MGPAP_Top

من ابن خلدون إلى الحرب الذرية

كتب ابن خلدون في مقدمته أنه يجب عدم اعتماد الأخبار لمجرد نقلها عن الثقات، بل يجب عرضها ومقارنتها مع (أصول العادة) و(قواعد السياسة) و(طبيعة العمران) إلخ.. ثم قام بستة تطبيقات على ذلك، منها أن جيش موسى في التيه لا يعقل أن يبلغ (600 ألف مقاتل) واعتمد ابن خلدون في ذلك على مشكلة الاتصالات في الجيش في تفنيد الخبر، فكيف يقاتل جيش لا يعرف طرفه ما يحدث في الطرف الآخر؟! وهو محق بالنسبة لعصره، ولو بعث ابن خلدون في أيامنا الحالية لما تعجب من حملة (بارباروسا) التي قادها هتلر ضد الاتحاد السوفييتي بخمسة ملايين جندي، والسبب هو أن مشكلة الاتصالات أمكن حلها والسيطرة عليها.
إن تحقق هذه الإمكانيات قفز بالحرب قفزة (نوعية)، فمع التراكم المعرفي والتقنيات الحديثة، لم تعد الحرب كائناً بسيطاً، بل تحولت إلى كائن خرافي، ولم تعد الحرب (حرباً) بالمعنى الحرفي للكلمة.
يقول صاحب كتاب الحرب العالمية الثالثة الجنرال فيكتور فيرنر: (إننا اليوم أمام ظاهرة جديدة لم يعرفها العالم من قبل؛ ذلك أن حجم التدمير وسرعته اللذين يمكن أن يحدثا لن يغيرا أبعاد الحرب فقط، وإنما سيؤديان إلى تغيير في جوهر الحرب؛ فإذا كان هناك إنسان طوله متران ونصف المتر، ووزنه 200 كلغ فإنه يبقى إنساناً بالرغم من أنه غير عادي، ولكن هل يمكن أن نعتبره كائناً بشرياً إذا بلغ طوله مائتي متر ووزنه عدة أطنان؟؟) (يراجع في هذا كتاب الحرب العالمية الثالثة.. الخوف الكبير – الجنرال فيكتور فيرنر – ترجمة هيثم كيلاني – المؤسسة العربية للدراسات والنشر ص 21).
ثم رأت أعيننا شيئاً لم يخطر على قلب بشر في العالم القديم، فلو قام من قبره الآن داريوس أو الأسكندر الكبير أو نابوليون أو جنكيزخان لفركوا عيونهم من هول الجبروت الذي امتلكه الإنسان المعاصر، ثم سوف يتحول عجبهم إلى ما يشبه الجنون فلا يكادون يصدقون رؤية الظواهر التالية:
الأولى: سقوط أعظم إمبراطورية تملك أعظم سلاح امتلكته قط أي قوة مرت على وجه البسيطة حتى اليوم، فالاتحاد السوفيتي هوى صريعاً لليدين والجنب، وفي قدرته تدمير الكوكب الأرضي أربع مرات؟!
الثانية: صعود قوى لا تملك أي سلاح، بل هي مجردة من السلاح ومشروط عليها أن لا تتسلح مثل اليابان وألمانيا، وهذا يعلمنا أن الصعود لا يحتاج لقوة، فهل يدرك المسلمون هذا الدرس من التاريخ؟! أو هل تفهم الحركات الإسلامية المتلمظة للقوة منطق التاريخ؟!
الثالثة: إن المشكلة التي تواجه مالكي البلوتونيوم والسلاح النووي اليوم هو كيفية التخلص منه وليس تركيبه؟؟ ولم أفهم تماما حرص أوباما على عرقلة مشروع إيران النووي.
إن هذه المرحلة التي عاصرناها شيء عجيب حقاً؛ فقد رأينا ثلاثة أمور كل واحدة أعجب من أختها؛ رأينا توقف ظاهرة الحروب عند من يملك العلم والمعرفة واستمرارها عند المتخلفين، ورأينا اتحاد الأوربيين الذين اقتنعوا بأن الحرب لا تحل المشكلات بل تخلق المشكلات سواء منتصراً أو مهزوماً، ورأينا انتهاء الحرب الساخنة والباردة ووُدعت الأخيرة بجنازة خاشعة في باريس إلى المقبرة عام 1989 م.
فإذا استطعنا هضم الأفكار السابقة في مجمل بانوراما القوة فيمكن طرح الأفكار التالية:
تقول الفكرة الأولى: إن الجنس البشري جرب حظه من الحروب وامتلاك القوة، ووصل ليس فقط إلى نهاية الطريق المسدود، بل مشى كالأعمى يتلمس الطريق في هذا الكهف المظلم، حتى لمس الجدار الصاعق الحارق فاحترقت يداه فهو ما يزال يعالج يديه المحروقتين، وسمع دمدمة الشياطين في جهنم (الفناء النووي) خلف الجدار!!
وهذا أكثر من درس للمغفلين والحمقى الذين يريدون دخول مخاضات عبرها غيرهم، ووصلوا إلى هذه النتيجة من عبثية الحرب وعدم جدوى امتلاك الأسلحة بما فيها خرافة السلاح النووي، ولعل عدم امتلاك العرب لهذا الصنم سوف يوضع في تاريخهم كرواد إنسانيين.
إن الذين وصلوا إلى نهاية الرحلة وأحسوا بعدمية هذا الاتجاه أخذوا يرجعون عنه، ونحن مثلنا كما يقول المثل (يطعمك حجة والناس راجعة !!) فإذا فات موسم الحج أبينا إلا أن نقيم كل يوم موسم حج للعنف والقوة؟!
وهذا يوحي بأن هناك فريقا من الناس خارج التاريخ والجغرافيا، وتشوش عليهم الفرقعات التي تحدث هنا وهناك، بل يمضي بعضهم إلى اعتبار أن الحروب ستبقى إلى قيام الساعة، والعالم المعاصر يحتفل بتدشين إغلاق هذه الدكاكين العتيقة.
إن نفس القوى العظمى التي أدركت هذه الحقيقة تحاول أن تعمي على عيون وعقول الآخرين كي (تزغلل) الرؤية عندهم، وهكذا مازالت أسواق الأسلحة قائمة (بما فيها البلوتونيوم المهرب) وهم يدركون تماماً أنهم يبيعوننا عتاداً ميتاً ولى وقته وانقضى، ويفعلون هذا من أجل المحافظة على امتيازاتهم في العالم، فالعالم اليوم مقسوم إلى شريحتين منها 10 في المائة تأكل خيرات 90 في المائة وشريحة مقلوبة بنفس النسبة أي تشكل 90 في المائة ولكنها تمنح 10 في المائة من خيرات العالم ؟!
وبالطبع فهذا وضع مرضي يجب التخلص منه، وهي مسؤوليتنا بالدرجة الأولى، فسوف نبقى ندفع فواتير (نعال الجمال) حتى نرشد. كذلك فإن الذين يريدون إشعال الحروب يخطئون مرتين وليس مرة واحدة، الأول أنهم انقادوا ودخلوا الحقل الذي لا يسيطرون عليه، بل يسيطر عليه الآخر ويعرف أسراره، فنهاية الحرب لن تكون بأيديهم، بل بيد من يملك تمويلها، فينصر من يرى أن من مصلحته نصره والعكس بالعكس، وهذا تناقض عجيب يعيشه العالم هذه الأيام حيث لا يقاتل من يستطيع، ويقاتل من لا يستطيع ولا يملك مقدرات نهاية الحرب!!
وهكذا فإن من يدخل الحرب يدخل مكان اللعبة التي لا يعرف أسرارها، بل يتحول هو إلى أحد رموز اللعبة، وللخلاص من هذا وجب إما الخروج الكامل من اللعبة أو عدم دخولها ابتداءً .. من كان له أذنان للسمع فليسمع.
يروى أن وصياً كان يعرض على القاصر كل سنة أمواله وفي نهاية الحساب يقول: وقد دفعنا يا بني ثمن كذا وكذا لنعال الجمال، وهكذا مضت السنوات حتى كبر الغلام فقال: ولكن يا عماه ما أراه أن الجمال لا تنتعل الأحذية؟ قال الوصي أردت امتحانك فقد رشدت فهذه أموالك أعيدها إليك.
والفرق بيننا وبين القصة أننا لن نسترد ما دفع ثمناً للأحذية.

نبذة عن الكاتب

كاتب و مفكر

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة