GCAM_Top
TM_Top
TM_Top-banner_970x250

نانسي الطويل.. الأمريكية التي هربت من المغرب وناضلت 20 سنة لإطلاق زوجها من «تازمامارت»

نانسي الطويل.. الأمريكية التي هربت من المغرب وناضلت 20 سنة لإطلاق زوجها من «تازمامارت»

نانسي، سيدتان في امرأة واحدة: نانسي الأولى ما قبل رحلتها إلى المغرب، ونانسي الأخرى ما بعد «تازمامارت». الأولى تبدو سعيدة بجمالها وقامتها النحيفة التي كانت تعد نموذجا للمرأة الأمريكية خلال سنوات الستينات. نظارات طبية بإطار شديد السواد كما تنص على ذلك الموضة الأمريكية، وعقد خفيف يتدلى من عنقها.. صورة كانت مثالية لتزين بها لائحة المتخرجين من الجامعة التي درست بها رفقة الكثيرات اللواتي لن يكون مصيرهن مثل مصير نانسي..
السيدة الأخرى هي نانسي الطويل، ما بعد سنة 1972، حيث خاضت معركة طويلة مع الحياة، بحثا عن زوج هو «امبارك الطويل»، لم تصدق أنه مات، لأنها استشعرت ذبذبات تنفسه على بُعد مئات الكيلومترات من منزلها في مدينة القنيطرة داخل القاعدة العسكرية.
كانت نانسي، قبل أن يصبح اسمها «الطويل»، تعيش حياة عادية كأي شابة أمريكية في مقتبل العمر. تخرجت سنة 1964 من الجامعة في ولاية Wayne، لتبدأ مسيرتها مع التدريس..
قادتها التجربة المهنية في التدريس سنوات الستينات إلى قبول عرض للقيام بمهمة التدريس في شمال إفريقيا، وبالضبط في القاعدة العسكرية الأمريكية بالقنيطرة.
لم تكن تعلم أن تلك الرحلة ستغير حياتها إلى الأبد. فأمريكيو تلك الفترة كانوا يعتقدون أن القاعدة الأمريكية ستكون مستقلة تماما، إلا أن نانسي فوجئت بوجود مغاربة داخل القاعدة العسكرية. هناك، رأت امبارك الطويل وخفق قلبها لرجل تفصل بين ثقافتها وثقافته أمواج المحيط الأطلسي المتلاطمة.. لكن عمق هذا المحيط لم يفلح في دفن ذلك الكم من المشاعر التي بدأت تنمو بين الطرفين، إلى أن تكللت تجربتهما بالزواج فترة قصيرة بعد مجيئها إلى المغرب.
كما لم يمهل الحب نانسي كثيرا عندما حلت ضيفة على بلد لا تعرف عنه أي شيء، فإن الفواجع أيضا لم تمهلها وقتا طويلا لتطرق باب «الكوبل» المغربي الأمريكي السعيد. ففي السنة التي ولد فيها ابنهما أمين الطويل، أي 1972، جاء انقلاب الطائرة الملكية، ليجد امبارك الطويل نفسه وسط المعمعة التي جرّت الويلات على الذين راودهم حلم الطيران ذات يوم، وتدربوا عليه مستعملين أحدث الطائرات العسكرية الأمريكية وقتها..
تقول نانسي الطويل إن زوجها كان لسوء الحظ في المكان غير المناسب في التوقيت غير المناسب، وحُكم عليه بالسجن 20 سنة في تهمة كانت هي متأكدة من أنه لم يكن يعلم عنها أي شيء.
تعترف نانسي أيضا، وتقول إنه، بعد صدور الحكم ضد زوجها امبارك الطويل، لم يكن مسموحا لها بمغادرة المغرب أبدا، لكنها رحلت بشكل غير قانوني، وأخذت معها ابنها أمين، دون أن تنسى الذبذبات التي ظلت تخبرها أن «امبارك» لا يزال على قيد الحياة. عادت نانسي إلى أوهايو، حيث تقطن عائلتها، وبدأت تفكر في طريقة لتخليص زوجها من عقوبة العشرين سنة التي تلاحقه، رغم أنها لم تعلم أي شيء عن المكان الذي احتجز فيه، وسمعت الكثير عن إمكانية إعدام جميع المتورطين حتى لو كانت الأحكام تدينهم بالسجن فقط. بالموازاة مع مهنة التدريس التي عادت إليها في أمريكا لتعيل ابنها أمين، ظلت نانسي تربط اتصالات بمنظمات غير حكومية وازنة، ووصل الأمر إلى حد إسماع صوتها للبيت الأبيض، وهكذا كانت السيدة الأمريكية تستعمل انتماءها إلى أقوى دولة في العالم، لتصل قصة زوجها امبارك إلى العالم، معتمدة في ذلك على الرسائل التي كانت تصلها من أصدقاء المغرب الذين ربطوا الاتصالات مع المحتجزين في «تازمامارات».
تقول نانسي إن المرة الأولى التي سمعت فيها صوت زوجها، كانت بعد 19 سنة كاملة من آخر أمسية قضياها معها في القنيطرة ساعات قبل الانقلاب العسكري الذي استهدف طائرة الملك الحسن الثاني، لدى عودتها من رحلة خارج المغرب.
قال لها امبارك بصوت متعب إنه خرج أخيرا إلى الحياة بعد رحلة سجن رهيبة، وانتشله منها إصرار حب على الطريقة الأمريكية.. لم تستسلم لبعد المسافة ولا للألغام القاتلة التي أحاطت بملف «تازمامارت».
كتب الكثيرون ممن عاشوا تفاصيل الموت البطيء في «تازمامارت»، عن دور نانسي الطويل في الضغط لفك العزلة عنهم، وكيف نزلت طائرة هيلوكوبتر لأول مرة في ساحة المعتقل لتنتشل «امبارك» وحده وتمكنه من العلاج استعدادا لنقله خارج أسوار المعتقل، وكيف ندب الكثيرون حظهم العاثر لأنهم لم يتزوجوا بأمريكية، ولو على سبيل المزاح.. تعيش نانسي اليوم تقاعدا هادئا رفقة زوجها امبارك الطويل، محاولين معا، ملء فراغ عمره 18 سنة لم تكن تعلم فيها نانسي إلا أنه على قيد الحياة في مكان ما.. ساعدته على إعادة التأهيل وعلمته الحياة من جديد، لتتقاعد هي قبله من مهنة التدريس، ويتقاعد هو بعدها بأربع سنوات من مهنة التمريض التي تعلم أصولها بعد «تازمامارت».
الكثيرون مدينون اليوم بحياتهم لنانسي الطويل، التي خاضت معركة من وراء المحيط ضد معتقل لم تكن تعلم حتى موقعه الجغرافي.. هي اليوم لا تحب أن تتحدث كثيرا عن تلك التجربة، وتقضي وقتها في التفرغ لهوايات شغلها عنها عمر كامل من تعقب «ذبذبات» حياة امبارك.

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة