CAM ONLINE_Top
CAM – Campagne Mobile-Top
CAM ONLINE_Top
CAM – Campagne Mobile-Top

مواقف طريفة وسط أنقاض زلزال أكادير المدمر

مواقف طريفة وسط أنقاض زلزال أكادير المدمر

في أقل من 15 ثانية، تحولت مدينة أكادير إلى شبه مقبرة جماعية. قبل الزلزال المدمر الذي هز المدينة ليلة 29 فبراير 1960، عرفت حاضرة سوس هزات استباقية كانت بمثابة إنذار طبيعي لما سيحدث. صنف علماء الزلازل فاجعة أكادير ضمن أعنف الهزات التي ضربت العالم خلال القرن العشرين، وشبهتها بزلزال تركيا والأصنام بالجزائر. دفنت تحت أنقاض حي إحشاش وفونتي وتالبورجت والقصبة مئات الجثث رحل أصحابها إلى دار البقاء ومعهم أسرار الفاجعة. وككل كارثة طبيعية هناك ضحايا ومنتفعون، مفقودون داستهم الجرافات التي سوت الأحياء المنكوبة، وأحياء نجوا من الفاجعة لكن بخدوش نفسية أو حركية، وآخرون يذكرون آخر لحظات الدمار. «الأخبار» تعيد صياغة مخلفات الزلزال من زاوية مخالفة، وترصد الجوانب الطريفة في واقعة لا مكان فيها للطرافة.
أبناء أكادير الذين عاشوا تفاصيل الزلزال المدمر، وموفدو الصحف والمجلات المغربية والأجنبية، يروون حكايات تجعلك تطلق من حيث لا تدري زفرات القلق من الأعماق، بل ينتابك عند سماعها زلزال نفسي رهيب لا يقاس بسلم «ريشتر».
لكن في ظل كل فاجعة ترقد مواقف طريفة، يذكرها الشاهدون على الزلزال بكثير من الزهو بعدما غطت طبقات سميكة ذاكرة النكبة.

دور سينما تعرض «كودزيلا» ليلة الزلزال
يجمع كثير من الناجين من فاجعة زلزال أكادير، أن فيلم «كودزيلا» كان صانع الحدث خلال شهر رمضان الذي تزامن مع الزلزال الذي ضرب مدينة أكادير، إذ عرف الفيلم إقبالا كبيرا من طرف السكان وكانت سينما مرحبا تعرضه وسط حضور غير مسبوق، سواء في فترة ما بعد الزوال أو فترة المساء.
حين لفظت السينما جمهورها كان الجميع يحاول التخلص من مشاهد الدمار التي ميزت الفيلم الذي يروي حكاية كائن حيواني عملاق يحطم شوارع المدينة ويعبث بمعالمها ويلقي بالسكان في مشهد يجسد رعبا حقيقيا لجمهور كان يتابع اللقطات المثيرة في صمت رهيب. قبيل منتصف الليل أفرغت السينما ما كان في أحشائها من أناس كانوا يضبطون ساعاتهم على موعد السحور، ومنهم من ظل شبح «كودزيلا» يطارده وهو يسرع الخطو نحو مسكنه. وحسب الروايات المستقاة من أكثر من شاهد على الفاجعة، فإن بعض المتفرجين لم يصدقوا الدمار الذي ضرب المدينة، بل كانوا يعتقدون أن الأمر يتعلق بمشهد من فيلم «كودزيلا» المرعب، ومنهم من لم يصدق أن ما يحصل هو واقع وليس حبكة سينمائية وخدعة فنية.
ظن أحمد الورداني، أحد شهود الفاجعة، أن «كودزيلا» يطارده إلى الخارج وظل يؤمن بأن الكائن الغريب خرج من السينما ليتعقبه إلى بيته بعد أن سخر منه في السينما وظل يقول لمرافقيه إنها الخدعة السينمائية، «لقد بلغ بي الخوف حد التوسل لـ»كودزيلا»، والوعد بعدم السخرية منه».

«البورديل» الذي تحول إلى مركز إيواء للمنكوبين
يذكر السوسيون القدامى حكاية بناية كبيرة غير بعيد عن تالبورجت، شيدها المستعمر الفرنسي في مدينة أكادير وأطلق عليها اسم «دار التسامح»، وهي عبارة عن «بورديل» يختلف في شكله عن «بورديل» الدار البيضاء «بوسبير» في شكله الهندسي، لكنه يخضع في تدبيره لنفس النمط البيضاوي، حيث يهدف إلى تقديم خدمات جنسية تراعي شروط النظافة والجودة.
في كتابه «أكاديرالجنة المسروقة» يتحدث اليهودي جاك بن سيمو الذي استوطن أكادير وانتقل بعدها إلى مونتريال الكندية، عن تردده هو وكثير من اليهود والمسيحيين والمسلمين على الماخور، وكيف كانت إدارته تعين يهوديا يدعى «أرموند»، ليقدم دروسا في التربية الجنسية للأطفال الذين يخصص لهم يوم لممارسة الجنس وفق تعليمات هذا المعلم. وقال الباحث الزاكي باحسين إن دروس أرموند لا تختلف كثيرا عن دروس صاحب الروض العاطر، مضيفا بـ «أن طفلا يهوديا في العاشرة من عمره كان بإمكانه مضاجعة مسلمة مكتملة البلوغ»، في ما يضيف بن سيمون أن السلطات الفرنسية وضعت رقما للطوارئ خاصا بالماخور كان كثير من الأطفال يتداولونه للسخرية من المومسات.
خلافا لما تردد، فإن البناية لم تسقط أثناء الزلزال الذي ضرب المدينة، بل ظلت صامدة، وقيل إن بعض المسلمين كانوا يجالسون مومسات وحين فوجئوا بقوة الزلزال ركضوا وهم شبه عراة، إلا أن الوقائع التاريخية تؤكد أن السلطات حولت المبنى إلى مقر للاجئين بعد أن أكد صموده وتم على الفور إجلاء المومسات بعيدا عن المدينة ومنهن من تقمصت دور المرأة الثكلى وكان الزلزال دافعا لتغيير مسارها.
وبعد إعادة إعمار المدينة قررت السلطات مسح الماخور من خريطة المدينة، إذ اعتبر سبة في وجه سوس العالمة.

مرضى تحت التخدير وعمليات تحت ضوء الضمادات
حسب الروايات التي أرخت لزلزال أكادير، فإن مستشفى ليوطي الذي تحول إلى مستشفى الحسن الثاني بعد الاستقلال، قد عاش أحداثا مثيرة خلال تلك الأمسية المحزنة، تقول تيريز بلاندو التي كانت تشغل حينها وظيفة ممرضة رئيسية بالمستشفى في شهادتها المدونة في كتاب روجي لو توليك، عن تفاصيل أيام نكبة أكادير وتتحدث عن عملها المسائي في ليلة الزلزال المدمر، وتؤكد بأن الفوضى عمت المكان وأن كثيرا من المرضى قد توفوا بسبب انقطاع التيار والارتجاج الذي ضرب المستشفى خاصة أولئك الذين كانوا يعيشون وضعا صحيا محرجا، لكنها تعود لتتحدث عن طبيب فرنسي أصر على استكمال إجراء عملية جراحية لطفل مغربي رغم انقطاع التيار الكهربائي، إذ دعا الممرضون إلى إشعال ضمادات ومساعدته على توفير ضوء خافت لاستكمال مهمته الإنسانية، وما أن أتم العملية حتى سقط جزء من البناية دون أن يقتل المريض ومسعفيه، تضيف بأن أطرف ما عاشه المستشفى هو حالة مرضى كانوا تحت التخدير الطبي وحين استفاقوا تبين أنهم كانوا خارج التغطية وأن ما يحكى لهم عن هول الفاجعة مجرد قصص خيالية.
تروي تيريز أيضا حالة التسيب التي ميزت المدينة التي لم تكن تتوفر على وسائل الإسعاف الضرورية، خاصة أثناء عملية دفن الموتى وما اعتراها من مداهمات لمساكن مهجورة، بل إن السرقة لم تميز بين الميت والمريض، حيث كان النهب عنوانا لمرحلة دامية من تاريخ المدينة.

مدير شركة النقل يحول حافلاته إلى أسطول إسعاف
هناك شهادة صادمة لروني سيمون، الذي كان يشغل مهمة مدير لشركة الحافلات العمومية، كتبها موفد مجلة «يوم فرنسا» (عدد مارس 1960)، والتي اختار لها كعنوان «15 ثانية تكفي للموت»، حيث قال: «لقد كانت لهذا الرجل الفرنسي مهمة مدير شركة النقل العمومي بأكادير، وشاءت الصدف أن يكون في مكتبه بالمؤسسة خلال مداهمة الزلزال المدمر، لقد تحدث الرجل عن الدافع الإنساني الذي جعله يركب حافلة فور وقوع الضربة ويتوجه إلى دوار إحشاش بعد أن حول بقية الحافلات إلى «حافلات إسعاف»، لقد كشف هذا المسؤول عن سائقين استغلوا الفرصة لنقل أهاليهم دون بقية السكان المتضررين، أو البحث عن أمتعة ثمينة وسط الدمار، وعن ممرضين استثمروا الوضع للتنقيب في جيوب كائنات بين الحياة والموت».
ما إن علم المدير بخبر الزلزال، وكان يقطن مسكنا إداريا في مقر الشركة»، حتى فتح أبواب الحافلات الموجودة في المرآب، والتي كانت تنتظر الصيانة، وحولها إلى بيوت للاجئين الهاربين من الزلزال المدمر، بل إنه حول منزله إلى مطبخ لطهي وجبات للقاطنين في المرآب، في موقف إنساني قل نظيره.

زلزال أكادير.. رب ضارة نافعة لنص بلاصة
شاءت الأقدار أن يؤسس عمر مقاولته الصغيرة، ويقتني عتادا بسيطا وشاحنة ويقرر الاشتغال في بعض المشاريع الصغرى، التي يفوضها له أصحاب المقاولات الكبرى، رضي بقسمة ونصيب الزمن، ودخل تدريجيا عالما آخر، خاصة وأنه ودع العمل الجانبي بوداع المستعمر الفرنسي للمغرب، حينها آمن أن الفرصة قد لاحت ليساهم في بناء وطن خارج للتو من نفق الاستعمار.
من الصعب جدا أن يجد رجل أعمال عصامي موقع قدم في عالم المال والأعمال، في ظل وضعية سياسية واقتصادية تتميز بالغموض، إذ أن خزينة البلاد لم تكن قادرة على تحقيق الاستقلال المنشود، مما جعل العمل مع «المخزن» مخاطرة غير محمودة العواقب.
في شهر رمضان من سنة 1960 استيقظ المغرب على خبر الدمار، بعد أن داهم زلزال عنيف مدينة أكادير بلغت قوته 6.7 على سلم ريشتر، حولها في ظرف ثوان قليلة إلى مدينة منكوبة، كان عمر يقف بين حشود المواطنين وهو ينصت بإمعان لخطاب الملك الراحل محمد الخامس أثناء زيارته لأكادير بعد أربعة أيام وتفقد أحوالها، بينما كانت شاحناته وجرافاته منخرطة في مسح ذيول الدمار وإزاحة أكوام التراب والإسمنت.

أيتام المغرب في ضيافة «تيتو»
في «ذاكرة مدينة أكادير في القرن العشرين»، يروي أحد الناجين من الزلزال المدمر والذي فقد والديه، عن التآزر العالمي فيقول: «تلقينا كأيتام مدينة أكادير دعوة من يوغوسلافيا للقيام بزيارة لهذا البلد الفاتن، لم نكن وحدنا الأيتام بل انضم إلينا يافعون من مدينة إنزكان أغلبهم لا يعانون من اليتم، كانت المبادرة من جمعية لمسلمي هذا البلد الذين أرادوا التخفيف من معاناتنا كيتامى أولا وضحايا الزلزال ثانيا، لهذا استدعونا لقضاء عطلة الصيف في يوغوسلافيا التي كانت تحت قيادة الماريشال تيتو».
من المفارقات الغريبة أن هذا البلد سيعيش محنة لا تقل فظاعة عن فاجعة زلزال أكادير، حيث حصل الانفصال بعد سنوات من الحروب الأهلية التي جعلت البلد يملك أعلى نسبة أيتام في أوربا، بسبب الإبادة الجماعية للمسلمين.

لالة يامنة الصامدة أمام قوة الزلزال
يمر الزائرون لأكادير «أوفلا» مرور الكرام على ضريح «لالة يامنة نتغنيمين»، فوضعية الضريح لا تستهوي السياح الذين يكتفون بالتقاط صور سيدات يتمسحن بقبر يستدل عليه بكتابة على جدرانه بخط ركيك، تكشف ضعف الاهتمام بمزار سيدة كانت تصنف في خانة الوليات الصالحات قبل أن يدمر زلزال أكادير المدينة ويطمس معالمها وقبور أوليائها فلم يتبق بالقلعة إلا ضريح لالة يامنة وجارها في «الولاية والصلاح» سيدي بوجمعة أكناو الذي يعتبر مزارا للطائفة الكناوية، وكان إلى جوارهما ضريح آخر يرقد فيه ولي يهودي لأزيد من 300 سنة، لكن الطائفة اليهودية قررت نقله بعد الزلزال إلى مقبرة إحشاش إكراما له فأقيمت على قبره قبة من الرخام، وأصبح قبلة لليهود المغاربة الذين يحتفلون به سنويا.
وإذا كان ضريح الولي اليهودي قد حظي بعناية الطائفة اليهودية، فإن الإهمال يضرب ضريح لالة يامنة رغم محاولة بعض المريدين إنقاذه من الضياع ببناء سور يحمي الضريح المكون من غرف فسيحة لكنها مهملة، والترويج لبركتها التي جعلت الضريح ينجو من الخراب الذي ضرب أكادير «أوفلا» في الوقت الذي أصيب الحي بالدمار التام.
مهما أصرت بعض الكتابات والروايات على أن القبور المهملة لقصبة «أوفلا» قد تعرضت للطمس بعد الزلزال الذي ضرب أكادير سنة 1960، إلا أن تاريخ الولية ونسبها يضفي عليها صفة الولية.

أزمة سياسية بين المغرب وفرنسا بسبب خاتم
في كتاب «ذاكرة أكادير في القرن العشرين» يتحدث مؤلفوه الحسن الرسافي وإعزا جافري وعبد الله كيكر، عن النهب الذي عرفته الفاجعة، وقدموا شهادات صادمة رواها مغاربة وأفراد من الجاليات الأوربية التي كانت تقيم في المدينة، أجمعوا من خلالها على تنامي ظاهرة السرقة في ظل انفلات أمني رهيب، قبل أن يتعزز جند المغرب بضباط فرنسيين وضعوا رقم هاتف مجاني رهن إشارة المتضررين، وهي العملية التي أشرفت عليها البحرية الفرنسية.
ركز اللصوص «جهودهم» على فندق السعادة، بعد أن أيقنوا بأن هذه المعلمة السياحية أصبحت اسما على غير مسمى، فوسط أكوام الدمار وأنين الراقدين تحت الحطام، كانت أيادي آثمة تعبث بممتلكات الأجانب، وترصد كل ما خف وزنه وغلا ثمنه، لأن الفضاء كان يجسد القول المأثور «رب ضارة نافعة».
يروي روجي لو توليك في كتابه «ذاكرة أكادير 1960» حكايات سرقة موصوفة حركها وازع الاغتناء السريع، ويقدم شهادة للحسن أكرم الموظف السابق في عمالة أكادير في عهد النكبة، «كانت مهمتي تسجيل بيانات عن كل جثة، لكنني عثرت في عمارة القنصلية على أستاذ اسمه ميسو أورتيز وكان يسكن في الطابق السابع للعمارة، وجدنا في أصبعه خاتما ذهبيا كتب عليه اسمه، وسجل ذلك في المحضر وبعد أيام عندما أرادت القنصلية وضع الجثة في الصندوق بحثت عن الخاتم فلم أجده، استدعت الشرطة كل من كانت له علاقة بعملية انتشال الجثث إلى كهف مدرسة البنات بتالبرجت، وكانت العصا هي الوسيلة الوحيدة التي استعملت في الاستنطاق وبها استطاع المحققون الوصول إلى سارق الخاتم الذي تبين أنه قام بعمل تطوعي كبير استهدف حلي الفرنسيين بالخصوص».
لكن أكرام يؤكد أن المصالح الدبلوماسية لكثير من الدول الأوربية تابعت عن قرب عملية إحصاء متاع المنكوبين، وقال إنها «كانت تتم بدقة، حيث كانت المجوهرات الذهبية والفضية توزن ويحرر لها محضر ثم توضع في صندوق حديدي نفس الشيء بالنسبة للأموال».

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة