن تقبل أن يعود إلى المشهد السياسي المغربي، كل الذين كان الشارع قد خرج مطالبا برؤوسهم. وهذا ما يفسر بقاء أسماء أخرى، كعبد الحفيظ العلوي وامبارك البكاي، الذين كانوا حاضرين في مفاوضات إكس ليبان، لأنهم لم يكونوا من الذين تحرك الشارع ضدهم.

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة