مليكة زكري أرملة المفكر الجابري التي قضت حياتها في رقن كتابات زوجها

مليكة زكري أرملة المفكر الجابري التي قضت حياتها في رقن كتابات زوجها

رافقت مليكة زكري زوجها محمد عابد الجابري في مختلف مراحل مخاض الفكر، وظلت على امتداد أزيد من أربعة عقود حريصة على أن تكون أول قارئ لإبداعات زوجها الذي كان يقضي سحابة يومه بين القرطاس والقلم، فيما كانت مليكة تقوم برقن أعماله على الآلة الكاتبة وهي تسابق الزمن.
حين اعتزل الجابري السياسة سنة 1981، بعد تقديم استقالته من المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي إثر مباحثات مطولة مع زوجته وأبنائه، قرر تكريس حياته للبحث العلمي، فأبدع كتاب «نحن والتراث» ورباعية «تكوين العقل العربي»، و«بنية العقل العربي»، و«العقل السياسي العربي» و«العقل الأخلاقي العربي». في فترة الاعتزال السياسي واظب الرجل على البقاء في مكتبه في البيت، كان مقلا في ظهوره في الساحة الثقافية المغربية، وبعد تقاعده من الجامعة صارت له إطلالات سنوية متباعدة. لكن، وفي غمرة كل هذا، قلة يعرفون أن وراء هذا الرجل المنظم، زوجته مليكة زكري، التي كانت راقنة مخطوطات كتبه والقارئة الأولى له. «أمضت كل عمرها إلى جانبه، ترقن وتعيد وتصحح بصبر كبير وكرم لا يضاهى. فهمت المغامرة الفكرية للجابري، وتلمست متعلقاته وعاشت معه ضياع ويأس الباحث وفرحة الاكتشاف. الزوجة المحبة، التي كانت تطبع أوراقه على الآلة الكاتبة، تستحق الامتنان على صحبتها وصبرها على مغامرة المفكر العربي»، على حد تعبير الكاتب الصحفي حكيم عنكر.
غير أن المثير في علاقة المفكر الفيلسوف بزوجته هو إصراره على أن يخصص لها إهداء في كتابه «مدخل إلى القرآن الكريم»، حيث قال: «إلى العظيمة حقا وصدقا زوجتي التي تكلفت بشؤون البيت لأتفرغ للبحث دون أن ترى في الكتاب منافسا لها».
بالعودة إلى مسار محمد عابد الجابري، يتبين أن الرجل بدأ قارئا جيدا للقرآن الكريم في «المسيد»، وانتهى مفسرا بارعا مفككا للعقل العربي.. فقد درس أولى حروف الضاد في كتّاب على يد زوج أمه بعد أن اختار الارتباط بالفقيه بعد وفاة والد محمد.
محمد من مواليد سنة 1935 بمدينة فكيك التي تلقى بها تعليمه الأولي ثم غادرها إلى الدار البيضاء، حيث حصل على دبلوم الدراسات العليا في الفلسفة عام 1967 ثم دكتوراه الدولة في الفلسفة عام 1970 من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس بالرباط، التي عمل بها أستاذا للفلسفة والفكر العربي والإسلامي.
انخرط محمد عابد الجابري في خلايا العمل الوطني في بداية خمسينيات القرن الماضي، كما كان قياديا بارزا في حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الذي ظل يشغل لفترة طويلة عضوية مكتبه السياسي، قبل أن يعتزل العمل السياسي ليتفرغ لمشاغله الأكاديمية والفكرية.
حرص الجابري على تربية أبنائه والالتفات إلى أفراد أسرته الصغيرة والكبيرة، أبنائه (عصام، منى، لمياء وبدر) وإخوانه وأخواته (عمر، سعيد، أحمد، فارس، مهدي، حورية، خديجة، سعدية، أمينة، زعيمة)..، وإلى كافة أصهاره وأقربائه، بل إنه تحول من متجول بين المدرجات والقاعات والتجمعات إلى رجل يلازم بيته بزنقة «أم فال» بحي بولو بالدار البيضاء. قال عنه زميله المرحوم أحمد السطاتي إنه «كان يرتدي لباس نومه يوم الجمعة مساء ولا يغيره إلا صباح يوم الجمعة الموالي عند ذهابه إلى كلية الآداب بالرباط لإلقاء دروسه».
في أربعينية الراحل التي نظمها الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، نقل عصام الجابري، الابن البكر للفقيد الجابري والناطق باسم العائلة، تفاصيل دقيقة عن وفاة والده: «حينما استيقظ الجابري من نومه في الثانية صباحا من يوم الاثنين، وقرأ «يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية..»، وبعد الشهادة أغمض عينه»، وأضاف قائلا: «لقد رحلت فجأة يا أبي ودون سابق إنذار بعدما ودعناك يوم الأحد، أولادك، أصهارك وأحفادك، بعد نقاش فلسفي في الدين والأخلاق والاشتراكية والليبرالية». أما أرملته مليكة فأوضحت أنه بعد انصراف الأبناء ذهب الجابري إلى النوم. فلاحظت أنه لم يستيقظ باكرا كعادته، لتكتشف أنه فارق الحياة على سريره خلال الليل بسبب سكتة قلبية مفاجئة، وعمره 75 سنة.
في حفل التأبين سمع الحاضرون صوت مليكة لأول مرة، قالت في كلمة معبرة بإلحاح من عبد الرحمن اليوسفي: «سي محمد ملك مشترك بين المغاربة والعرب، لقد كان يجعل من الاهتمام بالقضايا العربية صحنا يوميا على مائدة العائلة، لم يمنع من القيام بواجبه كزوج وأب ويكون حازما عند الحاجة». وعن مسار حياتها مع المفكر عابد، أوضحت مليكة زكري أنها تعلمت في مختبر الجابري الفكري قيمة انبثاق الفكرة في صمت قبل أن تنمو وترى النور، وانتهت في شهادتها إلى أن المفكرين من أمثاله «يهزمون الموت بخلودهم».

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة