MGPAP_Top

من السجن إلى البرلمان أيام زمان

  في زمن التلاعب بالأصوات وصنع الخرائط على قدر الأمر والطلب، رغب زعيم سياسي في التوسط لفائدة أحد مترشحي حزبه للفوز بمقعد نيابي.
في التوقيت أن مبادرته، التي رأى أنها لا تخرج عن المألوف في هكذا حالات، جاءت بضع ساعات قبل الإعلان عن نتائج الاقتراع. إذ تخفق القلوب لأدنى حركة أو إشارة، ومن لم تهتز مشاعره عشقا انفلتت في محبة الكرسي الوثير في البرلمان أو الوزارة على حد سواء. وفي المضمون لم يخرج كلامه عن الإشادة بخصال مترشحه الذي أراد أن يدخل عالم السياسة من بوابة البرلمان، بعد أن كان آخرون يتدرجون في تنظيمات كشفية وشبابية قبل الحظوة بترشيح إلى البلديات ثم التشريعيات.
قال إنه يختلف كثيرا عن منافسه اللدود الذي عرف بمواقف راديكالية لا تلين. وكان يعتقد أن بطاقة المرور إلى البرلمان يمكن أن تمنحها ثقة الناخبين، كما ثقة أصحاب الحال على حد سواء، والشاطر من يجمع بينهما مثل سؤدد الفرس ودين العرب على حد قول الشاعر. ولم يفته التأكيد أن سجل منافس مترشحه ليس ناصع البياض، أو هكذا على الأقل تعمد استغلال الموقف، على طريقة الغاية التي تبرر الوسيلة.
توقع أن يحدث كلامه ارتجاجا على الضفة الأخرى التي كان يتحدث إليها عبر الهاتف، وتصور أن ذلك قد يساعد في استمالة العقل الإلكتروني، صانع المعجزات..، لولا أن الجواب جاءه مغايرا. في البداية قيل له إن وساطته أتت بعد فوات الأوان، لأن القطار كان قد انطلق وهو في طريقه لأن يصل إلى محطته الأخيرة. إذ يستقبله البعض بالزغاريد والهتافات وآخرون بالعويل والصراخ والاحتجاج. وحين لم يقتنع بذلك انفلتت عبر أسلاك الهاتف جملة تقول: «لا أستطيع فعل أي شيء، فقد أدخلنا المترشح المنافس إلى السجن، وحان الوقت كي يدخل إلى قبة البرلمان».
انتهى الكلام. فالتوصيف لا يقلل من كفاءة وجدارة المنافس الذي لم يستجد الولاية التشريعية، من غير استخفاف، والأكيد أنه لم يكن في صورة ما يدور في اللحظات العصيبة. ففي السباقات الانتخابية يرتكز الرهان على الفارس والفرس معا، كونهما يلتحمان ويتصاهران إلى أن يصبحا جسدا واحدا. وقد يفطن الفرس إلى جهل راكبه بتقاليد وأخلاقيات الفروسية السياسية، فيركض بسرعة جنونية، بعد أن يكون أردى راكبه على الأرض.
من بديهيات الكون أن الناس متساوون في تركيبة الخلايا والمنبهات، غير أن حوافز العقل تصنع التميز الذي يعزز قدرات الإحساس لدى البعض ويخمدها لدى البعض الآخر. والسياسة، كما الألوان والحركات والخطوط ونقاط الضوء، تجذب أناسا وتوقع بآخرين. لا علينا من المجردات، فقد علقت الصورة لدى الزعيم الحزبي. إذ تربط بين السجن والبرلمان، على رغم فوارق الأمكنة والأحاسيس والأفعال. وإنه لأمر مثير فعلا أن يحدث هذا الانجذاب، إما السجن وإما البرلمان لأن كليهما محفوف بتحملات وتبعات..، أين منها تحملات دفاتر العقود والالتزامات؟
لا تجيز القوانين وتقاليد الأعراف الديمقراطية اعتقال أو متابعة نائب، لكونه أبدى رأيا معارضا أو موقفا مخالفا لما تعتقد السلطة الحكومية بصوابه. وفي قصة المترشح المنافس أنه أخذ «نصيبه» من حرمان الحرية، في فترة لم تكن المؤسسات التمثيلية تشتغل، غير أن نائبا عن دائرة في دمنات أو بني ملال يدعى حسن إكرام، اختار اضطرارا حياة المنفى، لأنه جاهر بانتقاد لاذع لأم الوزارات. ومع أنه لم يفعل غير نقل التعبير الذي يدور في نفوس كثيرة، فإن عقابه كان أقرب إلى درس لآخرين بأن يكمموا أفواههم، وألا يفتحوها إلا أمام أطباء الأسنان.
وقتها كان الدفع بالإخوة الأشقاء والأصهار والمحسوبين على الشخصيات المتنفذة إلى البرلمان، لا يثير كثير استغراب، وإن شكل يقينا صادما حول غياب النزاهة والشفافية التي لا تنسحب على أفراد العائلة الواحدة. ثم أتى زمن أصبح فيه الأبناء والأحفاد والأزواج يقتسمون كعكة الولاية، مثل الميراث الذي يشمل الممتلكات العينية والمنقولة، على قاعدة الشرع، للذكر حق الأنثيين. ومع الاعتذار عن هذا الإقحام الذي اقتضته مستحبات التشبيه، لا أقل ولا أكثر، فالتوريث أصبح مشاعا في السياسة كما في خلاصات جني الأعمار، أكانت جدا ومثابرة أو نقيضها في الاغتناء غير المشروع.
صارت مقاعد البرلمان والجماعات وباقي المكونات المحلية، مسجلة بدورها ضمن أرصدة الميراث الذي يقضي توزيعا بالقسطاس. ومن لم يكن له غير الإرث السياسي فجزاؤه أنه ترك بعضا منه لمن سيخلفه. ولا غرابة فالمثل الشعبي يقول: «حرفة بوك لَيغلبوك». ومادامت السياسة أضحت حرفة، مثل الدباغة والنجارة والصياغة والحياكة وسروج الخيول والنقش على الجبس، لها أمناء حرفها الذين يفصلون في منازعات الجودة وضوابط الاستهلاك، فما المانع إذن من أن يرثها الأبناء والأحفاد، خصوصا وأن ضريبة تقييد الحريات لم تعد بنفس معايير الزجر والقمع.
سمع المغاربة مرة من يقول لهم إن كل شيء مستباح في السياسة إلا التوريث. تردد صدى الكلمات داخل قبة البرلمان الذي كان يتركب من غرفة واحدة فقط، يؤثثها الثلث «الناجي» عبر الاقتراع غير المباشر. من يتذكر الحكاية لاشك تستوقفه أحداث ومعالم، ليس أقلها أن صراع الأفكار ساعد في ازدهار الوعي وسلامة الاختيار. يوم كان بمقدور فريق صغير أن يهزم «جيشا كبيرا» إن لم يكن بالضربة القاضية، فمن خلال الفضح والتعرية.

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة