نساء خالدات

بقلم: الدكتور خالص جلبي

 

 

من ملكة سبأ التي تفوقت على سليمان بالحكمة وهو الحكيم، ومرورا بفاطمة الفهرية التي بنت جامع القرويين بفاس، وشهرزاد التي روت قصصها في ألف ليلة وليلة فردت الملك إلى الإنسانية، وكان يقتل كل ليلة امرأة، و(قرة عين) في إيران، التي وصفها الوردي أنها مالكة أعظم صفات في إنسان من الشخصية والعقل والثقافة والخطابة والجمال، وانتهاء بـ(جان دارك) ووصولا إلى نساء القرن الخالدات. كما هو في الحديث عن نساء ساهمن في أعظم إنجازات الثورة العلمية الحديثة، ونذكر قصص ثلاث نسوة عبقريات كان لهن الدور الكبير في إحداث اختراقات نوعية فيه: (روزاليند فرانكلين ROSALINDFRANKLIN) أول من كشف النقاب عن تركيب الشيفرة الوراثية، و(دوروثي كروفوت هودجكن DOROTHY CROWFOOT  HODGKIN) التي طورت تقنية معرفة التركيب الذري للبنسلين والأنسولين، و(باربارا مك كلينتوك BARARA McCLINtock) التي طرحت فكرة ثورية عن (طفرة) الجينات وتغير صفات الكائن مع الزمن.

أما قصة فرانكلين فحزينة تروي الخيانة في العمل وسرقة الجهود؛ فعندما شقت الطريق إلى معرفة تركيب (الكود الوراثي) عند الإنسان من خلال تطوير تقنية دراستها بالأشعة السينية، في عمل إبداعي مذهل مع صور في غاية الجمال، خانها صديقها في العمل (موريس ويلكينزMAURICE WILKINS)، لأنها كانت عالمة معتدة بنفسها أكثر من كونها مساعدة تبني مجده؛ فتطوع بنقل عصارة جهدها سراً لرجلين منافسين، هما الثنائي (جيمس واتسون GAMES WATSON وفرانسيس كريك FRANCIS CRICK) حيث حصدا ثمرة عملها بقطف جائزة نوبل للكيمياء الحيوية عام 1962، وتسجيل اسميهما في التاريخ أنهما كانا أول من سبق في إماطة اللثام عن تركيب الخارطة السرية للخلق (الحامض النووي DNA) في نواة الخلية، كانت أثناءها روزاليند فرانكلين قد ماتت بسرطان الثدي عن عمر 37 سنة!

لم يكتف (جيمس واتسون) بالاستفادة من عمل السرقة؛ بل لاحقها إلى القبر، في كلمات عجيبة تخترقها في أهم خصوصية لها كأنثى، فقال: مع أنها كانت فاتنة لم تكن لتعتني بنفسها كامرأة قط، لا في ملابسها ولا حتى بأحمر الشفاه! ولكنه اعترف في آخر كتابه بأن معلومات الكشف الخطير تسربت له من يهوذا الخائن.

وأما (دوروثي هودجكن) التي درسَّت في أوكسفورد، وكان من تلامذتها أول رئيسة وزراء هي (مارغريت تاتشر)، فكان لها دور اكتشاف البناء الذري للمواد الكيمياوية الحيوية، التي سمتها (البلورات الأنيقة الجميلة) مما قاد إلى الإمساك بسر تصنيعها لاحقاً، كما في الأنسولين الذي قامت بدراسته لمدة 35 سنة، أو الفيتامين «ب12» الذي اشتغلت عليه لمدة سبع سنوات، وكان نقصه يقود إلى فاقة الدم الخبيثة القاتلة، ولم يمنعها الروماتيزم الخبيث الذي شوه يديها من متابعة عملها، فوصلت إلى معرفة تركيب الكوليسترول المركب الأساسي للهرومونات الجنسية، والفيتامين» المسؤول عن كساح العظام عند الأطفال، وفي النهاية تم الاعتراف بها فمنحت جائزة نوبل للكيمياء عام 1964 وكانت المرأة الثالثة في تاريخ الجائزة، ووصلت في خاتمة حياتها إلى رئاسة (اتحاد العلماء) عام 1975، وأمضت بقية حياتها تكافح ضد التسلح النووي لتودع العالم عام 1994.

أما الثالثة (مك كلينتوك) فكانت ثالث ثلاثة من رواد علم الوراثة، بجانب (غريغوري مندل) و(طوماس هانت مورغان THOMAS HANT MORGAN). فأما الأول فوضع قوانين الوراثة الثلاثة عام 1865، وأما الثاني فاستطاع أن يربط مادياً بين الصفات الوراثية والكروموسومات، ولكن فكرة (مك كلينتوك) كانت عن حركة الجينات فهي تقفز من مكانها؛ فتغير صفات المخلوق وهي ما عرفت بـ(الطفرة MUTATION) وهذا قرَّب إلى فهم نظرية التطور أكثر، عن خلق مبرمج يمشي خلقاً من بعد خلق، يزيد في الخلق ما يشاء، وبقيت (مك كلينتوك) تمارس نشاطها العلمي إلى سن التسعين، بعمل سبعة أيام في الأسبوع، لمدة 12 ساعة يومياً، في عشق لا يذوي للمعرفة، حيث كانت تعمل في مختبر (كولد سبرنج) بولاية نيويورك (COLDSPRINGHARBOR LABORATORY).

وصفت السيدة كلينتوك بأنها كانت (ظاهرة إبداعية) تشك كثيراً وتتنبأ أكثر، ووضعت قوانين الجينات دوماً تحت وابل من الأسئلة المتشككة، واعتبرت أن الوراثة ما زالت حافلة بالأسرار، لم تبح بكل ما في صدرها، وكانت محقة في ذلك، عندما اكتشفت في نبات الذَرَة ظاهرة الطفرة، فحققت بذلك أعظم إنجازات القرن.

كانت (مك كلينتوك) تصف الجينات أنها لا تجلس متجمدة كتلاً ثابتة كحبات اللؤلؤ في جيد حسناء، بل هي وبالصدفة تتزحزح من موضعها من وقت لآخر وبطريقة مجهولة، وهو ما يغير المعلومات الوراثية، وبهذا الطرح عارضت الجو العلمي جملة وتفصيلاً، بتحدي مسلمة رئيسية من ثبات الجينات. كانت (مك كلينتوك) راديكالية ولا تبحث عن المجاملات في العمل العلمي، ومصممة، ووحيدة، مما عرضها (كأنثى) أن لا تُفهم وتُرفض وتُتَّهم أنها لا تمشي مع السياق العام. وبقيت أفكارها حول الطفرة لا تؤخذ بعين الاعتبار، حتى تقدم اثنان من العلماء (الذكور) عام 1961، هما (فرانسوا جاكوب FRANCOIS  JACOB وجاك مونود JACQUES MONOD) بموديل جديد حول توجيه الجينات عند البكتيريا، في شبه كبير لطرح السيدة مك كلينتوك حول نظام الطفرة، وبعد أربع سنوات عام 1965 نال الاثنان جائزة نوبل عليها. ولم يستوعب العالم حتى ذلك الوقت الطرح المثير والجريء الذي كانت قد سبقت فيه (مك كلنتوك) بمراحل لتوصف ووِّصفت بأنها تستخدم طرقاً بالية قديمة لوضع استنتاجاتها.

كانت مك كلينتوك متفردة باقتناعها وبحدس خاص تستخلص عصارات هامة من وحي الطبيعة، تتجلى لها في لحظات العمل المخبري. وتطاول الوقت حتى السبعينات من القرن العشرين حتى بدأت تشد الانتباه بأفكارها، وفي عام 1983 قبل موتها بتسع سنوات وعمرها يومها 81 سنة منحت متفردة وللمرة الأولى في تاريخ النساء جائزة نوبل للطب، عن عمل كانت قد نشرته قبل 36 سنة في عام 1947 م. واليوم تعتبر مك كلنتوك بجانب مندل ومورغان هنت أحد الأدمغة الأعظم في علم الوراثة.

وقبل فترة قصيرة قامت عالمتان أمريكيتان هما (إليزابيث بلاك بورن، وكارول جرايدر) باختراق معرفي مثير عن الكشف عن أنزيم الموت عندنا؛ فقد عُرف أن حياتنا محدودة بعدد معين من الانقسامات الخلوية، ومع كل انقسام تتآكل نهاية الكوموسوم الذي يحفظ أسرار بناء الجسم، وبتواتر الانقسامات تستهلك النهاية الحافظة للكروموسوم؛ فينفرط عقده، ويعجز عن نقل أسراره، وإعادة طباعتها في مطابع الخلية (الريبوسوم) في وثيقة اضطربت سطورها لا تصلح للحياة.

اهتدت العالمتان إلى ما يعمل ضد الاهتراء وعرف أنه أنزيم (التيلوميراز) يتكاثر في أجسام الأجنة وأنسجة السرطان، فإذا حقنت به الخلايا تابعت انقسامها ونشاطها بدون مظاهر شيخوخة.

واليوم يتم كشف علمي مثير عن الدماغ الإنساني أنه دماغان؛ يمتاز الأيسر بالتحليل العقلي والنطق، وتحتل الأيمن فيه المشاعر والأحاسيس، وعرف أن دماغ الرجل أثقل وزناً وأكثر بـ16 في المائة بعدد النورونات من المرأة، مقابل ضمور دماغ الذكر بتقدم العمر، ولكن دماغ المرأة يتمتع بربط أشد إحكاماً بين نصفيه، مما يحيل النطق عندها إلى عملية مفعمة بالوجدان، وتتحول المرأة إلى كائن أكثر اجتماعية، وأفضل قدرة بإثارة مواضيع منوعة للنقاش، كبلبل لا يكف عن الصدح بأعذب الأنغام، في حياة ثرة غنية، مما دفع البعض إلى وصف التلفون أنه أنثوي.

المرأة تعيش في المتوسط أكثر من الرجل سبع سنوات، تحمل كرها وتضع كرها. هي مستودع الرحمة، وينبوع الحب، ومخزن الثقافة، تشحن (لاوعي) الطفل بالقيم والخبرات؛ فتبني شخصيته، وتعلمه النطق وإتقان اللغة، وبها يدخل عالم الاتصالات البشري، وثبت بالتجربة أن الأمهات الصامتات يموت أطفالهن مع وافر الغذاء.

دشنت المرأة الثورة الزراعية؛ فأدخلت الإنسان الحضارة، ولم يكن شيئاً مذكوراً، كما أكد ذلك المؤرخ (ديورانت)، صاحب موسوعة قصة الحضارة في 42 مجلدا، وما زالت تحب الرياحين، ولكن الثقافة الإنسانية ابتليت بخطأ كرموسومي عندما تأسس المجتمع على العنف واحترام العضلات وسيادة الذكور وعسكرة المجتمع؛ فاستلبت منه الرحمة كما يفعل بوتين بالغوطة الشرقية في شتاء عام 2018م، وانزلقت (المرأة) إلى طبقة مسحوقة مستغلة دونية، واختل توازن المجتمع الإنساني وما زال، بما فيه قمته الشمالية. وقصص النساء العبقريات عينة بسيطة من كارثة ثقافة التمييز الجنسي؛ فأين المرأة العربية الموؤودة من كل هذا؟

مع هذا فلم تطو صفحة التاريخ كطي السجل للكتب، بل كل المستقبل للمرأة، وتنقل الإحصائيات اليوم أن المرأة أشد ذكاء، في مفاجأة غير سارة لثقافة الفحولة، وأن الكروموسوم الذكري قد تآكل ثلثاه وهو في طريقه للتآكل الكامل واختفاء الذكور من مسرح الحياة.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.