ممارسة التدريس(8 /10)

ممارسة التدريس(8 /10)

قياس الفهم
كلّ ممارس له منهجيته و طريقته في الشرح و إيصال الأفكار و المعلومات و المعارف و التقنيات و طرق التحصيل. و تختلف أصنافها حسب نوعية المواد و الشعب و مستوى الفصل الدراسي، لكنّ فعالية هذه الطرق و جدواها و نجاحها لا بدّ له من قياس و من جسّ نبض يمكّن من تعديلها و موازنتها أو الاستمرار فيها أو تغييرها و تجديدها، إنه قياس الفهم.
هناك قياس لحظي يستتبع مباشرةً أيّ شيء جديد يتمّ تقديمه في الحصة و لا يكفي فيه السؤال التقليدي: هل فهمتم ؟ و إنما يكون بشكل مباشر عبر تتبّع وجوه التلاميذ و ما يطفح و يطفو على محيّاهم، و كذلك تشجيع من يكون متردّدا في الاستفهام عن الأمر الغامض و كذلك بطرح أسئلة متعلّقة به توضّح مدى الاستيعاب. كما يمكن طلب إعادة الشرح لما قُدّم من طرف التلاميذ إما شفاهياً أو كتابةً أو على السبورة، لأن ممارستهم الذاتية ترسّخ الفهم و تظهر الأمور التي ظنوا خطأً أنهم تمكّنوا منها و لا تبرز إلا بقياسها بالتنفيذ والممارسة. و في الرياضيات مثلا تكون الأمثلة التطبيقية المباشرة المتتالية أمرا عمليا فعّالا مساعدا.
هناك قياس بعدي يكون في أطوار أخرى في الحصة أو في آخرها أو في حصّة أخرى عبر سؤال استفهامي متعلّق بالموضوع أو داخل تمرين معيّن و ضمن أسئلة أخرى و هنا يمكن تعميق الفهم و التفسير أكثر، و كذا إعطاء جوانب و تطبيقات أخرى و كذا أبعاداً جديدة لنفس المفهوم و حينها تظهر التعثرات التي صادفت بعض المتعلّمين بشكل أكبر، و تساعد في ذلك التمارين و الفروض المنزلية. هناك القياس الرسمي في الفروض المحروسة و هو قياس فيه محكّ فارز قويّ تعكسه النقط المحصلة.
قد يكون الممارس مقتنعا بطريقته في الشرح لكنه لا يقوم بقياسها عبر قياس الفهم، فربما كانت تلك الطريقة مجديةً في سنوات و لم تعد كذلك، أو ربما تصلح لتلاميذ و ليست فعّالة مع آخرين، و ربّما يُلقي ما لديه دون مراعاةٍ لمن يُنصت و من ينتبه و من يتتبّع، فالشرح و الإفهام عملية تواصلية بين طرفين فيها الذهاب و الإياب و ليست كجهاز بثّ و جهاز لاقط في اتجاه واحد.
إن إدراك أهمية قياس الفهم خاصة اللحظي المباشر يؤدي دائما إلى تحسين الجودة و تجديد طرق الشرح بحيث تكون مناسبةً فعّالة في وقتها و زمانها و مكانها كما يبعث الحيوية و الحياة في الحصة الدراسية و في العلاقة بين الأستاذ و التلاميذ.
هناك من يتيح لتلامذته سبل التعبير و التحاور الإيجابي يمكّنه من معرفة أيّ تعثر يصادفهم، و هذا النوع من العلاقة يسهّل قياس الفهم بحيث يظهر عليهم بسهولة جُلّ ما فهموه و جُلّ ما استصعب عليهم، و هنا يكون السؤال التقليدي: ” هل فهمتم ؟ ” له مصداقية و جدوى؛ لكن هناك من يُغلق باب التحاور مع التلاميذ و يكون جو القسم جامدا بحيث ينغلق كل فاهم و كل متعثر على نفسه و تكون المسافة بعيدة بين الممارس و التلاميذ تصعّب عليه القياس المنشود.
إن طرق القياس و أنواعه ليست محصورةً فيما ذكرناه و هي غير جامدة محدودة، بل قد يبتكر الممارس ما يصلح له و ما يناسبه. و إنما الهدف هو إبراز أهمية هذا الجانب و الانتباه لدوره في تنوير مسار الممارسة الناجحة الفعّالة و تبقى لكل مادة خصوصيتها و لكل مستوى و شعبة ما يصلح له.

أخطاء السلوك
من أكثر ما يوجه الممارس طيلة مشواره المهني، و قد تقل حدتها في سنوات و مع مستويات وأصناف معيّنة من التلاميذ و تزداد استفحالا مع أنواع أخرى، مما قد يُحيل ممارسةَ التدريس عذابا لا يُطاق، و قد تكرّس شعورا بالكره للمهنة و كل ما يحيط بها. ولذلك فمن الضروري أن يستبين الممارس و يتوقع أخطاءً في السلوك بأصناف مختلفة و متنوعة و يستبين مهيّجات و دواعي زيادة عددها و كذا النقص منها و كذا طرق التعاطي معها و الوقاية منها و معالجتها بأنجع و أنجح الوسائل.
* هناك أخطاء غير متوقعة تفاجئ حتى صاحبَها و تكون من غير قصد كما قد لا يتوقع أن تصرفه ذاك خطأ سلوكي، و هنا يجب ترجيح جانب العفو و قبول العذر والتعامل بالفضل قبل العدل لما في ذلك من كسب لجانب الاحترام و المودة و معالجة أي ردّ فعل ناجم عن تأثير سلبي خلقه ذلك الخطأ السلوكي في جو القسم.
* هناك خطأ سلوكي في مقياس الممارس لا يعيه التلميذ و لا يعيره اهتماما إما لأسباب متعلقة بالبيئة أو التربية أو مقاييس المقبول و المستحسن و ما يُعاب من تصرفات، و يستحسن هنا الحديث الفردي و التنبيه الفردي بعيدا عن التشهير أو الاستهزاء.
* الخطأ المتعمّد يكون غالبا رد فعل لتصرّف ما أو جسّ نبض لفعالية الممارس في قسمه، أو طبع تعوّده التلميذ في دراسته و نشأ عليه أو في بيئته و ثقافته الاجتماعية. و الخطأ المتعمّد يجب التعامل معه بحزم و حكمة و معالجة فورية حاسمة تقي من تبعاتٍ تؤثر على توازن القسم في باقي الحصص و تحمي باقي التلاميذ من الوقوع في أمثاله، و تحبس من قد يتجرّأ على فعلٍ مُماثل. و إن تأكد الممارس أن هذا الخطأ ناتج عن ردة فعل فعليه البحث عن الأسباب الخفية و محاولة علاجها حسب ما يتيحه له الزمان و الجهد و العلاقة مع التلاميذ.
* هناك أخطاء سلوكية تكون انتفاضةً لأوضاع اجتماعية و مشاكل حياتية يعانيها التلميذ بعيدةً عن القسم و ما يدور فيه و يستحسن هنا الابتعاد عن الضغط و الانفعال و الاستفزاز و الاقتصار على المعالجة الضرورية و التعاطي من بعيد.
* قد يقع خطأ سلوكي ناتج عن تصرف طائش يباغث الممارس في حصته و لا يعرف صاحبه و هنا يجب التبصّر بالطريقة الحكيمة للتصرف فالانجرار للبحث عن الفعلة عبر الضغط المباشر على باقي التلاميذ، أو محاولة عقاب الجميع أو الانجرار إلى السب و الشتم في حق الجميع أمور تُفقد الممارس الهيبة، و تعطي الانطباع على قلّة الحيلة و سوء التدبير و عدم القدرة على التحكم في مجريات الأحداث كما أن إدخال الإدارة بشكل دائم في هذه المشاكل له أضرار كثيرة.
* إن كثيرا من التصرفات التي يقدم عليها الممارس تكون حافزاً لبروز سلوكات مشينة من التلاميذ، كما قد تكون وقايةً من كثير من الأخطاء السلوكية، فشخصية الممارس و طريقة تعامله تلعب كلها أدواراً حاسمة في هذا الباب، و نكرّر هنا ما أسلفنا الحديث عنه من كون جانب العدل أساس من أسس بناء العلاقة الصحيحة المتوازنة.
* قد يجد الممارس نفسه في بيئة عمل تنتشر فيها تصرفات غير مقبولة و أخطاء سلوكية أصبحت أعرافا في تلك المؤسسة أو عند مجموعة معينة، و هنا لا بد له من خلق أسس جديدة للعلاقة و بناء مقاييس جديدة للتعامل و لو بشكل تدريجي، و لو عبر سنوات، بحكمة و تبصّر و رويّة و صبر و عزم و دون استسلام، و لو في محيطه الخاص و مع تلامذة قسمه فقط، و إلا فسيعيش جحيما لا يُطاق و يجد نفسه غارقاً في أوحال يصعب عليه الخلاص منها.
إنّ كل ما ذكرناه هنا و في غيره من المقالات، هو إشارات فقط و إظهار فقط لعناوين
متعلّقة بممارسة التدريس و لا ندّعي الإحاطة بجميع الجوانب و لا إعطاء الوصفات الجاهزة الصالحة لكل وضعية و إنما هي نوافذ نفتحها على مواضيع نميّزها و نظهرها و نبيّن قيمتها و أهميتها و الله الموفق لما فيه الخير.

الشرح
هو معيار كبير لتصنيف المدرّسين من طرف التلاميذ، هو الأداة المفصلية في حرفة و صنعة التدريس، فلغته و منطقه و بيانه و وسائله التعبيرية و طرقه و أنواعه، كلها مما يلزم الممارس التمكن منه و لو عبر مراحل و بتراكم التجارب و تراكم الإخفاقات و النجاحات.
* الشرح الناجح الفعّال ليس بالضرورة بالكلام الكثير أو بالصوت العالي أو بالشّحن التعبيري المركّب، فكلمات بسيطة مباشرة بهدوء و رويّة في جوّ هادئ مساعد على التركيز تكون سهلة الوصول للأفهام و العقول.
* إعادة الجملة الشّارحة و لو لعدة مرّات، وسيلة عملية مجرّبة.
* استخدام أمثلة بسيطة ممثّلة للمفهوم الجديد و تستعمله بوضوح دون أن تتضمّن إشكالات جانبية تعيق المعنى المقصود ( خاصة في الرياضيات )
* استعمال أسئلة استفهامية تمهيدية تجلب الانتباه و تشحذ الذاكرة و تُحضِّرُ للجديد و تُدخل التلاميذ في فضاء المعرفة الجديد.
* الابتعاد عن الحكم المسبق بصعوبة المفهوم أو بلادة المتلقّي أو قصوره عن الإدراك و كذا التعمية عن الأصل و الحقيقة لمداراة الإشكالات فهي أمور قد تنفع لأجل قريب لكن تأثيرها المستقبلي السلبي كبير و كبير.
* شرح عام للجميع و شرح خاص للمستفهم عن الغامض للأمور و هنا يُعاد الشرح حسب نوع السائل فإن كان عن جوانب تفصيلية أو مكمّلات فطريقته خاصة و يمكن أن يكون الجواب له خاص أو عند نهاية الدرس، و إن كان في صميم الموضوع فطريقته خاصة كذلك لأنها ستكرّس الفهم للجميع و تعين عليه.
* الابتعاد عن الخوض في الحالات الخاصة النادرة إلا بعد حصص أخرى يكون فيها المفهوم قد أخذ مكانه الصحيح الراسخ، لأن فعل ذلك في الأول يشتّت الانتباه و يُبعد عن جوهر و لبّ الموضوع
* التأمل في وجوه المتعلمين و محاولة استكشاف المتعثّرين في الطريق (طريق الشرح و المتابعة) و الأخذ بأيديهم و مساعدتهم على متابعة السير إما بشكل مباشر أو غير مباشر و بذلك يتمّ ضمان متابعة أكبر لمكونات أكبر من أفراد القسم.
* محاولة الإلمام بالمكتسبات القبلية و ما نسيه أو لا يجيده التلاميذ من الأمور السابقة التي سيستخدمونها في المفهوم الجديد، فكم من معيقات الفهم يكون مردّها إلى تراكمات سلبية من سنوات فارطة لا ينفع معها شرح إذا لم تتمّ مراجعتها و التذكير بها.
* تقبّل أي نوع من الأسئلة الاستفهامية و الجواب عنها بشكل مباشر فصيح دون إبداء عصبية أو تأفّف أو تهكّم، فعملية التعلم عملية مركبة غريبة معقّدة، فيها أسرار كثيرة، فهناك أمور نعتقدها بسيطة الشرح لا يفهمها البعض إلا بصعوبة و هناك أمور نظن أنها صعبة المنال يتمّ فهمها عند البعض بشكل سريع لافت.
* فصاحة اللسان و أسلوب التعبير و مفردات اللغة المستعملة و التجاوب القريب الناتج عن علاقة إنسانية سليمة، و مصداقية الفعل و القول، كلّها أدوات مساعدة على تيسير الشرح.
* الاستفادة من التجارب السابقة حول المفهوم و لو من زميل في المهنة أو من سنوات سابقة أو من فصل دراسي سابق تنير الطريق حول سبل حكيمة لتناوله و طرق إيصاله.
* التمكّن من الأهداف و القدرات المنتظرة المتوخّاة و مراعاة الفروق بين الشُّعَب و المستويات فهناك عنوان لدرس واحد تتغير معالمه بشكل كبير في المحتوى و التطبيق و طريقة الشرح حسب نوعية التلاميذ و مستوياتهم و شعبهم ( و هذا حاضر بشكل كبير في الرياضيات ).
* الابتعاد عن الجمل الطويلة الرتيبة فقد تؤدّي إلى الملل و تقطّع التركيز و المتابعة.
* تعابير الوجه، و حركات اليدين و الجسد، و التموضع في المكان، و استخدام السبورة، تتطلب كلها عناية من الممارس و تنبها لأهميتها كأدوات مساعدة إن استخدمها جيدة و كأدوات معيقة إن أساء استخدامها.

نبذة عن الكاتب

أستاذ مادة الرياضيات في الثانوي التأهيلي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *