من يخاف المعارضة ؟

من يخاف المعارضة ؟

بعد قضائه لخمس سنوات في قيادة الحكومة المنتهية ولايتها، أصبح حزب العدالة والتنمية يخشى العودة إلى المعارضة، لأن قيادييه ذاقوا كراسي الوزارات والدواوين وأصبحوا يملكون الفيلات والسيارات الفارهة، ولتبرير تشبثهم بكرسي رئاسة الحكومة رغم فشل الأمين العام في تشكيل أغلبية حكومية قبل إعفائه من طرف الملك، يقولون إن المغاربة صوتوا لهم، لكن في حقيقة الأمر المغاربة لم يصوتوا لهم، ومن صوت لهم مليون و600 ألف ناخب، فيما الأحزاب الأخرى صوت لها 5 ملايين ناخب، إذن الذين صوتوا لصالح الحزب يشكلون نسبة قليلة بالمقارنة مع عدد المغاربة.
وإذا قبلنا بمنطق أن الناس صوتوا لحزب العدالة والتنمية لكي يكون في الحكومة وليس في المعارضة فلماذا أدخل بنكيران حزب التقدم والاشتراكية في الحكومة السابقة وأعطاه خمس حقائب رغم أنه احتل المرتبة الثامنة بحصوله في الانتخابات على 12 مقعدا برلمانيا وستة عن طريق اللائحة الوطنية، وبذلك يكون الناس قد صوتوا عليه لكي يكون في المعارضة ؟
لقد أيقن إخوان بنكيران أنهم لن يستمروا إلا وهم على كراسي الوزارات والمجالس الجهوية والجماعية، لأنهم إذا اختاروا المعارضة لا يثقون في الطريقة التي سوف يتعامل بها معهم النظام، بسبب عدم الثقة، وبالتالي يريدون السلطة لحماية أنفسهم لأنهم يخشون أن يصبح ظهرهم عاريا عندما ستأتي الضربات.
وحتى لو خرج إخوان بنكيران إلى المعارضة، من سيعارضون ؟ سيعارضون القصر حسب ما يروجون، ولذلك يريدون البقاء في الحكم، وادعاء معارضة القصر في حالة الذهاب إلى المعارضة ليس سوى رسالة تحذيرية للقصر، بمعنى إذا تم دفعنا للمعارضة ستكون معارضتنا للقصر وليس للحكومة.
والحقيقة أن العدالة والتنمية يخشى المعارضة لأنه لن يجد ما يعارض به، فكل المطالب والقضايا التي سوف يركب عليها سبق له أن فعل عكسها طيلة الخمس سنوات التي قضاها في الحكومة، أي أن رصيده من «المعارضة الحنجرية» قد نفد.
فكل القضايا التي كان نواب العدالة والتنمية يركبون أعلى أحصنتهم عليها في البرلمان خذلوها وتنكروا لها خلال توليهم للمسؤولية.
كانوا يعارضون استضافة الصهاينة والتغطية على مشاريع الاختراق الصهيوني بالمغرب، لكن عندما وصل الحزب إلى قيادة الحكومة، فتح أبواب مؤتمره الوطني في وجه «عوفير برانشتاين»، وهو الشخص نفسه الذي احتج عليه الحزب لما حضر إلى مؤتمر «أماديوس» بطنجة، كما أن نواب حزب العدالة والتنمية صوتوا ضد مقترح تعديل تقدمت به فرق المعارضة على مدونة الجمارك، يقضي بتجريم التبادل التجاري مع الكيان الإسرائيلي، وتكلف إدريس الأزمي الإدريسي، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، والقيادي بحزب العدالة والتنمية، بإشهار «فيتو» الحكومة لإسقاط التعديل، وكذلك «تجميد» مقترح قانون يقضي بتجريم التطبيع مع إسرائيل دون مناقشته داخل لجنة العدل والتشريع بمجلس النواب، كما تزايد حجم التبادل التجاري مع إسرائيل في عهد حكومة بنكيران، بنسبة 216 في المائة، وبلغت قيمة الصادرات المغربية نحو إسرائيل في عهد هذه الحكومة ما قيمته 42 مليون درهم، في الوقت الذي لم يتجاوز مجموع التبادل التجاري بين المغرب وإسرائيل 20 مليون درهم خلال سنة 2006.
وعندما كان حزب العدالة والتنمية في المعارضة، كان يقيم الدنيا ضجيجا مع اقتراب موعد تنظيم مهرجان موازين الذي تحتضنه مدينة الرباط سنويا، وكان ذلك فرصة لكي يخرج صقور الحزب ليعلنوا عن مواقفهم الرافضة للفن «المائع»، لكن بعدما ذاق قادة الحزب «حلاوة» كراسي الحكومة، وتقلد الحزب حقيبة وزارة الاتصال، أصبح لهذه المهرجانات جمهورها الذي يحترم الحزب ذوقه، كما بلع صقور الحزب ألسنتهم صمتا على كل المظاهر التي كانوا يعارضونها في السابق، وأصبحت حكومة العدالة والتنمية بقدرة قادر لا تمس بالحريات الفردية، ولا تدخل في صراع مع المخمورين ولا مع النساء المتبرجات، ومراجعة موقف الحزب من تجريم العلاقات الجنسية خارج الزواج في إطار ما يسمى بالعلاقات الرضائية.
كان الحزب يعارض إشاعة الخمور بين الناس، من خلال ارتفاع مداخيل الرسوم المفروضة عليها، وكان ضد بيع الخمور للمسلمين ويطالب بتطبيق القانون في هذا الشأن، كما شن صقور الحزب هجوما على الحكومات السابقة للمطالبة بوقف الترخيص لمحلات الخمور، وأحيانا الله حتى شاهدنا كيف أصبحوا بعد وصولهم إلى الحكومة، يراهنون على الضرائب المستخلصة من مداخيل الخمور لسد ثقوب الميزانية، حيث توقعت الحكومة في مشروع قانون المالية لسنة 2017، أن تجني مداخيل مهمة من الضرائب المفروضة على بيع الخمور والسجائر، وكذلك مداخيل ألعاب القمار والرهان، فدرت الخمور والكحول بمختلف أنواعها بالإضافة إلى الجعة ما يقارب 125 مليار سنتيم لميزانية حكومة بنكيران.
أما القمار الذي خاضوا ضده المعارك الكلامية عندما كانوا في المعارضة فقد جنوا منه عندما صاروا في الحكومة 7 ملايير سنتيم، دون الحديث عن حساب آخر يحمل اسم حساب خاص بالاقتطاعات من ألعاب الرهان المتبادل وصلت مداخيله إلى 9 ملايير سنتيم.
ماذا سيعارضون إذا ذهبوا للمعارضة ؟
كانوا يعارضون الحكومات السابقة بسبب أزمة التشغيل وارتفاع نسبة البطالة، لكن بعد مرور الخمس سنوات الأخيرة، في عهد حكومة بنكيران ارتفع معدل البطالة من 8,9% سنة 2011 إلى 9,7% سنة 2015، كما فقد الاقتصاد الوطني 26 ألف منصب شغل سنويا، مقابل إحداث 74 ألف منصب تتسم في غالبيتها بطابعها غير المنظم والهش، وخاصة تلك المحدثة بقطاع «البناء والأشغال العمومية» وقطاع «الخدمات».
كانوا يعارضون ارتفاع المديونية العمومية، وانتقدوا فشل الحكومات السابقة في تخفيض حجم الديون، لكن مؤسسات مالية دولية ووطنية كشفت عن أرقام صادمة ودقت ناقوس الخطر بخصوص ارتفاع حجم المديونية الخارجية في عهد حكومة بنكيران، بعدما تجاوزت الديون كل الخطوط الحمراء المسموح بها، وبلغت قيمة هذه الديون 807 مليار درهم خلال السنة الماضية، أي ما يمثل 81,3 بالمائة من الناتج الداخلي الخام.
وفي الواقع ساهم حزب العدالة والتنمية في إغراق البلاد في الديون ووضعها رهينة لدى المؤسسات المالية العالمية، فعند تشكيل النسخة الأولى من الحكومة، كانت المديونية لا تتجاوز نسبة 51 في المائة من الناتج الداخلي الخام، كما أن جميع الحكومات السابقة لم تتجاوز نسبة 60 في المائة التي يحددها البرلمان سنويا في قانون المالية، لكن في عهد حكومة بنكيران فقد عرفت المديونية ارتفاعا حيث انتقلت من 743 مليار درهم سنة 2014 إلى 807 مليار درهم سنة 2015 أي بقيمة تجاوزت 64 مليار درهم، وتمثل 81,3 بالمائة من الناتج الداخلي الخام.
كانوا ينتقدون الزيادة في أسعار المواد الاستهلاكية، ولاحظنا كيف أصبح بنكيران خلال الخمس سنوات التي قضاها في الحكومة بطلا في «رفع الأسعار»، والكل يتذكر أن أول قرار اتخذه قبل تسخين مكانه فوق كرسي رئاسة الحكومة، هو الزيادة في أسعار المحروقات وما ترتب عنها من زيادات صاروخية لأسعار باقي المواد الأساسية، كما وعد المواطنين في برنامجه الانتخابي، بمواجهة الأزمة الاقتصادية، من خلال الرفع من معدل النمو إلى 7 في المائة، وتقليص عجز الميزانية إلى 3 في المائة، وبعد انتهاء الولاية الحكومية، انقلبت الأرقام، ولم تتجاوز نسبة النمو معدل 2 في المائة، في حين بقي عجز الميزانية مرتفعا.
وكان الحزب يعارض ما يسميه تفشي الفساد واقتصاد الريع، وركب على صهوة شعار «محاربة الفساد والاستبداد»، قبل أن يعوضه بشعار «عفا الله عما سلف»، لكن مع نهاية الولاية الحكومية، رفع بنكيران الراية البيضاء معلنا استسلامه وانهزامه أمام الفساد، بحيث تراجع ترتيب المغرب بنقطتين في سلم مؤشرات إدراك الرشوة والفساد خلال سنة 2016، حيث احتل المرتبة 90 من ضمن 176 دولة بنقطة 37 على 100، بعدما كان يحتل المرتبة 88 خلال سنة 2015، دون أن ننسى تورط وزراء وقياديين بالحزب في قضايا تتعلق بالحكامة والتصرف في المال العام مباشرة بعد تحملهم المسؤولية الحكومية أو تسيير المجالس الجهوية والجماعية، عن طريق التلاعب في الصفقات وتفويتها إلى شركات في ملكية قياديين في الحزب وذراعه الدعوية وتبذير المال العام وتعيين المقربين في المناصب العليا.
لذلك فخوف العدالة والتنمية من الذهاب إلى المعارضة ليس هو التوجس من اصطدامهم مع الملك واضطرارهم لمعارضته كما يروجون، بل إن السبب الحقيقي لتخوفهم من النزول إلى المعارضة هو اقتناعهم بأنهم سيقعون في تناقضات كبيرة وهم يطالبون الأغلبية الحكومية بإنجاز أشياء عجزوا هم عن القيام بها لما كانت السلطة بين أيديهم.
لقد تصرف حزب العدالة والتنمية بعد دخوله للحكومة كمن قطع واد المعارضة إلى الأبد وثبت أقدامه عميقا في أرض الأغلبية الحكومية، ولذلك أحرق مراكب العودة إلى ضفة المعارضة باتخاذ قرارات لا شعبية تصب جميعها في مصلحة الشركات الكبرى والبنوك ومؤسسات التأمينات على حساب مصالح الطبقات المتوسطة والمسحوقة.
هذا هو السبب الحقيقي لخوف العدالة والتنمية من العودة إلى المعارضة، أما تلويحهم بمعارضة الملك فليس سوى مناورة الهدف منها التخويف ليس إلا.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة