من الثورة إلى الثروة (2/2)

من الثورة إلى الثروة (2/2)

أما «مداويخ» بنكيران فقد اصطفوا للدفاع عن شباط، لمجرد أن من يفضح ثروته اليوم هو رشيد نيني، بعدما كانوا قد رصوا صفوفهم لنهش لحمه عندما طالبه بنكيران بالكشف عن ثروته الخيالية واتهمه بكل التهم الموجودة.
وهذا مضحك فعلا، فعندما تساءل بنكيران عن ثروة شباط هب «المداويخ» لمهاجمة شباط، وعندما أجبت عن سؤال بنكيران بالحجج عوض أن يشكروني ويصطفوا إلى جانبي في هذه المعركة الإعلامية اصطفوا إلى جانب شباط وصاروا يكيلون لي التهم والشتائم.
إن التحقيق الذي طلب وزير الداخلية فتحه مع شباط لا يجب أن ينصب فقط على الاتهامات الخطيرة في حق الدولة المغربية، والتي بثت الرعب في المواطنين، ولكن أيضا على ملفاته القديمة.
وعلى شباط، الذي يفتخر بأنه التحق بشركة سيميف للصناعات الميكانيكية سنة 1975، أن يشرح لنا كيف تم تدمير هذه الشركة الرائدة في ميدان تصنيع الدراجات النارية سنة 1995 بتفويتها لجهات مشبوهة كانت سببا في تحويلها إلى خراب.
ولماذا لم يطلب، وهو برلماني ثم أمين عام حزب سياسي، بإيفاد لجنة تحقيق برلمانية للوقوف على الطريقة المافيوزية التي تم بها تفليس شركة سيميف والالتفاف على حقوق زملائه العمال بها، الذين كان ممثلهم النقابي يا حسرة إلى جانب رفيق دربه الراحل تيتنا العلوي، وكيف وقف متفرجا على إفلاس الشركة الوطنية للدراجات التي كانت الشركة الوحيدة التي حاولت الاستثمار بحسن نية في صفقة سيميف اللعينة، فوجدت نفسها ضحية نصب واحتيال كبرى؟
وكيف تحولت الأراضي التي اقتطعت من الشركة إلى تجزئات عقارية ومنطقة صناعية تضم أكبر الشركات وأغناها، على عهد العمدة شباط، الذي أصبح يجود بواسطة جمعية أوربة لمحاربة الفقر والهشاشة، التي أسسها لزوجته البرلمانية، ببعض المساعدات «الإنسانية» على عمال سيميف خلال شهر رمضان، ويقف إلى جانبها متباهيا لأخذ صور لهما عبر وسائل الإعلام المسخرة لتلميع صورتهما ؟
القصة بدأت عندما قررت حكومة عبد اللطيف الفيلالي على عهد عبد الرحمان السعيدي وزير الخوصصة، تفويت 100% من أسهم شركة سيميف المملوكة للدولة بالدرهم الرمزي لتجمع شركات وللمسمى محمد بلغندورية المدير العام للشركة آنذاك، حينها حصلت تلك الشركات على أسهم «سيميف» بطريقة مخالفة لقانونها الأساسي، حيث منحت شركة ألكسيس الدولية البلجيكية نسبة 30 % من الأسهم، وشركة فيلوموطو التونسية 5 %، وشركة سيكاب طرادينغ نسبة 25%، وشركة المصنع الوطني للدراجات نسبة 25%، في حين تم منح نسبة 10 % لعمال الشركة لضمان سكوت الاتحاد العام للشغالين بالمغرب، الذين وكلوا حميد شباط وتيتنا العلوي لكي ينوبا عنهم في تدبير حصتهم من الأسهم، فأصبح الرجلان بفضل تلك الأسهم قوة تفاوضية ضاربة، لا يشق لها غبار، ويحسب لها ألف حساب، فيما نال بلغندورية بقية الأسهم والمتمثلة في 5 %.
وما هي إلا عشية وضحاها حتى تخلت الشركات الأجنبية ألكسيس الدولية وفيلوموطو التونسية عن حصصهما في الأسهم لمحمد بلغندورية المدير العام للشركة، ليتبين في ما بعد أنهما كانتا مجرد أطراف وهمية في عقد التفويت استقدمهما هذا الأخير وشركاؤه من أجل «تزويق البيع»، وأصبح المدير العام السابق يملك أغلبية الأسهم ولا يحتاج إلا إلى حصص العمال لكي يسيطر على الشركة ويفعل بها ما يريد.
ولسوء حظ الجميع فقد احترقت الطبخة وفاحت رائحتها، ولم يعد بالإمكان التغاضي عنها بسبب بعدها الدولي، خاصة بعد أن أعلنت شركة ألكسيس البلجيكية كونها لم تفوض أي أحد لاقتناء الأسهم باسمها، وتم اكتشاف أن بلغندورية هو من وقع باسم الشركة التونسية، وهو ما صادف صعود حكومة اليوسفي ورغبتها في إبراز «حنة يديها»، فقامت بتكليف الوكيل القضائي للمملكة برفع دعوى فسخ عقد الخوصصة، نظرا للتدليس الذي شاب الصفقة، فقررت المحكمة التجارية بالرباط فسخ عقد التفويت، كما تم التلويح بضرورة محاكمة بلغندورية جنائيا على ما اقترفه من جرائم اقتصادية، غير أن الحكومة اكتفت بوضع مسيرين مؤقتين للشركة، الذين استلذوا بدورهم عسل لاسيميف، واستطابوا العيش في كنف فوضاها الخلاقة، ورفضوا إتمام إجراءات تبليغ الحكم الصادر لفائدة الدولة، ليبقى الحال على ما هو عليه وتزداد أوضاع الشركة تدهورا، ويبقى زملاء شباط وتيتنا العلوي مشردين إلى اليوم، فيما أصبح ممثلهم الفاشل يرفل في النعيم والضيعات، ويتبجح بأن ثروته لا تتعدى 7 ملايير ونصف المليار.
ويبدو أن خيار خنق سيميف وتفليسها كان مطروحا ومخططا له قبل الخوصصة، حين قام مكتب الدراسات «برايس واتر هاوس» في 12 نونبر 1993 بإعداد دراسة بتكليف من حسن العمراني المكلف بمهمة بوزارة التجارة والصناعة والخوصصة لإعداد استراتيجية انسحاب الدولة من الاستثمار في مجموعة من المؤسسات التابعة للدولة، والتي كانت من بينها شركة سيميف، حيث لاحظ المكتب المذكور أنه بالنظر إلى أن سيميف تتوفر على عقارات مخصصة للبيع وللإدارة بالقرب من ميناء الدار البيضاء، ووحدة صناعية ومكاتب على مساحة 27 هكتارا بنواحي فاس، والتي قدرت قيمتها بناء على خبرة منجزة سنة 1993 بـ10.660 مليون درهم كأرض عارية و6.465 مليون درهم كأرض مشتملة على المصنع، وهو المبلغ الخيالي الذي يسيل له لعاب كل مضارب عقاري، خاصة إذا خصص العقار لاستعمالات محددة، كما هو عليه الآن.
ولاحظ مكتب «برايس واتر هاوس» في تقريره أن قيمة العقار كأرض عارية أهم من قيمته الاستغلالية، موضحا أن الأمر يمكن أن يغري المستثمرين الراغبين في اقتناء الشركة من أجل تصفيتها أو تفليسها من أجل تثمين قيمة العقار، موضحين في تقريرهم أن السيد بلغندورية اعترف لهم بأن هذا الخيار وارد غير أنه لا يرغب في اللجوء إليه.
وهكذا يبدو أن إفلاس سيميف لفائدة لوبي العقار كان قد خطط له بليل، وتم جلب شركات دولية للعب دور «الكومبارس» للاستيلاء على الشركة وتسليمها للمدير العام ولشباط وتيتنا العلوي على طابق من ذهب.
والضحية في كل القصة هم عمال سيميف، والسيد محمد بنصالح صاحب الشركة الوطنية للدراجات، الذي وضع كل بيضه في سلة سيميف وفقد كل استثماراته وهو لا يزال يطرق الأبواب من أجل إنصافه إلى اليوم، وهذه القصة يعرفها لحسن الداودي جيدا منذ أن كان برلمانيا على فاس الشمالية، بحكم أنه ساند في زمن الحرب مع غريمه شباط ذلك المستثمر المغبون، وجلب عمال شركة سيميف لنقابة يتيم، قبل أن ينفضوا من حولهم بعدما تبين للجميع أن «البواجدة» لا يستطيعون للمظلومين نفعا ولا ضرا، وأنهم أحوج ما يكونون إلى من يساعدهم ويأخذ بيدهم.
وعلى شباط الذي يفخر بأنه أحرق مدينة فاس في 14 دجنبر 1990 حيث تم الاعتراف رسميا بسقوط 42 قتيلا بها منهم واحد من القوات العمومية، رغم أنه من المؤكد أن العدد كان أكبر، أن يخبرنا كيف يغمض له جفن وخلفه كل هاته الأرواح التي تطارده، والتي غرر بها ليستغل مأساتها في الانتقال من الثورة إلى الثروة.
غير أن ما لا يعرفه العديد من الناس أن شباط حوكم سنة 1995 في محكمة الاستئناف بفاس عن تحريضه على أحداث 1990، رغم أنه انتخب سنة 1992 نائباً لرئيس جماعة زواغة بفاس، و«فهم تسطا»، وأنه أثناء محاكمته التي انتهت ببراءته طبعا، لم يكن الرجل يملك شيئا، مما جعل المحكمة تعين له محاميا للنيابة عنه بالمجان في إطار ما يسمى بالمساعدة القضائية.
ومن طرائف الصدف أن رئيس غرفة الجنايات آنذاك اختار له حينها محاميا يحمل اسم الأستاذ عبد الله البقالي، وربما لهذا السبب يعطف شباط على أجيره عبد الله البقالي الذي يشتغل عنده في جريدة العلم «فك الله أسرها»، فقد يكون الاسم يذكره بأيام الميزيرية، وبالمساعدة التي قدمها له ذلك المحامي في سبيل الله.
فإذا كان شباط قد استفاد من المساعدة القضائية منتصف التسعينات، فذلك دليل رسمي قاطع على كونه كان معوزا حينها، وأنه كان ضعيفا لا يملك قوت يومه، وبأنه كان نكرة غير معروف كمناضل في حزب الاستقلال، إلا إذا كانت محاكمته مخدومة لتلميع صورته وتحضيره للعب أدوار أخرى، وإلا فلماذا لم يعين محاميا لمؤازرته ؟ ولماذا لم يعين له حزب الاستقلال محامين ينوبون عنه ؟ ولماذا أصبح بعد انتفاخ أرصدته البنكية يتفاخر بتنصيب 8 نقباء و22 محاميا من مختلف المدن المغربية، لرفع شكاية «خاوية» ضد بنكيران رئيس الحكومة بسبب اتهامه له بمراكمة الثروة بطرق مشبوهة ؟ ولماذا يحتاج في كل مرة إلى فريق من المحامين من مختلف التخصصات، للنيابة عن أولاده الذين لا يخرجون من قضية إلا ليدخلوا في متاهات قضية جديدة، تتراوح بين الاتجار في المخدرات والاتجار في أصوات الناخبين؟
لذلك يتعين على شباط أن يبدأ معنا احتساب ثروته من الصفر بداية من سنة 1997 على أبعد تقدير، حين انتخب رئيساً لجماعة زواغة الحضرية، ثم نائبا لرئيس المجموعة الحضرية مكلفا بالممتلكات في نفس الفترة، وليس قبلها.
لقد سكن شباط في فاس سنة 1984 في بيت كان يكتريه بـ800 درهم بحي بنديبان، واليوم أصبح هو وعائلته يملكون مال قارون، فمن أين لهم كل هذا؟

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة