شوف تشوف

من أين جاء كل هذا العنف؟

غطت حوادث العنف والاعتداءات، سواء على المواطنين العاديين أو حملة السلاح من رجال السلطة والأمن، على بقية الأخبار خلال الفترة الأخيرة.
ابن يقتل والدته بساطور ويفر، زوج في السبعين من عمره يذبح زوجته الستينية ويجرح نفسه ثم يضطجع بالقرب منها لتمويه جريمته، أما طعن القياد ورجال السلطة خلال عمليات تحرير الفضاء العام أو الهدم فحدث ولا حرج، فقد أصبحت عمليات إجلاء سكان حي صفيحي تتحول فجأة إلى مواجهات بالحجارة.
والواقع أن هذه الأرقام المخيفة حول المراهقين الجانحين الذين يدخلون السجون في سن مبكرة ويخرجون منها أكثر وحشية ودموية ليست سوى نتيجة مباشرة لإفلاس المنظومة التعليمية والهدر المدرسي والقتل الممنهج للمدرسة العمومية.
لقد أصبح “التشمكير” موقفا واختيارا في الحياة له نجومه في اليوتيوب والفايسبوك، وأصبح “الشمكارة” ينشرون فيديوهاتهم ملوحين بسيوفهم مثلما يصنع أصحاب الرأي، هؤلاء الذين تبدأ تعليقاتهم “النيرة” من الموقف من العمل الحكومي والاحتباس الحراري إلى مشاكل الاحتباس الهضمي، وخطورتهم على المجتمع لا تقل عن خطورة “الشمكارة” لأنهم ينشرون الرعب بقراءتهم المريضة والمشوهة للواقع.
هذا المد الإجرامي المتنامي خطير جدا ويجب حمله على محمل الجد، لأنه قد يصل إلى حد تهديد النظام العام، ونحن لا نريد أن نصل إلى الحد الذي وصلت إليها البرازيل وكولومبيا عندما اضطر الجيش للتدخل لإعادة الأمن إلى المدن، فاليوم يحمل هؤلاء المجرمون السيوف وغدا قد يحملون المسدسات والرشاشات إذا وجدوا من يوفرها لهم.
وبما أننا نفتقر إلى باحثين اجتماعيين يحللون هذه التحولات الخطيرة والمتسارعة التي يعرفها النسيج المجتمعي المغربي فإننا نحاول أن نقوم بهذا الدور من موقعنا الصحفي، لكي نقر أن هناك، إذن، ظاهرة جديدة وعنيفة تجتاح الفضاءات العامة بالمغرب تحتاج إلى وقفة لتحليل أسبابها.
فليست هناك دولة في العالم تضع قبل كل مباراة في كرة القدم مئات حراس الأمن أمام المحلات التجارية تحسبا لخروج الجمهور مثل ثيران هائجة تدمر كل شيء في طريقها. ليس هناك جمهور كرة في العالم يدمن تحطيم حافلات النقل العمومي، التي تستعملها أخواته وأمهاته، بعد كل مباراة سواء ربح فريقه أو خسر المباراة.
هذا العنف والهمجية المجانية تجاه ممتلكات الدولة والمواطنين وأمنهم تحتاج إلى علاج مستعجل وفعال، حتى لا تتحول من عنف مناسباتي إلى عنف بنيوي قائم ومتأصل. فليس عاديا أبدا أن أول يوم تشرع فيه شركة حافلات العمل في العاصمة يتم تحطيم زجاج إحداها، وليس عاديا أن يكون أول يوم يفتتح فيه المسبح الكبير بالرباط مناسبة للقفز فيه بدراجة هوائية وسط الأطفال.
أعتقد أن السلوك العدواني الذي تكشف عنه هذه الطبقة من المراهقين والجانحين ليس سوى تعبير عن الانتقام والكراهية والحقد تجاه الطبقات الاجتماعية الأخرى التي تعيش، بدرجة أقل، ضغط الأزمة الاقتصادية التي تمسك بخناق ثلاثة أرباع الشعب المغربي.
فهؤلاء الأحداث الصاعدون من الأحياء العشوائية التي هندسها سماسرة الانتخابات، وهؤلاء الزاحفون مشيا على الأقدام من مداشر وقرى المدن، يأتون إلى وسط المدينة للتعبير عن وجودهم، عن غضبهم الدفين، ويعطون لأنفسهم الحق في سلب ممتلكات المواطنين وترويعهم بالسيوف معتقدين أن ما يقومون به حق أصيل يدخل ضمن تحقيق عدالة اجتماعية تبدو لهم مجهضة، كأنهم يريدون أن يعلم الجميع بأنهم موجودون أيضا ولديهم صوت ومطالب يريدون إيصالها، حتى ولو كان ذلك بحد السيف.
ولسوء الحظ، فرسائل هؤلاء الشباب الفاقدين لكل بوصلة، والناقمين على البلاد بمواطنيها وبشوارعها ومصابيح نورها وزجاج حافلاتها وقطاراتها وواجهات محلاتها التجارية البراقة المحرومين من ارتيادها، وواجهات بنوكها حيث تودع أموال يسيل لها لعابهم يوميا، تتحول إلى هجوم بدائي على مظاهر هذه الحياة العصرية التي يرون بريقها في إشهارات التلفزيون ويجاورونها في الواقع دون أن يحلموا بامتلاكها ذات يوم.
لذلك فالحل، في نظرهم، هو سرقة وسلب ممتلكات الناس وتدمير المنشآت العمومية انتقاما لطبقتهم المحرومة وانتقاما من الطبقات الأخرى التي تعيش في هذا «النعيم» و«الرخاء» الاجتماعي.
إن هؤلاء الشباب الذين طوروا نزعة تدميرية تجاه أنفسهم، “تشراط اللحم”، وتجاه ممتلكات الدولة والمواطنين، هم في نهاية المطاف نتاج سياسة إدارة محلية فشلت في ضمان حظوظ متساوية لكل المواطنين لتحقيق ذواتهم.
فهناك من جهة المدينة بأحيائها المرتبة والهادئة نسبيا، وهناك الهوامش المظلمة والفقيرة حيث لا لغة تعلو على لغة الخناجر والسيوف والمياه الحارقة، وبين هذين العالمين هناك هوة سحيقة تتسع يوما بعد يوم، ومعها يكبر العداء والحقد والرغبة في الانتقام.
فحذار من استسهال هذا الوضع والاعتقاد بأنه سيزول مع مرور الوقت، لأنه في الواقع لا يزداد إلا استفحالا.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Al akhbar Press sur android
إغلاق
إغلاق