«مول الطاكسي»

«مول الطاكسي»

في مدينة فاس يمكنك أن تعاني من ارتفاع ضغط الدم ومن داء السكري، ومن مشاكل أخرى لا يمكن أن تنتج إلا عن غضب عارم يجتاحك وأنت تشعر بتقزم حجمك، عندما تطلب من سائق سيارة الأجرة الصغيرة أن يقلك لمكان ما ولا يناسب المكان تطلعاته، فربما لن يحصد منه زبائن آخرين.. فينظر إليك نظرة ساخط كاره «كيبدا اطلع واهبط فيك»، وكأنك سرقت حقه في هذا الوطن وحقكما معا مسروق.. ثم ينطلق.. وقد تكون برفقة تملأ الكراسي الثلاثة فلا يناسبه المشروع مسبقا، ولا يتطلع إليك حتى.. أو يسمع منك.. وقد تكون لوحدك وفي طريقه إلى مرماك، قد يقل خمسة أشخاص بالتناوب فيتجول بك أرجاء المدينة، فتتضاعف فاتورتك ويضيع وقتك.. أما إن كنت تجهل المدينة فأنت وحظك إن صادفت صاحب ضمير فلا يستغل جهلك ويتجول بك أرجاء المدينة كاملة، وهدفك يقع في نهاية الشارع الذي ركبت به للربح الوفير.. وقد وقعت ضحية ذلك مع سائق أوهمته بجهلي للمدينة، فمارس علي سلطة الخداع.. كان لينتهي به المطاف في مخفر الشرطة لو كان آخر غيري.
من غريب الأشياء التي عايشتها بقدر حكيم، أن صادف سفري لمدينة مكناس عن طريق السيارات الكبيرة، تواجد فريق إذاعي جاء لإعداد روبورتاج حول مشاكل النقل بين المسافرين وأرباب العمل.. رفض أحدهم تصويرهم للسيارات المخرومة وأن يركزوا الاهتمام على الأرض التي رفع عنها حجاب البنية التحتية، وعن خلو المكان من حمامات للنساء الحوامل والمرضى بالسكري.. وعن عدم توفر محطة السيارات على مكان انتظار خاص بالمسافرين يحتوي على صالة مجهزة تفي بأغراض المسافرين وحاجياتهم.. كان محقا في كل ما قاله، لكن ما ذنبهم هؤلاء الصحفيون المتدربون؟ تدخلت فاعلة جمعوية لفك النزاع وإرشادهم لسبيل يمكن أن يرفعوا به قضيتهم حتى تحل.. استجاب رجل ملتح لنقاشها، ليختمه بنعته الرجل الغضوب بالعصبية.. وبأن لا طائل من كل تلك الثرثرة التي هدرت بها وقتها.. هي لم تهدر وقتها كانت تنتظر فقط، هذا ما ردت به.. بين هذا وذاك ربما استطعنا اقتطاع ثمن سيارة الأجرة من مصاريفنا اليومية، فماذا عن امرأة صادفناها في طريقنا قد أغمي عليها، وللتو خرجت من المستشفى ومشت طريقا طويلة تحت وطأة حرارة الشمس الحارقة، عاتبنا عليها عدم عودتها لبيتها بسيارة أجرة، فقالت: «معي غير سبعين ريال باش نركب الطوبيس».. امرأة توفي زوجها.. وابنتها متزوجة وتقطن بمكناس، وهي تعيش وحيدة في بيت للإيجار بمدينة فاس.. لا أحد يتكفل بها إلا ما يساعدها به الجيران.. قد تموت في الطريق ولا يعرف لها أصل ولا فصل.. عندما صادفناها.. أدخل طالب يده في جيبه وأخرج منه 50 درهما ليعطيها لها ثمنا للعودة.. كنت أحس به أحوج منها إلى ذلك المبلغ.. وكنت أحس بها تأمل لو تركناها تتابع الطريق لـ«الطوبيس» وتوفر المبلغ لأشياء أخرى.. عندما أوقفنا سائق سيارة الأجرة رفض أن يقلها..
لا نقول بذلك إنهم كأسنان المشط، فمنهم الصالح الطيب ومنهم من يرى ربحه وهم أسرته أولى بالشفقة والرحمة.. نحن شعب لم ندرك بعد قيمة الإنسانية لنكونها في تعاملاتنا.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة