الرئيسيةالملف التاريخيتاريخ

من يكون الدكتور الخطيب حقا؟ 

الأخبار تكشف أرشيف الدكتور الخطيب الذي يريد «البيجيدي» طمسه

يونس جنوحي
«مع نهاية السبعينات وبداية الثمانينات انفتح الدكتور الخطيب على الحركات الإسلامية في العالم، لكن تأخر الاتصالات وغيرها من الحيثيات التي طوقت العملية، أولها قربه الكبير من القصر والاعتراض على إشراك الإسلاميين في العمل السياسي، أجل كثيرا ذلك الارتباط. لتأتي سنة 1996، والدكتور الخطيب في آخر محطات حياته السياسية، ويتم الإعلان عن فتح حزبه أمام انخراط الوجوه التي أسس معها لاحقا حزب العدالة والتنمية، أولهم عبد الإله بنكيران وسعد الدين العثماني والراحل عبد الله باها. وتجدر الإشارة إلى أن عبد الإله بنكيران غاب عن الجمع العام لتأسيس مؤسسة الدكتور الخطيب، وهو ما طرح تساؤلات كثيرة بخصوص رمزية الرجل بالنسبة إلى أعضاء الحزب، وسر اختزال مؤسسته واحتكارها من طرف قيادات العدالة والتنمية. فهل ستزيد مؤسسة الخطيب الذي جمع الإسلاميين واحتواهم سابقا، في تشتيت قيادات الحزب بعد تجربة المناصب والمسؤولية؟».

دكتور منفتح «احتكره» الإسلاميون أم «شيخ» أدخلهم السياسة؟
كان منزل الدكتور الخطيب مزارا دائما لعدد من الشخصيات طيلة سنوات قربه من الملك الراحل الحسن الثاني، وهو الذي لم يفارقه إلى آخر أيام حياته. وفي إحدى الزيارات التي قام بها بعض المقربين السابقين من إدريس البصري وهو في عز قوته على رأس وزارتي الإعلام والداخلية، في نهاية ثمانينات وبداية تسعينات القرن الماضي، صرح أحد عمال وزارة الداخلية للدكتور الخطيب محذرا إياه من «أصحاب اللحى»، وأخبره أن إدريس البصري كان لا يطيق سيرتهم ويضرب الطاولة كلما ذُكر الإسلاميون أمامه. لكن الدكتور الخطيب كان يعلم أن مسألة دخول الإسلاميين إلى الساحة السياسية مسألة وقت، ليس إلا، تفوق بكثير حجم إدريس البصري رغم هيمنته على جل دواليب الدولة.
وكان رد الدكتور الخطيب وقتها أنه وخلال حملة انتخابية بداية التسعينات، أذيعت مداخلته في التلفزيون كاملة، على عكس مداخلات زعماء سياسيين آخرين خضعوا للرقابة. وعندما ثار إدريس البصري وأراد معاقبة بعض العاملين في التلفزيون على عدم «قصّهم» لمداخلة الدكتور الخطيب، علم أن الأمر كان يفوق سلطتهم، وأن تعليمات من القصر الملكي أعطيت لهم لكي يحترموا مداخلة الدكتور الخطيب وألا يطولها أي تعديل.
علاقات الدكتور الخطيب القديمة بفرقاء سياسيين كانوا مقربين من دائرة القرار أو ممن نشؤوا في ظل المخزن، توحي بأن الرجل كان «ليبراليا» منفتحا. لكن تأمل واقع علاقته بالإسلاميين الذين حاولوا الآن تصويره كشيخ مؤسس لحزب بمرجعية إسلامية، سرعان ما حاولوا التبرؤ منها خلال الاستحقاقات الأخيرة قبل ثلاث سنوات، يجعلنا نتساءل حقيقة عن هذا «التحريف» الذي طال رصيد الرجل وتجربته.
في سنة 1996 يقول محمد الخالدي، الأمين العام لحزب النهضة والفضيلة، الذي كان مقربا من الدكتور الخطيب بصفته الحزبية داخل حزب الحركة الشعبية الدستورية الديموقراطية: «انضمت الحركة الإسلامية إلينا في الحزب بشكل رسمي سنة 1996، وكنت رفقة المرحوم بنعبد الله الوكوتي يترأسنا الدكتور الخطيب، لينضم إلينا عبد الإله بنكيران والمرحوم عبد الله باها، حيث دخلنا كلنا في مفاوضات الاندماج. وجرى هذا اللقاء في منزل الوكوتي بالحي الإداري بالرباط. وكان عبد الإله بنكيران يبذل مجهودا كبيرا لإقناع الكثيرين من إخوانه بفكرة الاندماج مع الحركة الشعبية الدستورية الديموقراطية، لتستمر هذه اللقاءات التشاورية إلى حين انعقاد المؤتمر الاستثنائي الذي نتج عنه انضمامهم إلينا في الحزب رسميا».
تأسيس مؤسسة الدكتور الخطيب للفكر والدراسات اليوم، يفترض أن تكون «إطارا» احتفاليا بذكرى الرجل وليس منعطفا لتبادل اتهامات داخلية بين أبناء الحزب من جهة، ومع آخرين كانوا إلى جانب الدكتور الخطيب عندما تبنى الإسلاميين، تم إقصاؤهم من المشاركة في المؤسسة. إذا كان عبد الإله بنكيران غائبا عن إطلاق المؤسسة رسميا، وقياديون صرحوا بعدم موافقتهم على الطريقة التي تم بها تدبير توزيع مناصب المسؤولية داخل مؤسسة الخطيب، فماذا تبقى للخصوم السياسيين وغير المنتمين إلى الحزب؟

لماذا سيطر العثماني على «مؤسسة» الخطيب؟
لم يكد الإعلان عن إطلاق «مؤسسة الدكتور الخطيب للفكر والدراسات»، حتى انهالت الانتقادات من كل جانب تتهم بشكل مباشر سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة، بممارسة نوع من الاحتكار لاسم الدكتور الخطيب الذي يعرفه قدماء المقاومة وجيش التحرير، بالإضافة إلى شخصيات سامية وأخرى سياسية شاركته العمل السياسي والحزبي قبل ستين سنة.
لماذا لم يتم الإعلان عن ميلاد مؤسسة الدكتور الخطيب في وقت سابق؟ خصوصا أن سنوات طويلة مضت على تقادم ذكرى الرجل، الذي أدخل إسلاميي العدالة والتنمية إلى الساحة السياسية.
هل كان الدكتور الخطيب إسلاميا؟ الرد على هذا السؤال سيُترك لا محالة للذين عرفوا الرجل عن قرب واطلعوا على مواقفه، التي كان لا يتردد في الإعلان عنها في جلساته الخاصة وحتى في مواقفه الشخصية، التي لم تكن تزعج الملك الراحل الحسن الثاني.
الواضح أن الدكتور الخطيب اهتم كثيرا بالحركات الإسلامية حول العالم وليس في المغرب فقط، ابتداء من ثمانينات القرن الماضي وفتح باب الحوار مع الإسلاميين في وقت كانت فيه الدولة تستبعد إقامة أي تواصل سياسي مستقبلي معهم، ودافع عن ضرورة إشراكهم في العمل السياسي.
عندما بدأ الدكتور الخطيب أنشطته منذ سنة 1940 من خلال الكشفية الحسنية التي شارك في تأسيسها وهو بالكاد في بداية العشرينات من عمره، فإنه كان يضع في الحقيقة بداية لمحطات أخرى كثيرة بدأ أغلبها بعد بداية مزاولته لمهنة الطب، التي رحل من أجلها إلى خارج المغرب وتعرف أكثر على أصول والده الجزائرية، حيث كان يقيم في الحدود المغربية الجزائرية، إلى أن تصاهر مع أسرة الكباص التي كان أفرادها ممثلين للسلطان وموظفين في القصور الملكية، ليكون الدكتور الخطيب ثمرة تلك الزيجة بين أسرة جزائرية وأخرى «مخزنية».
