نتنياهو كشف المستور

fahmi

أحدث المفاجآت التي أطلقها بنيامين نتنياهو كانت إعلانه أن إسرائيل تشن هجمات داخل سوريا، مستفيدة في ذلك من التنسيق الأمني بينها وبين الروس. المفاجأة وقعت، يوم الأربعاء الماضي، حين تكلم رئيس الوزراء الإسرائيلي في مؤتمر عقد بمدينة عكا، حول «الخليل والنقب». إذ تطرق إلى الموضوع بدعوى أنه لا يريد أن تتحول سوريا إلى جبهة أخرى ضد إسرائيل.
صحيفة «يديعوت أحرونوت» فصلت في ذكر أهداف العمليات الإسرائيلية قائلة، إن المراد بها إجهاض المحاولات الإيرانية لفتح جبهة «إرهاب» في الجولان، ومنعها من نقل أسلحة متطورة من سوريا إلى حزب الله في لبنان.
المراسل العسكري لموقع «والاه» الإسرائيلي، استشهد بكلام نتنياهو لكي يدلل على مدى التفاهم والتنسيق القائم بين الإسرائيليين والروس في سوريا، وقال إن ذلك التفاهم أثمر حالة من الثقة المتبادلة، لدرجة أن الحكومة الإسرائيلية غضت الطرف عن اختراق طائرة روسية لحدودها، قبل أسبوع. وبسبب تلك الثقة، فإن إسرائيل لم تتعرض للطائرة ولم تذع الخبر. إلا أن المحلل العسكري لصحيفة «هاآرتس»، عاموس هرئيل، انتقد كلام نتنياهو واعتبره بمثابة إفشاء لأسرار عسكرية في توقيت غير مناسب.
ما أثار الانتباه في ما أعلنه رئيس الوزراء الإسرائيلي أنه تخلى عن الحذر في كلامه، ولم يبال بالحرج الذي سببه للروس وللإيرانيين، وكان واضحا أن حرصه على التباهي بإنجاز حكومته أقوى من رغبته في مراعاة حسابات ومواقف الآخرين.
لم يكن الجديد في كلام نتنياهو أن إسرائيل تقوم بعمليات هجومية داخل سوريا، فذلك أمر معلوم للكافة، لكن الجديد أن يتم ذلك استثمارا للتنسيق الأمني مع الروس الموجودين على الأراضي السورية، بدعوى حماية نظام الأسد. وذلك ليس جديدا فحسب، ولكن له أكثر من دلالة مثيرة وخطيرة.
من ناحية، لأن كلام نتنياهو كشف المسكوت عنه، حين ذكر أن القوات الروسية التي جاءت لمساعدة الأسد على تفاهم مع الإسرائيليين في عملياتهم العسكرية التي يقومون بها داخل سوريا. من ناحية ثانية، فإن الرئيس الأسد غض الطرف عن تلك العمليات، على الأقل بعد الإعلان عنها من جانب نتنياهو، في مقابل استمرار الروس في توفير الحماية لشخصه ولنظامه. أما الدلالة الأخطر والمفاجأة الأكبر، فإن إيران المتحالفة مع الروس سكتت عن استهداف الإسرائيليين لأنشطتها في سوريا الذي يتم بالتنسيق والتفاهم مع حلفائهم الروس!
النقطة الأخيرة تشهد بعبثية المشهد واختلاط الأوراق فيه، على نحو يسبب حرجا كبيرا للموقف الإيراني الذي بات يواجه مأزقا. فما عاد سرا أن أطرافا ثلاثة على الأقل تشارك في الحرب الأهلية الدائرة في سوريا، مصطفة إلى جانب نظام الأسد، وهذه الأطراف هي إيران وحزب الله وروسيا.
وحين أعلن أن ثمة تنسيقا أمنيا بين الروس والإسرائيليين، فقد فهمنا أن حدود التنسيق مقصورة على تجنب الاشتباك في الفضاء السوري بين طائرات الجانبين. وكانت خلفية التنسيق مفهومة، لأن ما بين روسيا وإسرائيل من التفاهم والمودة على النقيض تماما مما بين الإيرانيين وحزب الله من ناحية، وبين إسرائيل من ناحية ثانية. إلا أن كلام نتنياهو نبهنا إلى أن الأمر أبعد من ذلك بكثير، وأن التنسيق يشمل العمليات الهجومية التي تقوم بها إسرائيل في سوريا. ونبهتنا رسالة ذات صلة بثتها وكالة الأنباء الفرنسية، إلى أنه منذ عام 2013 شنت إسرائيل عشر غارات جوية على سوريا، استهدفت غالبيتها نقل الأسلحة إلى حزب الله الذي يقاتل إلى جوار الرئيس الأسد.
هكذا، فإنه في حين تقوم إيران وحزب الله وروسيا بالدفاع عن الأسد، فإن الأخيرة تنسق مع إسرائيل في عملياتها داخل سوريا التي تستهدف تأديب وإضعاف نظام الأسد، وتقليم أظافر حزب الله، حليف الرئيس السوري. أما كيف حدث ذلك؟ فعلم ذلك عند الله. ولا سبيل إلى تفسيره إلا بالإحالة إلى الاتصالات السرية بين مختلف الأطراف التي تتفق على شيء واحد هو الحفاظ على بقاء واستمرار مساندة الأسد، ثم الاختلاف في كل ما عدا ذلك، خصوصا في ما يتعلق بالأهداف التي يتوخاها كل طرف من تلك المساندة. وفي كل الأحوال، فإن المشهد بهذه الصورة يثير أكثر من علامة استفهام حول استراتيجية وتحولات السياسة الإيرانية خلال السنوات الأخيرة، خاصة أن بعضها أصبح عصيا على الفهم والتفسير.

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *