الرئيسيةالملف السياسي

ملفات حارقة على طاولة حكومة العثماني

الحكومة أمام امتحان تدبير ملفات سياسية واقتصادية واجتماعية

إعداد: النعمان اليعلاوي

في 22 غشت الماضي انعقد مجلس الحكومة لاستئناف أشغاله، حيث باشرت الحكومة أعمالها في سياق خاص يتسم بالتوجيهات الملكية التي تضمنها خطاب العرش الأخير لرئيس الحكومة، سعد الدين العثماني، من أجل ضخ دماء جديدة في حكومته، عبر تقديم مقترحات جديدة لإغناء وتجديد مناصب المسؤولية، الحكومية والإدارية، بأطر وطنية عالية المستوى، وذلك على أساس الكفاءة والاستحقاق.
إن الدخول السياسي المقبل سيواجه مجموعة من التغييرات التي من شأنها مسايرة التوجيهات الملكية التي سطرها الملك في خطاب العرش، حيث من المفترض أن تتجه الحكومة إلى برمجة إطار مؤسساتي يرمي إلى إعادة هيكلة المجال الاجتماعي.
الدخول السياسي سيشهد كذلك عملية تقييم للأعطاب التي حالت دون تحقيق التوازن المالي على مستوى الميزانية العامة، هنا نتحدث عن قانون المالية وما يتطلبه من ضخ للموارد بالقطاعات الحيوية. أيضا الحكومة ستواجه الكثير من التحديات المرتبطة بتجويد الأداء الحكومي، وما عرفه من مأزق المحدودية ارتباطا بالأوراش التنموية وضعف تنفيذ السياسات العمومية في مختلف المجالات.
وتواجه الحكومة مسؤولية كبيرة بخصوص الملفات الاجتماعية، التي تلقي بثقلها خلال الموسم المقبل وعلى
رأسها ملف التشغيل ومواجهة أزمة عطالة الشباب، بالإضافة إلى ملفات التكوين والتأهيل للفئات العريضة من المواطنين وعلى رأسهم خريجو مؤسسات التعليم العالي. وقد أشار الخطاب الملكي بمناسبة ثورة الملك والشعب إلى هذا الجانب، حين دعا إلى تعزيز مكانة التكوين المهني باعتباره رافعة للتنمية وتأهيل الكفاءات المغربية في مجالات وتخصصات عدة، وهو الأمر الذي يطرح على الحكومة رهان ضرورة إصلاح التكوين المهني.
بخصوص التوجيهات الملكية حول تجديد مناصب المسؤولية، فالحكومة أمام رهان التعديل الحكومي المرتقب في تشكيلة بعض الوزراء، تماشيا مع خطاب العرش وأيضا مع ما يفرضه المنطق السياسي والاقتصادي والاجتماعي، الذي كشف الستار عن هزالة حصيلة تدبير بعض الوزراء للقطاعات، أصبح من الضروري إعادة النظر في موقع بعض كتاب الدولة بالوزارات المنتدبة، حيث عرفت جمودا على مستوى التدبير العمومي وأيضا شكلت تعارضا وتشويشا في عملية التنسيق مع الوزارات الوصية، بالإضافة إلى تضارب الاختصاصات بين الوزارات، وما تتطلبه من موارد مالية أصبحت تشكل عبئا عليها.
الحكومة ستكون مطالبة بتقديم بدائل لتطعيم الحكومة بمسؤولين ووزراء قادرين على السير في التوجه الذي اختارته الدولة، سيما بعد خطاب العرش الذي أكد على أن المملكة ستعرف مجموعة من المشاريع التنموية، وستدخل مرحلة جديدة من الإصلاح والبرامج التنموية. الحكومة مطالبة في بداية الدخول الجديد بتقديم كفاءات وأطر بغية إحداث اللجة الاستشارية للنموذج التنموي، التي دعا جلالة الملك إلى تنصيبها في بداية الدخول الحكومي المقبل، وهي فرصة لتلقيح الحكومة بكفاءات ستسعى إلى مساعدتها في الخروج من حالة الجمود التي عرفتها المخططات التنموية، سيما على المستوى المحلي.
الدخول الحكومي المقبل سيشهد حالة من التغييرات الشاملة لمجموعة من القطاعات الحكومية والوظائف الرسمية، كما سيشكل انطلاقة جديدة لتفعيل البرنامج الحكومي وإعادة طرق التدبير العمومي، سعيا نحو تهيئة الظروف الملائمة لتفعيل النموذج التنموي. وبالتالي يمكن القول إن الحكومة ستمر أمام تحديات كثيرة، سواء على مستوى توفير الإطار والموارد المالية الكفيلة بتفعيل المشاريع أو على مستوى الأطر البشرية. كما ستتطلب المرحلة التفكير في السبل التي من شأنها مسايرة التوجيهات الملكية وتفعيلها على أرض الواقع، خدمة للمواطن ونمط عيشه.

تشغيل الشباب وأزمة الكفاءات
يطرح ملف تشغيل الشباب ومواجهة أزمة البطالة نفسه بقوة على أجندة الحكومة خلال الموسم الحالي، فإذا كانت حكومة سعد الدين العثماني قد أخلت سريعا بوعودها بخصوص التشغيل، خلال السنوات الماضية، فبعد أن اعتبر رئيس الحكومة أن خطة عمل الحكومة في مجال التشغيل برسم سنة 2019 ستتميز بالشروع في تنزيل التدابير ذات الأولوية المنصوص عليها في إطار البرنامج التنفيذي للمخطط الوطني للنهوض بالتشغيل، والذي كان موضوع الميثاق الموقع بتاريخ 27 أبريل 2018 بين القطاعات الحكومية المعنية والاتحاد العام لمقاولات المغرب وجمعية جهات المغرب، مؤكدا أن سنة 2019 ستعرف التركيز على عدة إجراءات منها دعم البعد الجهوي للتشغيل، وفقا للاختصاصات الجديدة للجهة في هذا الميدان، والمنصوص عليها في القانون التنظيمي المتعلق بالجهات، مع تعزيز حضور وزارة الشغل والإدماج المهني على المستوى الجهوي والإقليمي، وذلك في إطار مواكبة ورش الجهوية المتقدمة واللامركزية الإدارية، بات تأهيل الكفاءات وتوسيع سوق الشغل بالمغرب ضرورة ملحة على طاولة الحكومة.
وبالعودة إلى أرقام البطالة في المغرب، والتي تدق ناقوس الخطر حول استفحال الظاهرة، نجد أن البطالة استقرت في مستويات مرتفعة فاقت عتبة المليون و100 ألف عاطل، وأن قرابة ثلثي العاطلين عن العمل هم في وضعية بحث عن شغل منذ سنة أو أكثر، حيث تبلغ البطالة نسبة 63,5 في المائة لدى الرجال و75.4 في المائة لدى النساء. وأضاف التقرير أن 71.1 في المائة من العاطلين البالغين من العمر ما بين 15 و34 سنة يبحثون عن شغل، منذ سنة أو أكثر، في الوقت الذي ترتفع هذه النسبة بارتفاع مستوى الشهادة، حيث تنتقل من 46,1 في المائة لدى الأشخاص بدون شهادة إلى 77,7 في المائة لدى حاملي شهادات المستوى العالي.
وسجلت أرقام المندوبية أن معدل البطالة بلغ 26 في المائة لدى الشباب البالغين بين 15 و24 سنة، و43.2 في المائة في صفوف الحضريين منهم، كما تبقى البطالة أكثر ارتفاعا بين النساء بنسبة 14 في المائة مقارنة بالرجال بنسبة 8.4 في المائة، خصوصا في المناطق الحضرية، حيث يبلغ معدلها 24.3 في المائة لدى النساء مقابل 11.4 في المائة لدى الرجال، فيما يرتفع معدل البطالة بشكل ملموس مع مستوى التكوين، حيث ينتقل من 3,4 في المائة لدى الأشخاص بدون شهادة إلى 17,2 في المائة لدى حاملي الشهادات، و14 في المائة لدى حاملي الشهادات المتوسطة، و23 في المائة لدى حاملي الشهادات العليا.

التعليم وتنزيل القانون الإطار
من الملفات الحارقة على طاولة حكومة سعد الدين العثماني، يبرز ملف التعليم بشكل واضح وأزمة الأساتذة المتعاقدين وتنزيل القانون الإطار، الذي خرج خلال السنة التشريعية الماضية من عنق الزجاجة، فبعد أزيد من عامين على توقيع العقود التي أقرتها الحكومة السابقة تفجرت أزمة تهدد بخلخلة الأوضاع في قطاع التعليم، كانت مسيرات الأساتذة المتعاقدين خلال السنة الدراسية الماضية، وما تخللتها من إضرابات وصلت حد التهديد بسنة بيضاء في المدارس العمومية واحدة من فصول الأزمة التي ينتظر أن تتواصل خلال الموسم الحالي مع إعلانهم العودة إلى الاحتجاج، الأساتذة المتعاقدون الذين شكلوا تنسيقية لهم وعدوا بالتصعيد في الاحتجاج وعقدوا العزم على «خوض العديد من الخطوات النضالية، كمقاطعة التكوينات وحمل الشارة الحمراء، وإضراب أساتذة بعض الجهات، وعدد من الخطوات التصعيدية الأكبر والأشمل».
احتجاجات المتعاقدين التي غطت شوارع المدن الكبرى خلال الموسم السابق، كانت بمثابة استمرارية لاحتجاجات المطالبين بإسقاط خطة التقاعد وهي الخطة التي صادق عليها البرلمان بغرفتيه على مضض من ممثلي بعض المركزيات النقابية، ونصت على الرفع من سن الإحالة على التقاعد إلى 62 سنة، ابتداء من تاريخ الشروع في الإصلاح، الذي حدده وزير الاقتصاد والمالية في مطلع سنة 2016 بعد التوافق على مرتكزاته مع الأطراف المتدخلة في المجال، وتمديده تدريجيا بستة أشهر كل سنة، ابتداء من 2016 بهدف بلوغ 65 سنة في أفق سنة 2021، مع إمكانية الاستفادة قبل سن الإحالة على التقاعد، من معاش كامل بعد 41 سنة من الانخراط في النظام دون تطبيق معاملات الخصم، والرفع من مساهمة الدولة والمنخرطين، كل منهما بنقطتين في سنة 2015 ونقطتين في 2016، زيادة على اعتماد الأجر المتوسط للثماني سنوات الأخيرة من العمل كقاعدة لاحتساب المعاش بشكل تدريجي على مدى 4 سنوات، احتجاجات تنذر بأزمة الموارد البشرية وترفع التحدي على الحكومة المطالبة بتنزيل القانون الإطار الخاص بالتربية والتكوين ومعالجة اختلالات القطاع، وعلى رأسها موجة إضرابات فئات المدرسين بأنواعهم.

التعديل الحكومي.. الامتحان العسير للعثماني
على بعد أيام معدودات من الدخول  السياسي في شتنبر الجاري، تسارع الأحزاب  الحكومية الخطى من أجل حسم لوائحها المقترحة للتعديل الحكومي المرتقب، والذي كان قد دعا إليه الملك محمد السادس في خطاب العرش الأخير، ووجه العثماني إلى ضرورة ضخ دماء وكفاءات جديدة في الحكومة. ويواجه رئيس الحكومة امتحانا عسيرا في تدبيره لملف التعديل الحكومي خصوصا في ظل أغلبية متعددة المشارب بستة أحزاب يطمح كل منها إلى تعزيز موقعه داخل الحكومة، وفي ظل خيارات واسعة لعدد من الوزراء وكتاب الدولة الذي يتجاوز الثلاثين، وأمام الخلافات الداخلية للأحزاب على كعكة المناصب، إذ بدأت الملفات تتقاطر على مكاتب الأمناء العامين للأحزاب الستة المشكلة للحكومة، فيما ينتظر أن تعقد رئاسة الأغلبية أولى لقاءاتها في الموضوع لم يعلن عن موعده بعد، وبعد فشل العثماني في عقده  الأسبوع الماضي بعد المجلس الحكومي كما كان مقررا.
ويواجه العثماني خيارات متعددة في منهجية التعديل المنتظر لحكومته، مع ضيق المهلة التي حددها الملك لإجرائه والتي باتت على وشك  الانقضاء مع قرب  الدخول السياسي، وحيث بات العثماني أمام ضرورة الحسم في ملفات  حاسمة على رأسها ملف النموذج التنموي والجهوية الموسعة، وهو الأمر الذي يدفع نحو القول بأن التعديل قد يشمل مجموعة من قيادات حزب العدالة والتنمية، بسبب فشلهم بتدبير الحقائب الوزارية، وفي مقدمتهم وزير الشغل والإدماج المهني محمد يتيم، وعبد القادر اعمارة، وزير التجهيز والنقل واللوجستيك والماء، ونزهة الوافي، كاتبة الدولة لدى وزير الطاقة والمعادن والتنمية المستدامة المكلفة بالتنمية المستدامة.
وفي الوقت الذي تكشف الأيام عن أن العثماني يواصل تأخير التعديل الحكومي حتى لن يحدث إلا قبل الدخول البرلماني المقبل، وتحديدا في شتنبر، أي شهرا قبل افتتاح الملك الدورة الخريفية في الجمعة الثانية من أكتوبر، إذ ينتظر أن يعصف التعديل الذي سیكون موسعا، بالعديد من الأسماء الوزارية، وجل كتاب الدولة «الأشباح»، وهو التعديل الذي سيرسم الهيكلة الجديدة التي ستكون عليها حكومة ما بعد الانتخابات التشريعية لـ2021، كما سيكون العثماني في مواجهة خيار التضحية بعدد من وزراء حزبه، إذ سيكون العدالة والتنمية أول ضحية لهذا التعديل، باتفاق مع سعد الدين العثماني، ورضاه، ذلك أن بعض وزرائه وكتاب الدولة من حزبه، سينزلون من باخرة الحكومة، ليتفرغوا لتهيء الحملة الانتخابية للحزب، أبرزهم محمد يتيم، المنظر الصامت للحزب، ومهندس حملاته الانتخابية.
وكان الملك محمد السادس، كلّف في خطابه الأخير بمناسبة الذكرى الـ20 لاعتلائه العرش، رئيس الحكومة، سعد الدين العثماني، بتقديم «مقترحات لتجديد مناصب المسؤولية، الحكومية والإدارية، بكفاءات وطنية عالية المستوى»، كما أبدى الملك حزما في ضرورة دعوته إلى ضرورة إجراء التعديل من أجل «الدخول في مرحلة جديدة قوامها المسؤولية والإقلاع الشامل».

3 أسئلة ل : محمد زين الدين : أستاذ القانون العام بجامعة الحسن الثاني المحمدية

الحكومة تأخرت كثيرا في تنزيل الجهوية المتقدمة

1 – ما مدى راهنية ملف الجهوية المتقدمة في عمل الحكومة خلال الموسم المقبل؟
بالفعل يمكن القول إن هناك تأخرا ملحوظا على مستوى تنزيل تفعيل الجهوية المتقدمة بالنظر إلى ما جاء به الدستور في 2011، من إجراءات قوية جدا ستؤدي فعلا إلى تحويل المغرب إلى مغرب الجهات القادرة على تحقيق نوع من التوازن المجالي وأيضا في المجال الجغرافي، لكن للأسف فقد أضاعت الحكومة الزمن السياسي بشكل كبير جدا، وهذا الهدر للزمن السياسي قد انعكس على المشروع الهيكلي، الذي يراهن عليه المغرب فمن أجل التغيير على كافة المجالات، اقتصاديا، واجتماعيا وسياسيا. ومن بين المداخل الأساسية من أجل تقليص المشاكل الاجتماعية وتحقيق إقلاع اقتصادي واجتماعي مهم، ورش الجهوية المتقدمة، لكن تعاطي الحكومة مع هذا الورش كان تعاطيا بطيئا جدا، بحيث إنه كانت هناك تنبيهات ملكية سابقة للحكومة بضرورة تعجيل تفعيل ورش الجهوية المتقدمة، غير أن الذي حصل هو أن الأمور بقيت على حالها، على الرغم من أن الدولة قد وفرت العديد من الإمكانيات من خلال دستور 2011 وقانون الجهات على الرغم من علاته المتعددة، غير أن التأخر الحاصل كان على مستوى إصدار المراسيم المتعلقة بتفعيل الجهوية المتقدمة، والحديث هنا عن قرابة 30 مرسوما، لم ير العديد منها النور إلى حد الآن، ولم يتم إصدار سوى بعض المراسيم المرتبطة بتدبير التعويضات والتجهيزات والتنقيلات للمسؤولين، لكن الجانب الأهم بقي حبرا على ورق.
بالإضافة إلى هذا هناك عنصر أساسي أيضا، وهو المرتبط برؤية الدولة لهذه الجهوية المتقدمة، حيث ثمة جانب من الذاتية والموضوعية في عدم التسريع بتنزيل الجهوية المتقدمة، خصوصا في الجانب المتعلق بالصلاحيات وتوسيعها ومنحها للجهات، وهذا التردد أخر تفعيل الجهوية المتقدمة، وكان من المفروض الحسم، وسبب هذا التأخر تأخر آخر في الأوراش الهيكلية المرتبطة بالجهوية المتقدمة، ومن أبرزها اللاتمركز والذي وإن صدر القانون المنظم له إلى أنه تم التأخر في تفعيله، ولم نسمع إلى الآن تفعيلا لهذا القانون، والمشكل الحاصل اليوم في عملية تنزيل. وبالعودة إلى موضوع تردد الدولة في التنزيل الفعلي للجهوية المتقدمة، نجد أن الإكراهات المطروحة مرتبطة أساسا بالجانب المتعلق بغلبة عنصر التمركز الإداري، حتى من حيث العنصر البشري والموظفين الذين يجب أن تتزود بهم الجهات والمصالح الجهوية، ولم يتم علاج الأعطاب التي تعاني منها الجهوية الإدارية في المغرب، إذ يوجد هناك تمركز إداري، ومشكل الكفاءات والموارد البشرية التي يمكن الرهان عليها في تفعيل هذه الجهوية.

2 – ماهي الإكراهات التي تواجه تنزيل الجهوية المتقدمة؟
إن الحكومة مطالبة بتفعيل الجهوية من خلال تجاوز الإشكالات الحقيقية، وعلى رأسها مشكل الحكامة الترابية التي تعتبر مشكلا خطيرا، على اعتبار أن متابعة البرامج التي يتم الإعلان عنها والشروع في إنجازها لا يتمان، كما هو الشأن مثلا في برنامج تنمية جهة الدار البيضاء الذي ما زال حبرا على ورق، مع العلم أن الدار البيضاء هي قاطرة النظام الجهوي في المغرب، فما بالك بالجهات الصغيرة والضعيفة، زيادة على مشكل الإمكانيات المادية على أنه يجب رصد إمكانيات مادية كبيرة من أجل التفعيل الأمثل لهذه الجهوية المتقدمة، دون إغفال مشكل تنازع الاختصاصات أيضا، على اعتبار أنه في القوانين التنظيمية الأربعة الخاصة بالجهوية، وهي القانون التنظيمي المتعلق بمجالس العمالات والأقاليم والقانون التنظيمي المتعلق بمجالس الجهات، والقانون التنظيمي المتعلق بالجماعات الترابية، والقانون التنظيمي المتعلق بكيفية انتخاب أعضاء الجماعات الترابية، وفي هذه القوانين، خصوصا الثلاثة الأولى نجد أن هناك اختصاصات مشتركة واختصاصات منقولة، غير أن الملاحظ أنه يوجد تداخل كبير جدا في هذه الاختصاصات بين عمل الجهة ومجالس العمالات والأقاليم والمجالس المحلية، وهذا الأمر يطرح إشكالا آخر حول حدود المسؤولية والاختصاصات لكل جهة محددة، وهذا هو الدور المنوط بالجهات الرسمية بضرورة متابعة نجاعة نقل الاختصاصات من جهة إلى أخرى كما هو الشأن بالنسبة إلى المديريات وغيرها، غير أنه يوجد مشكل حكامة ترابية يعتري الجهوية المتقدمة وعلى الحكومة مواجهته والتغلب عليه، حتى يتسنى الحديث فعلا عن جهوية متقدمة كما سطر لها دستور 2011، وعندما نتحدث هنا عن الحكامة الترابية فنحن بصدد الحديث عن التدبير العقلاني للموارد المالية والبشرية للإدارة الترابية.

3 – ماذا عن الشق التشريعي والقانوني بهذا الخصوص؟
إن الجهوية المتقدمة في المغرب تواجه غياب تحيين للنصوص القانونية، فعلى سبيل المثال تدبير الكفاءات واستقطابها من خلال الجهة يتوجب تحيين القوانين المتعلقة بتدبير الموارد البشرية في الإدارات العمومية، ومنح الصلاحيات في تدبير هذه الموارد للمصالح الجهوية، وهذا من أجل تجاوز أكبر المشاكل التي تعتري الجهوية المتقدمة، وهو مشكل غياب الأطر على اعتبار أن القطاع الخاص أكثر استقطابا، هذا بالإضافة إلى إعادة تأهيل الكفاءات للنهوض بالجهوية المتقدمة، دون إغفال مشكل النخب السياسية، حتى أنه يمكن الحديث عن أن الأحزاب السياسية تشتغل بمنطق التمركز ولا تشتغل بمنطق اللاتمركز، وهنا وجب وضع الأصبع على الخلل الرئيسي، المتمثل في غياب إرادة حقيقية من أجل النهوض وتفعيل الجهوية المتقدمة، علما أن ورش الجهوية في المغرب قد انطلق منذ السبعينات، ولم يعد هناك من خيار نحو التنمية غير خيار الجهوية المتقدمة، وإن أمكن القول إنه لا وجود لجهوية بدون مخاطر.

النموذج التنموي بين رهانات المرحلة الحكومية وآفاق التفعيل السليم
إن آفاق التفعيل مرتبطة بالعديد من الجوانب القانونية والمؤسساتية حيث لابد أن يتم اعتماد نمط تدبيري بالإدارات مبني على النتائج وتعزيز فعاليتها كإدارات مستقلة للمساطر والإجراءات المتعلقة بالمخططات كيفما كانت واستكمال تفعيل الجهوية التقدمة كورش تنظيمي للسياسات العمومية أيضا تعزيز العمل التشريعي من خلال تحيين بعض المراسيم والقوانين، بالإضافة الى تحفيز الديمقراطية التشاركية بغية الدفع بالمواطنين إلى اقتراح وتتبع المشاريع زيادة على دور البرلمان بغرفتيه كآلية رقابية لتتبع المشروع وتقييم حصيلته وجعل البرلمان يقوم بوظيفته الديبلوماسية خدمة للمشروع، بالإضافة إلى دوره في تقييم السياسات العمومية.
إن كل هذه الآليات لابد أن تتأقلم مع التوجه الذي سطره الملك محمد السادس في خطاب العرش، بغية الخروج بمشروع تنموي فعال وواقعي يستهدف بالأساس الطبقات الاجتماعية الفقيرة التي تعيش العزلة والفقر. وهنا لابد من الإشارة إلى أن النموذج التنموي يجب ان يتعدى منظور الاقتصاد التضامني المحلي وأن يتسع مجاله ليقدم آلية قانونية مستدامة تخدم المواطن والجيل الذي يليه، بمعنى تفادي النماذج التي تركز على تقديم الدعم التنموي دون تقييم للأهداف والمنجزات حيث أنه يتبين حجم المجهودات والموارد التي ضاعت دون تحقيق نقلة تنموية، لاسيما بالمناطق التي تشهد هشاشة تنموية والتي تخلق فوارق اجتماعية تتناقض مع ما وصل اليه المغرب من تطور كبير في مختلف المجالات الدستورية والقانونية والحقوقية والأمنية والترابية وغيرها.
بناء على ما تقدم يمكن القول بأن التنمية الاجتماعية بالمغرب عملية جد معقدة نظرا لما تشكله من نسق فضفاض غير محدود الإطار تتداخل فيه مجموعة من المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية ومختلف القطاعات عام وخاص كما يعرف تعددا في المتدخلين والفاعلين، من أجل ذلك واجهت المخططات التنموية خلال السنوات الأخيرة فشلا متباينا نتيجة أزمات مختلفة وجدت أسبابها في ضعف مردودية المؤسسات سواء على المستوى التقني التدبيري أو على المستوى الإداري والمالي وأيضا عدم تأقلم ومسايرة السياسات الاجتماعية المتبعة من لدن البرلمان مع التحولات التي يعرفها الاقتصاد الوطني سواء الداخلي أو الخارجي .
هنا لابد من الإشارة إلى أن أي اختيار النموذج للتنمية يفترض نهج إيديولوجية محددة كما هو الحال بالنسبة للعديد من الدول النامية التي بعد استقلالها اتجهت نحو خلق ثورة التصنيع كآلية لتحقيق التنمية، أما المغرب فقد تأثر بتوجيهات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وهو ما جعل الدولة تتبنى النظام الرأسمالي بغية تحفيز الاستثمارات الخارجية وضخ سيولات مالية ضرورية للحفاظ على التوازن الخارجي المضطرب.
إن نجاح النموذج التنموي رهين بمدى وعي وإرادة الحكومة في تحقيق نجاح هذا الورش المستدام ولن يتحقق ذلك سوى من خلال وضع آليات للرقابة على تنزيل النموذج التنموي في صيغته الجديدة، وتتبع وتقييم مخرجاته بجميع الاليات التي وضعها الدستور سواء عبر البرلمان بغرفتيه أو من خلال اللجان الوزارية أو المجالس والهيئات الدستورية، كما أن الحكومة يجب ان تتخلص من حالة الارتباك العميق اذي يمس في جوهره تسيير بعض القطاعات الحيوية ولعل خطاب الملك محمد السادس الأخير يمهد لتعديل حكومي واسع نتيجة ضعف حصيلة بعض الوزارات ولا سيما عدد من كتاب الدولة.

السعيد عتيق باحث في القانون الدستوري والعلوم السياسية- محلل سياسي : اللجنة الاستشارية للنموذج التنموي ستعوض «فشل» الأحزاب السياسية في اجتذاب الكفاءات
يعد دور اللجنة الاستشارية للنموذج التنموي التي أوصى الملك محمد السادس بإحداثها دعامة أساسية لانبثاق هذا النموذج، وبالتالي على الحكومة أن تتفاعل مع هذا التوجه بشكل جاد وحازم في اقتراح الكفاءات العالية، من مختلف الأقطاب (الأحزاب السياسية، البرلمان بغرفتيه، الرواد في مجال الشركات والمقاولات، الخبراء والباحثون بالجامعات، الأطر المؤسساتية، الانفتاح على الجالية المغربية..) وذلك من أجل التفكير بشكل تشاركي في الآلية التي من خلالها سيفعل المشروع التنموي تفعيلا يضمن تحقيق الأهداف من خلال إحداث آليات التتبع والتقييم والاستشراف المستمر لكل المحطات.
اللجنة الاستشارية ستمكن من وضع تصور دقيق للمشروع وفق منظور نقدي للواقع بعيدا كل البعد عن النظرة الأحادية للتصور الحكومي، ومنه يستلزم أن تعمل هاته اللجنة بشكل تشاركي وبتنسيق دقيق من خلال إحداث لجان متفرعة من اللجنة العامة، تختص كل لجنة في مجال دقيق ( المجال المؤسساتي والقانوني/ المجال التدبيري والمالي/ الشراكة بين القطاعين العام والخاص/ لجنة التقييم والافتحاص .. وغيرها) وكل هاته اللجان الخاصة تعمل تحت لواء اللجنة العامة، كخليات مترابطة فيما بينها هدفها تنسيق الجهود والتركيز على فحص شامل للأعطال التي واجهت المخططات التنموية وعدم تكرارها.
كما أن اللجنة الاستشارية للنموذج التنموي ستعمل على لم شمل الكفاءات في مختلف الميادين، لاسيما وأن الحكومة وبعض الأحزاب السياسية فشلت فشلا ذريعا في ضمها وإعطائها فرصة الاقتراح والتفكير، وبالتالي ستكون دعامة لتحقيق الابتكار وترسيخ المواطنة، هاته الأخيرة ستكون حاضنة للكفاءات، بحيث إن الحس الوطني سيعزز من تجويد مخرجاتها التي ستساهم في التنمية البشرية المستدامة ومعالجة الفوارق الاجتماعية .
فقد عرف المغرب منذ سنوات طويلة صراع التسابق على المسؤولية، سباق قد يكون في شقه القانوني مشروعا لكن أنتج بشكل غير مباشر وخفي بروز بعض الفئات التي أغلقت الباب عن الأفكار والإبداع الحداثي بالدولة، وبالتالي ساهمت في ركوض المشاريع التنموية. في حين أن نخبا كثيرة نجدها تنتظر فرص العمل الجاد والعمل بشكل تشاركي بعيد عن النرجسية السياسوية التي تطفو على العمل الحكومي. عمل يحتضنه الحس الوطني العالي في تتبع دقيق للرؤية الملكية المتبصرة، والتي نستشف تطورها بشكل كبير وضعت منزلتها في مكانة الملكية المواطنة خدمة لهذا الوطن.
إن تبني النموذج التنموي الجديد الذي جاء في خطاب الملك محمد السادس بمناسبة عيد العرش ودعوته الحكومة لاقتراح كفاءات عالية تساير مرحلة الإصلاح الشامل للدولة، لاسيما وأن الملك حث على إحداث لجنة استشارية تضم كفاءات في مجالات مختلفة بغية تفعيل وصياغة تصور جديد للنهوض بالمجال الاجتماعي، وأن يكون هذا التصور فعالا وقابلا للتحقيق على أرض الواقع هدفه سد الفوارق الاجتماعية والطبقية داخل بنيات المجتمع. وبالتالي يتبين أن الدولة مقبلة على مرحلة جديدة من الإصلاح الشامل الذي سيعجل في إقرار مشاريع تنموية مختلفة ومتطورة.
وبالتالي الحكومة مطالبة بتقديم كفاءات عالية تساير هذا التوجه، ولتيسير هذا التوجه يستلزم الانفتاح على نخب الجامعات المغربية فهي حبلى بالموارد البشرية عالية الخبرة، وتجاوز الاقتراحات من داخل الأحزاب السياسية ولاسيما تكرار نفس الوجوه التي عاصرت حقبة ما قبل دستور 2011. وأن يتم اعتماد كفاءات شابة جديدة مليئة بالحماس والحس الوطني العالي خدمة للوطن سواء داخل الأحزاب أو خارجها، فلا يمكن للعقل أن يتقبل اقتراح بعض المسؤولين اشتعلت رؤوسهم بالشيب لا لشيء سوى أنهم متحكمون في القرارات الداخلية لأحزابهم، وبالتالي فاعتماد كوطة من النخب المثقفة التي لم تجد موطئ قدم داخل هياكل الأحزاب والتي حرصت على المساهمة في تقديم التوصيات العلمية للمؤسسات وكذلك نخب الجالية المقيمة بالخارج والأطر العليا في مختلف المواقع من شأنه أن يلقح اللجان الاستشارية في مختلف المجالات.
لقد حان الوقت من أجل إعطاء فرص أكبر للنخب الجديدة وحملها مشعل الإصلاح، بل أكثر من ذلك خلق قطيعة مع جيل أفرزته سياقات سياسية فكان عبئا على تدبير المشاريع التنموية التي تطرق لها خطاب العرش، والذي أشار فيه الملك إلى أن بعض المسؤولين يعثرون قطار التنمية، وذلك راجع لعدم قدرتهم مسايرة المرحلة الجديدة من الإصلاح والتأقلم مع المتغيرات الحالية التي تعرفها الدولة، هنا لابد أن نشير إلى أن المغرب أصبح يعيش تناقضات كبيرة على مستوى النص والتطبيق، وبذلك نجد بعض القطاعات تسير بسرعتين متناقضتين، سرعة متقدمة على مستوى التخطيط والمناظرات والنصوص القانونية، في حين تقابلها سرعة بطيئة على مستوى التفعيل على أرض الواقع. هذا الإشكال لن يستقيم إلا بتطعيم الحكومة واللجان الاستشارية بنخب شابة تساهم بقدر كبير من الفعالية والنجاعة والاقتصاد في أجرأة المشاريع على أرض الواقع والتسريع في تنمية جميع مناطق جهات المملكة، وبالتالي ردع ومحاربة الفوارق الاجتماعية.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Al akhbar Press sur android
إغلاق
إغلاق