حاول الدكتور عبد الكريم أن يبني لنفسه مسارا حافلا في الطب، لكنه «تورط» مع السياسة عندما بدأ أول اتصالاته مع قادة المقاومة مع الجيل الأول لمؤسسيها، خصوصا المقاوم الزرقطوني والحسين برادة وبعض أفراد الخلايا السرية وعبد السلام بناني وإبراهيم الروداني وآخرين لا يتسع المجال لذكرهم.
كان الخطيب محافظا، لكنه كان مقبلا على الحياة العصرية، وارتأى مبكرا أن يكون من الجيل الجديد في بداية الخمسينات الذين كانوا يعرفون الثقافة الفرنسية جيدا.
اشتغال الخطيب في العمل السري مع المقاومة، سيما على مستوى البحث عن تمويل للعمليات والتمويه بخصوص المطلوبين للبوليس الفرنسي، حوّله من طبيب ممارس إلى رجل كثير الترحال.
وبعد الاستقلال سيتعزز حضوره في الساحة ليس في العمل السياسي فقط من خلال الحركة الشعبية، وإنما أيضا من خلال مرافقته لولي العهد الأمير مولاي الحسن، أثناء عملية جمع سلاح المقاومة وإدماج جيش التحرير في الجيش الملكي.
خاض بعدها الدكتور الخطيب الكثير من المحطات، أهمها دستور 1962 وأيضا الانتخابات البرلمانية والجماعية، وصولا إلى أحداث السبعينات والجمود السياسي الذي خلفته حالة الاستثناء، التي أعلن عنها الملك الراحل الحسن الثاني سنة 1965. عاش الدكتور الخطيب مع الملك الحسن الثاني «غضباته» السياسية عن قرب. بالإضافة إلى دعمه للحركات التحررية في إفريقيا، حيث تعرف مبكرا على الرئيس السابق لجنوب إفريقيا «نيلسون مانديلا» الأيقونة العالمية، عندما كان مُضطهدا في بلاده ونسق معه الدكتور الخطيب لكي يستفيد من الدعم في الكفاح من أجل حرية مواطني بلاده.
مع نهاية السبعينات وبداية الثمانينات انفتح الدكتور الخطيب على الحركات الإسلامية في العالم، لكن تأخر الاتصالات وغيرها من الحيثيات التي طوقت العملية، أولها قربه الكبير من القصر والاعتراض على إشراك الإسلاميين في العمل السياسي، أجل كثيرا ذلك الارتباط. لتأتي سنة 1996، والدكتور الخطيب في آخر محطات حياته السياسية، ويتم الإعلان عن فتح حزبه أمام انخراط الوجوه التي أسس معها لاحقا حزب العدالة والتنمية، أولهم عبد الإله بنكيران وسعد الدين العثماني والراحل عبد الله باها. وتجدر الإشارة إلى أن عبد الإله بنكيران غاب عن الجمع العام لتأسيس مؤسسة الدكتور الخطيب، وهو ما طرح تساؤلات كثيرة بخصوص رمزية الرجل بالنسبة إلى أعضاء الحزب، وسر اختزال مؤسسته واحتكارها من طرف قيادات العدالة والتنمية. فهل ستزيد مؤسسة الخطيب الذي جمع الإسلاميين واحتواهم سابقا، في تشتيت قيادات الحزب بعد تجربة المناصب والمسؤولية؟

الأمين العام لحزب النهضة والفضيلة للأخبار :
الخالدي : اسم الدكتور الخطيب تحول إلى أصل تجاري والعثماني أقصى رفاق الراحل
في البداية كيف بدأ هذا الصراع حول «مؤسسة» الدكتور الخطيب؟
تلقيت رفقة آخرين طبعا، دعوة لحضور حفل افتتاح ما سمي «مؤسسة عبد الكريم الخطيب للدراسات»، كان هذا يوم 14 شتنبر الجاري. وقد كنت مترددا في الحضور بسبب سياق هذه الدعوة، والتي يمكن أن أصفها بـ«الإعلان المفاجئ».
لماذا حضرت إذن؟
حضرت وفاء للدكتور الخطيب ولتاريخنا المشترك معه، الذي استمر لما يزيد عن خمسين سنة. وتشجيعا لأي مبادرة من شأنها استذكار الأدوار الكبرى التي أداها الزعيم الراحل، واستحضارا للقيم والمبادئ التي عاش رحمه الله من أجلها ومات هو يدافع عنها.
كان اسم الدكتور الخطيب مثار نقاش في الصحافة أخيرا، خصوصا مع إصدار بعض رموز الحركة الوطنية القدامى لمذكراتهم، والتي تطرقوا فيها إلى جيش التحرير وتسليم سلاح المقاومة. لماذا لم تتأسس المؤسسة حينها؟
هذا السؤال يجب أن يطرح على قياديي العدالة والتنمية، الذين «استولوا» على هذه المؤسسة. ويحز في نفسي أن أؤكد لك أن الحملات المغرضة التي تعرض لها اسم الدكتور الخطيب، خلال الأربع سنوات الأخيرة، لم ينبر لها أي أحد من داخل العدالة والتنمية ولم يدافع عن ذكراه سوى أصدقاؤه القدامى، وأستحضر هنا اسم الحاج الحسين برادة، أحد قدماء المقاومة الذي كرس وقتا طويلا للكتابة دفاعا عن ذكرى الدكتور الخطيب. وهذا الجيل عاش مع الخطيب سنوات المقاومة والكفاح المسلح ضد الاستعمار، وها نحن نرى كيف أنهم غُيبوا من هذه المؤسسة.
أفهم من كلامك أنكم تعارضون المؤسسة؟
لقد صُدمنا كما صُدم غيرنا طبعا من طريقة هيمنة رئيس الحكومة، سعد الدين العثماني، ومقربين منه على رئاسة المؤسسة، وكيف أنهم اعتبروا الدكتور الخطيب ملكا لهم وحدهم. أريد أن أؤكد هنا أننا نتمنى لهم التوفيق بعيدا عن أي مزايدات من شأنها أن تُسيء إلى اسم الدكتور الخطيب، كما عرفناه ورافقناه لسنوات واشتغلنا إلى جانبه، لكن لا يفوتنا أن نؤكد على أسفنا من طريقة تدبير هذه الهيمنة على المؤسسة من طرف الحزب، وكأن الدكتور الخطيب مِلك لهم وحدهم.
هل كان الدكتور الخطيب يريد أن تكون هناك مؤسسة باسمه ويشرف عليها أعضاء وقياديو حزب العدالة والتنمية؟
مستحيل. الدكتور الخطيب لم يكن يريد نهائيا أن تكون هناك مؤسسة باسمه، وقد حاولنا معه في ثمانينات القرن الماضي، أي عندما اشتغلنا معه في الحركة الشعبية الدستورية الديموقراطية، وكان يرفض دائما أن يكون هناك إشعاع لاسمه. كان يفضل رحمه الله أن يشتغل في صمت ويترك بصمته.
على ماذا بنيت هذا الاستنتاج؟
لقد حاولت رفقة أصدقاء آخرين في سنوات الثمانينات أن نُقنع الدكتور الخطيب بتأليف ما يشبه مذكرات يحكي فيها عن مراحل مختلفة من حياته، ثم يتطرق إلى أفكاره ومواقفه ورؤيته للأمور، وكان في البداية يعارض الفكرة ويبتعد عنها. لكن مع إلحاحنا وافق على أن نشتغل على الكتاب، وكان يتم تخصيص حصة قصيرة بشكل شبه يومي لكي يدون أفكار ذلك الكتاب.
ما أحاول هنا قوله إن الدكتور الخطيب لم يخطط لأن تكون هناك مؤسسة باسمه، أو ليروج لاسمه أو حتى أن يحيطه بهالة.
طيب.. هل يمكن أن نقول إن الدكتور الخطيب كان إسلاميا؟
نعم هذا صحيح. الدكتور الخطيب كان مهتما كثيرا بالفكر الإسلامي، بل ومؤمنا بالقضية الفلسطينية ومتعاطفا مع المفكرين الإسلاميين في ذلك الوقت، لكنه في الوقت نفسه كان متنورا. لم يكن يقبل الفكر الإسلامي المتشدد أو المتطرف، كان يدعو إلى الاعتدال والحوار بين الفرقاء. وفي الوقت ذاته كان حاملا لهمّ صحوة إسلامية ومشغولا بالفكر الإسلامي. وأريد هنا أن أذكر أنه كان مهتما بقضايا المسلمين في أفغانستان، وكان يدعو إلى مبادرات للتآزر معهم أيام الحرب، خلال فترة الاتحاد السوفياتي. لقد كان الدكتور الخطيب حاملا لمشروع فكري إسلامي متنور وداعما له، وكان يقبل فتح باب الحوار مع الجميع. لذلك أعود وأقول لك، نعم الدكتور الخطيب كان إسلاميا.
لنعد إلى موضوع تأسيس مؤسسة الدكتور الخطيب، لماذا في نظرك انتهت بهذه الطريقة التي عارضها الكثيرون من داخل حزب العدالة والتنمية وخارجه أيضا؟
لكي نكون واضحين، كانت هناك مساع حثيثة لإخراج هذه المؤسسة إلى الوجود. بدأنا بالفعل سلسلة من الاجتماعات قبل سنوات، توجت بصياغة ورقة إطار للمؤسسة. وتحديد سقف عقد الجمع العام التأسيسي بعد مشاورات موسعة بطبيعة الحال مع لفيف من الشخصيات، التي تنتمي إلى مختلف التوجهات الاجتماعية والتيارات السياسية بما فيها حزب العدالة والتنمية، الذي تبنى اليوم منفردا مبادرة إنشاء مؤسسة الدكتور الخطيب. ولقد راسلنا الديوان الملكي وقتها احتراما للبروتوكول المعمول به في هذا الإطار، وآثرنا التريث ريثما يمكن الإعلان عن انعقاد الجمع التأسيسي، إلا أن فوجئنا بما وقع.
لكن لماذا الإعلان عن المؤسسة الآن، وليس في ذلك الوقت؟ لماذا تأخرت؟
الإجابة عن هذا السؤال تقوي مخاوف أن تكون للمؤسسة أغراض أخرى غير تكريم اسم الدكتور الخطيب، خصوصا أن هناك أصواتا كثيرة، من داخل حزب العدالة والتنمية وخارجه، تستنكر الطريقة التي تمت بها الأمور.
هل يمكن أن نقول إن اسم الدكتور الخطيب أصبح «أصلا تجاريا»؟
يصعب الاعتراف بالأمر، لكن في الحقيقة هذا هو الواضح من خلال كل ما وقع. هناك إساءة لذكرى قامة بحجم الدكتور الخطيب، الذي كان يحيط به فرقاء من مختلف التمثيليات. هناك شخصيات من جيله لديها مؤسسات تحمل أسماءها، لكن مؤسسة الدكتور الخطيب تأخرت كثيرا وبشكل غير مفهوم إلى أن رأينا هذا الإسراع نحو تأسيسها، مع الإبقاء عليها داخل دائرة حزب العدالة والتنمية. وحتى طريقة تفويت كراسي المؤسسة إلى أسماء بعينها دون أخرى تطرح هذا السؤال. هناك متاجرة بتاريخ الدكتور الخطيب تظهر جلية في هذا الصراع، ويؤسفنا حقا أن تكون الأمور قد وصلت إلى هذا الحد. أريد التأكيد على أننا، داخل حزب النهضة والفضيلة وأيضا من خلال أصدقاء الدكتور الخطيب ومحبيه ومرافقيه القدامى نتمنى التوفيق لهذه المؤسسة، لكن يجب أن نسجل أسفنا على ما وقع.
ليس لدي أي مشكل شخصي لا مع السيد سعد الدين العثماني ولا مع أي شخص آخر، لكن لا يمكن تقبل إقصاء شخصيات وطنية كبيرة، بعضهم ضحوا بالمال والنفس وعاشوا مع الدكتور الخطيب خلال الخمسينات أحداثا مهمة، ومع ذلك لم يستدعهم أحد ولم يُمثلوا داخل مؤسسة الخطيب ولم يساهموا فيها. حتى أن جل قيادات حزب العدالة والتنمية غابت عن الحفل كما عاينتُ ذلك، وهذا الأمر يؤكد هذا الإقصاء.
لقد قدموا في العدالة والتنمية نموذج الديموقراطية التي يؤمنون بها، وهي ديموقراطية الوصفات الجاهزة التي لا يناقش فيها أحد شخصية رئيس المؤسسة التي تعنى أساسا بالفكر والدراسات، وتم فرضه على الحاضرين.
هؤلاء ألغوا رصيد الدكتور الخطيب المقاوم وهو يقود جيش التحرير، والمساهم في حركات تحرير المغرب العربي وتحرير الجزائر، ولم يعرفوا الدكتور الخطيب الذي وهب نفسه لدعم نضالات الشعوب الإفريقية من أجل التحرر. ولم يعرفوا الخطيب الذي ناضل لصالح القضية الفلسطينية والبوسنة والهرسك ومسلمي الأندلس، وأفغانستان.. إلخ. اختصروا الدكتور الخطيب في تأسيس حزب العدالة والتنمية فقط، علما أن هذه الخطوة ساهم فيها أشخاص آخرون ابتعدوا إلى الظل منذ سنوات. أعود لأختم، رغم صعوبة الأمر، لكن للأسف اسم الدكتور الخطيب في هذه الحالة أصبح أصلا تجاريا لمن يسعون إلى أمور أخرى من وراء تأسيس هذه المؤسسة والسيطرة عليها.
لماذا لم يتحدث آخرون عن هذا الإقصاء؟
لقد حضر قدماء المقاومة وأصدقاء الدكتور الخطيب إلى الجمع العام، لكن لا أحد منحهم الكلمة نهائيا. كان ممكنا أن يتم التعبير عن هذا الأمر بشكل صريح، لو أن الكلمة مُنحت لأصدقاء الدكتور الخطيب، الذين تعود صداقتهم معه إلى ما يزيد عن 60 سنة من التاريخ والمحطات، لكن تم إقصاؤهم تماما ولم تُمنح لهم الكلمة في الجمع العام. لقد مورست وصاية كبيرة على تاريخ المغرب في هذا الجمع العام، الذي تحول إلى اجتماع لحزب العدالة والتنمية فقط، وذكرى الدكتور الخطيب أكبر من هذا كله.

الخطيب وجمع سلاح جيش التحرير.. صديق الملك أم مفتاح للمفاوضات؟
خلال سنة 1956، كان الدكتور الخطيب يظهر في الصور الكبيرة التي تُلتقط لولي العهد الأمير مولاي الحسن بزي عسكري وهو يتجول في مناطق نفوذ جيش التحرير بالشمال كما في الجنوب. جولات في كل مناطق البلاد، تفقد خلالها ولي العهد حالة أعضاء وقيادات جيش التحرير وأشرف على عملية إدماج أفرادها في الجيش الملكي الذي تأسس رسميا بعد الاستقلال، كما أشرف على عملية جمع سلاح المقاومة.
كان الدكتور الخطيب في قلب العاصفة، وشهد كيف أن ولي العهد وقتها كان قد تسلم من والده الملك الراحل محمد الخامس مفاتيح تدبير ملف جمع سلاح المقاومة بعد الاستقلال والخلافات التي وقعت في ذلك السياق، والتي لا تزال إلى اليوم محط كثير من التساؤلات.
في فترة نهاية الخمسينات، أصبح الدكتور الخطيب إحدى أكثر الشخصيات المغربية قربا من المحيط الملكي، ليس كطبيب يراقب بين الفينة والأخرى الحالة الصحية للملك الراحل محمد الخامس كلما غاب طبيبه الفرنسي الخاص، وإنما أيضا كأحد العارفين بملفات المقاومة، حيث كان هذا الملف إلى حدود سنة 1964 أحد أكثر الملفات أهمية فوق مكتب الملك.
لم يكن يخفى أيضا أن والد الدكتور الخطيب كان جزائري الأصل وربط علاقات مهنية مع القصر الملكي، وهكذا نشأ الدكتور الخطيب وسط أسرة مقربة من دواليب الدولة، حيث إن استقرار والد الخطيب بالمغرب يعود إلى سنة 1905، إذ تصاهر مع عائلة الكباص التي كانت مقربة جدا من دار المخزن، حتى أن مريم الكباص، والدة الخطيب، كانت محط تقدير خاص من الملك الحسن الثاني وكان مواظبا على زيارتها في آخر أيامها.
كان منزل الدكتور الخطيب يعرف زيارات متكررة من طرف الملك الحسن الثاني للاطمئنان على والدته، رغم اختلافات أجواء العمل السياسي في المغرب وصراع الأحزاب. إذ إن العلاقة بين الرجلين كانت تعود إلى ما قبل حصول المغرب على الاستقلال.

تقارير من الأرشيف الفرنسي اتهمت الدكتور الخطيب بجمع المال للمقاومة
ما بين سنتي 1953 و1955، كان الدكتور الخطيب تحت مجهر الأجهزة السرية الفرنسية بالمغرب، خصوصا عندما اختفى تماما عن الأنظار ولم يعد يتردد على عيادته الطبية، التي كان يقدم فيها الإسعافات للمصابين في الاشتباكات بين الخلايا السرية للمقاومة والبوليس الفرنسي.
خلال سنة 1954، كان اسم الدكتور الخطيب رائجا بقوة وسط أعضاء الخلايا السرية، عندما نجح في إجراء عملية جراحية لأحد المقاومين وهرّبه إلى مدينة الجديدة، التي كانت له فيها معارف كثر بحكم ارتباطه بها. تلك العملية الجراحية التي أخفت أحد الجروح في ندبة المقاوم الذي اختلف بعض قدماء المقاومة حول هويته، وما إن كان هو «الداحوس» أم شخصا آخر، كانت خدمة كبيرة أسداها الطبيب الخطيب لأصدقاء ورفاق المقاوم الزرقطوني بالدار البيضاء.
لقد كان موضوع انتقال الخطيب إلى مصر للقاء علال الفاسي الذي كان يقيم فيها خلال فترة نفي الملك الراحل محمد الخامس، أحد العوامل التي ضاعفت من مراقبة تحركاته، خصوصا أنه كان أيضا يلتقي مع عبد الكبير الفاسي الذي كان مقيما في إسبانيا، بهدف جمع المال للمقاومة وتمويل عدد من المحطات، التي ساهمت في الضغط على فرنسا لعودة الملك الراحل محمد الخامس إلى البلاد.
كان الدكتور الخطيب في تلك السنوات قد وضع سماعته وحقيبة عدّته جانبا، لكي يتفرغ للانتقالات ونقل الرسائل بين مختلف ممثلي وممولي المقاومة ما بين سنتي 1953 و1955، وهو ما جعله عرضة لأن يلقى عليه القبض في أية لحظة.
هذا التنسيق بين القيادات خارج المغرب، تكلل بإدخال الباخرة الشهيرة «دينا» إلى السواحل المغربية في الشمال، لكي تسلم السلاح الذي بعثته مصر لتمويل المقاومة المسلحة في المغرب، خلال فترة نفي الملك الراحل محمد الخامس.
تضاربت الروايات التاريخية بين مختلف مكونات المقاومة، ومنهم من نفى أن يكون الدكتور الخطيب حاضرا في الشاطئ، خلال عملية إنزال السلاح من الباخرة، بعد أن تم وضع كمية منه في السواحل الجزائرية لتمويل الحركة التحررية هناك. لكن الإجماع كان حول الدور الكبير الذي لعبه الطبيب في التنسيق ونقل الرسائل، بين مصر وإسبانيا والمغرب، حيث كانت مختلف قيادات المقاومة. إذ إن أبرز أسماء المقاومة والكفاح المسلح والتنظيمات السرية، انتقلوا سرا إلى الإقامة في مدن الشمال، حيث كان النفوذ الإسباني، مخافة السقوط في قبضة الأمن الفرنسي بالدار البيضاء.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Al akhbar Press sur android
إغلاق
إغلاق