الرئيسيةالملف التاريخيتاريخ

مقتل حسن البنا..مصلح ديني في زوبعة غضب وخوف ملك

معروف عن المفكر والسياسي المصري حسن البنا (1906-1949) بأنه مؤسس حركة الإخوان المسلمين (سنة 1928) وهو جد المفكرين السويسريين (مصريا الأصل) طارق رمضان، الكاتب والمحاضر العالمي المعروف، وهاني رمضان مدير المركز الإسلامي بجنيف وأحد أكبر دعاة الإسلام المستنير.

لكن من غير الشائع كثيرا بأن النشاط السياسي الكبير وغير الناضب لحسن البنا، إن على المستوى الدعوي أو الإصلاحي أو حتى على مستوى تشبيك علاقاته مع الجيش وتنويعها وتفرع دعاماته مع دول عربية مجاورة كثيرة، سيشكل حوله أتباعا كما أعداء من داخل بؤرة الدولة المصرية الملكية الفاروقية، وهي البؤرة التي ستؤلب مصالح المستعمر ضد حركته المقلقة لتوازنات الاستعمار، وهو ما سيفضي لقتله.

تربى حسن البنا في كنف أسرة متدينة بحيث كان والده، خريج جامعة الأزهر، يعمل ساعاتيا لكسب رزقه بينما كان ينشط بالموازاة مع ذلك في المجال الديني بل وكان مؤلفا للعديد من المراجع وكان يؤلف العديد من الكتب المعنية بالأحاديث النبوية الشريفة وكان إماما لمسجد المدينة.

بدأت بوادر النضال الديني والأخلاقي تتوضح لدى حسن البنا-الطفل بحيث ستعينه مدرسته وهو ابن الثامنة، رئيسا لجمعية “مكارم الأخلاق”، كما سيؤسس بمساعدة أحد أساتذته جمعية تعمل ضد انتهاك السنن والقوانين الأخلاقية بالمدينة بحيث كان البنا والناشطين إلى جانبه يبعثون رسائل سرية لمن اقترفوا أعمالا منافية للأخلاق الإسلامية المعروفة.

سنة 1918 سيتوجه إلى مقاطعة دمنهور لاستكمال تعليمه الإعدادي كما انه سيتعلم مهنة والده كساعاتي بل وسيلقنه نسيم بحتوت فنون تغليف وتجليد الكتب في الإسماعيلية. وموازاة مع دراسته وعمله سينخرط في الأخوية الحصافية ليحصل فقيها بالأساس على أول مبادئ المنهج الصوفي والفلسفي للإسلام.

وهو يافع ابن 14 سنة، سيتوجه حسن البنا ابتداء من سنة 1920، لمجال التعليم والتدريس عوض استكمال دراساته التحضيرية لولوج جامعة الأزهر.

في سنة 1923 وهو في سن 17 سيلتحق بالمدرسة العليا بالقاهرة المسماة دار العلوم، وهي رديفة لمؤسسة تكوين المدرسين، حيث سيكمل سنواته التحصيلية الأربع بتفوق، لكنه سيرفض منحة التخرج التي كانت ستمكنه من استكمال تكوينه بإحدى الدول الأوروبية. سيتم تعيينه مدرسا بالإسماعيلية سنة 1927.

سيزيد النشاط الدعوي والسياسي لحسن البنا توهجا وصرامة عندما سيؤسس جمعية الإخوان المسلمين سنة 1928 وهو التوجه الذي رسخ لدى حسن البنا قناعة أن محاربة الاستعمار لن تتأتى إلا عن طريق تقوية ودعم ما أسماه بالإسلام الاجتماعي من خلال الاقتراب أكثر من هموم المواطنين وتطوير عمليات التآزر الاجتماعي والأخلاقي والأخوي الذي يجعل من أمة الإسلام لحمة واحدة. هذا على مستوى التعبئة الاجتماعية للمسلمين، أما من حيث التأصيل الإيديولوجي للحركة فقد أقام البنا وأتباعه منهاجا إيديولوجيا صارما “يحارب” كل الملامح الدينية والثقافية والمعيشية التي جاء بها المستعمر “ليؤثر على عقول المسلمين” بل ودعت جمعية الإخوان المسلمين إلى نهج أسلوب استباقي “هجومي” في حربهم الثقافية والدينية بدل النهج السلبي الدفاعي التقليدي. ويعتبر المؤرخون بأن هذا المنهاج كان في صلب التخطيطات الإستراتيجية لحركات الإخوان المسلمين في باقي بقاع الدول العربية، بل واعتبروه العصبون الإيديولوجي للثورة الإسلامية بإيران بالرغم من الاختلافات المذهبية بين مسلمي مصر الثائرين على الملك فاروق ومسلمي إيران الثائرين على الشاه بهلولي.

هذا التوجه البراغماتي الدعوي الذي دعا إليه حسن البنا ومؤسسي حركة الإخوان المسلمين الأوائل، دفع بهم إلى الخروج للناس في الأسواق والمقاهي والمساجد وسائر الأماكن العامة يدعون في الناس بالأخطار المحدقة بالحضارة الإسلامية وملامح الثقافة المصرية الأصيلة، سيما أن الملك فاروق أطلق سياسة مجتمعية وثقافية وفنية تحررية تحاكي في أنماطها وأشكالها النمط الغربي (الإنجليزي والأمريكي). فكلنا يتذكر أفلام مصر في سنوات الثلاثينيات والأربعينيات مثلا والنمط الغربي المروج في هذه الإنتاجات السينمائية، وهو ما كان يعكس الإرادة الملكية آنذاك للملك فاروق وكبار مسؤولي الدولة في “التحديث” الشكلي للمجتمع المصري.

في السنة الأولى من تأسيس جمعية الإخوان المسلمين، ولأن حسن البنا رجل تعليم كان مشبعا “بالديداكتيك” والتعليم ورفع الكفايات والقدرات المعرفية لمواليه، وضع منهاجا في التكوين، كان نموذجيا وقتئذ، بحيث جمع حوله 60 منخرطا ووضع برنامجا تعليميا يشمل علوم الدين من فقه وحديث وتأويل وفلسفة، لكنه ركز كثيرا على تلقين “خطباء الحركة” تقنيات التواصل مع الناس وفنون الإقناع والمحاججة. وكانت السنة النبوية وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم منهاج الاقتداء والتلقين. لكن، وكما كان حسن البنا يقول، فالهدف هو سياسي وديني معا، وليس روحيا فقط. لأن لا إسلام من دون دولة إسلامية على شاكلة دولة الخلافة.

ستكون سنة 1932 السنة المفصلية لحركة الإخوان المسلمين ولحسن البنا. حيث سيتم تنقيل هذا الأخير للقاهرة وهي السنة التي ستؤسس فيها الحركة مقرها الرسمي بعاصمة مصر، حيث سيتطور الشق السياسي للحركة سيما أن العمل في العاصمة السياسية والإدارية للدولة سيحتم على الحركة تكثيف العمل والبحث عن دعم ومؤازرة حركات سياسية تغييرية أخرى. ولأن قضية المرأة في السجال المصري السياسي آنذاك كانت متطورة، سيؤسس حسن البنا في سنة 1933 حركة الأخوات المسلمات كحركة دعوية موازية.

في الفترة الممتدة من 1933 إلى 1948 سيتطور عمل الحركة في اتجاه دعم الشق التعبوي والاجتماعي، وسينال حسن البنا شهرة وطنية كبيرة بفضل سياسة إنشاء المدارس والجمعيات الخيرية وجمع التبرعات وتنظيم توزيعها المحكم، كما سيشتهر ببناء المستوصفات الشعبية والكتاتيب القرآنية ومدارس الأحياء والمكتبات المحلية بل ودعم الشباب في إنشاء “مقاولات تضامنية” كانت مصر والهند (في عهد غاندي) ربما الدولتان السباقتان لإنشائها وتطويرها.

هذه الدينامية بالطبع ستقلق مراكز القرار السياسي بمصر وستقلق الملك فاروق وكذا جهاز الاستعمار الإنجليزي أيضا. وسيزيد قلق الإنجليز من تنسيقات قام بها البنا مع شباب من فلسطين لدعم تحرر ديني وسياسي هناك منذ 1936. كما اضطرت مواقفه المعادية للإنجليز إبان الحرب العالمية الثانية إلى إلقاء القبض عليه وحبسه بشمال مصر بالدلتا.

هذه الوضعية الجديدة التي وجد فيها حسن البنا نفسه هو وحركته وخصوصا استهدافهم المباشر من طرف المستعمر مؤازرا بالنظام الملكي، ستجعله يبحث عن شركاء إستراتيجيين لحماية ودعم حركته وخصوصا من شباب الجيش المصري المتشبعين ببعض أفكاره “الدنيوية” الممجدة لأصالة مصر واستقلالها. ومن هنا ستكون بدايات صداقته مع ضباط الجيش المصري من بينهم أنور السادات. ولأنه مصر على كسب معركته السياسية ضد النظام الاستعماري أولا والنظام الملكي الحاكم ثانيا سيقبل على مضض الدخول في مفاوضات ولقاءات سرية مع زعماء حزب الوفد (الحزب الحاكم وقتئذ).

وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ستتوجه حركة الإخوان المسلمين بمذكرة سياسية عبارة عن برنامج مطلبي شامل أول دعاماته إرساء الشريعة كمنهاج وطني في وضع الدساتير والقوانين (أسلمة الدولة) وتوحيد الهضبة الكبرى للنيل بين مصر والسودان ومراجعة كل المعاهدات والاتفاقيات مع الإنجليز.

ضريبة التقوي والتوسع ستكون كبيرة على حسن البنا وحركته التي سيتم حلها بقرار رسمي في دجنبر 1948 خصوصا بعد الأحداث الدامية التي عرفها المشهد السياسي المصري بعد مقتل رئيس الحكومة أحمد ماهر وتوجيه الاتهام في ذلك لحركة الإخوان المسلمين، وكذا مقتل أحد أعضاء المحكمة العليا حيث تم توجيه اتهام مباشر لحسن البنا باعتباره هو من أعطى الأمر بذلك لأحد نشطاء حركته من الشباب.

بعد 20 يوم من مقتل أحمد ماهر، سيقوم أحد نشطاء حركة الإخوان المسلمين بقتل رئيس الوزراء محمود النقراشي باشا، مما دفع حسن البنا بتعميم شجبه الرسمي لحالات العنف والاحتقان وفتح صفحة المصالحة والسلم مع النظام الخاكم لأنه أحس بأن الأمور تجري في اتجاه خطير على حركته وعلى مصر.

في يوم 12 فبراير من شتاء 1949، سيتلقى حسن البنا دعوة من الملك فاروق من أجل الاجتماع مع ممثله زكي علي باشا وتباحث كل أشكال تجاوز الأزمة السياسية التي دخلت فيها مصر بين البلاط والإنجليز من جهة، وبين الإخوان المسلمين الذين تحولوا للعمل السري المسلح ضد كبار ساسة وكوادر الدولة، من جهة أخرى.

سيرفض حسن البنا، بتنبيه من أصدقائه المجازفة والذهاب للقصر الرئاسي وسيقترح على الملك فاروق أن يكون اللقاء في جمعية الشبيبة الإسلامية. بعد موافقة الملك سيتوجه حسن البنا بصحبة صديقه ورفيقه في الحركة عبد الكريم منصور إلى مقر الجمعية لكن زكي علي باشا سيتخلف عن موعده بدون مبرر مسبق.

وعندما خرج البنا وصديقه للشارع في انتظار سيارة أجرة تقلهما وقفت أمامهما سيارة بها رجلين مدججين بالسلاح، فقتلا عبد الكريم منصور في حينه بينما أصيب حسن البنا إصابات خطيرة في الصدر. ستأتي سيارة إسعاف وتحمل حسن البنا إلى المستشفى المركزي بالقاهرة. وتقول الروايات إن لا أحد من أتباعه استطاع القدوم لعيادته أو إنقاذه لأن المستشفى كان محاصرا بالجنود ورجال الأمن، وقيل إن حسن البنا بقي ملقى ليوم كامل من دون أن يسعفه الأطباء حتى لقي مصرعه في يوم 13 فبراير 1949.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Al akhbar Press sur android
إغلاق
إغلاق