MGPAP_Top

نقمة النفط والقحط

يجادل الجزائريون، من مثقفين وخبراء وسياسيين، بعضهم في جدوى تجميع العائدات الضخمة من مداخيل النفط والغاز، إن لم تكن تنفع في مواجهة الأيام السوداء العصيبة، بعد أن شحت الفواتير وانتبهت السلطات إلى أن لا بديل عن فرض ضرائب جديدة على المواطنين لسد العجز الكبير في الموازنة.
إلى وقت غير بعيد كانت الجزائر تفاخر بمخزونها من احتياطي العملة الصعبة المقدرة بمئات بل آلاف البلايين من الدولارات، وادعت أنها الوحيدة من دون بلدان العالم الثالث التي سددت ديونها الخارجية دفعة واحدة، لكنها لم تسدد أبسط ديون المواطنين في توزيع عادل للثروات والتجهيزات الأساسية والخدمات الاجتماعية. لهذا يبقى السؤال مشروعا: فيم تنفع هذه الأموال؟
ليست الجزائر فقط من تضررت من خفض أسعار النفط. فانهيار الأسعار كان مثل السيول الجارفة، ولن تكون الوحيدة التي تعاني من أزمات مالية واقتصادية، فقد هزت أزمات عاصفة أعتى البلدان المتقدمة، لكن الفرق أن المصارحة بالصعوبات والبحث في سبل تجاوزها تقليد ديمقراطي في البلدان الغربية المهتمة أكثر بحماية الإنسان وتأمين ظروف عيشه وازدهار خدمته، في إطار التزام الشفافية والوضوح. والحال أن السلطات الجزائرية لازالت تمانع في الإقرار بأن أزمتها بنيوية وهيكلية، وأن تداعيات خفض أسعار البترول، إنما كشفت عن مكامن اختلالات جذرية عميقة، ليس أبعدها أن صرف المال العام يتم خارج آليات الرقابة والشفافية ومقتضيات الحكامة الجيدة.
منذ أكثر من ربع قرن اهتزت البلاد على وقع انفجار شعبي عاصف، كان من تجلياته التي لا تخطئها العين، أن المتظاهرين الغاضبين الذين ساروا في العاصمة الجزائرية يهتفون احتجاجا على تردي أوضاع معيشتهم، عمدوا إلى إحراق ما يدعى بتمثيلية جبهة بوليساريو الانفصالية في الجزائر، واعتبر ذلك مؤشرا إلى رفض الشارع الجزائري لتبديد أمواله في دعم حركة انفصالية، لم تجلب للبلاد غير المزيد من المتاعب والأزمات.
بيد أن الحدث الذي كان يتعين استقراء مضمونه بما يلزم من الإدراك والنباهة وإعادة النظر في مسالك خاطئة، لم يقابل بعودة الوعي، أقله أن السلطات الجزائرية استمرت في معاكسة رغبات وميولات شعبها الذي يرفض تبديد ثرواته، من دون طائل، وعندما انفجرت رياح الحراك الذي أطاح أنظمة استبدادية في منطقة الشمال الأفريقي، وقع الانتباه إلى أن العقيد معمر القذافي أفلح في شيء واحد، هو تبديد ثروات بلاده في مساندة ودعم حركات لم يجن منها شيئا.
الأصل في هكذا تصرفات أنها تحدث خارج الرقابة الشعبية، ولو تم استفتاء الشعب الجزائري إن كان يقبل صرف موارده على حركة انفصالية، استوطنت مناطق تقع تحت النفوذ الإداري للدولة، لجاءت النتيجة فاضحة لهذه المغامرة غير محسوبة النتائج.
كان يكفي أن يصدر تقرير عن إحدى لجان البرلمان الأوروبي المختصة برعاية وتتبع طرائق صرف المساعدات الإنسانية التي تقدمها الدول المانحة، ليتأكد الشعب الجزائري قبل غيره أن جبهة بوليساريو الانفصالية تحولت إلى أصل تجاري يدر المزيد من الأموال من خلال تدوير وتحويل اتجاه تلك المساعدات الإنسانية. والفاضح في الأمر أن دولة غنية تصدر النفط والغاز يمد بعض مسؤوليها اليد إلى المساعدات الإنسانية، فما بالهم حين يتعلق الأمر بتوريد الأسلحة والعتاد وما إلى ذلك من مجالات صرف المال العام، بدعوى الدفاع عن قضية خاسرة في أساسها ومنطلقها وهدفها.
حديث الأرقام يعزز الوقائع، والثابت أن استنزاف خيرات وثروات الشعب الجزائري في قضية خاسرة، لا يضاهيه سوى استمرار مظاهر الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي فاقت كل تصور. وعندما تدعو السلطات إلى اتباع سياسة تقشف صارمة، بمبرر ترشيد النفقات التي وصلت إلى حد إلغاء جزء من موازنة التجهيز والتسيير في قطاعات عديدة، يكون حريا بها أن تقرن التقشف المالي والاقتصادي بما يمثله على الصعيد السياسي.
في البلدان الغربية يدور نقاش من نوع آخر، محوره كيفية استيعاب أفواج اللاجئين السوريين والعراقيين والمهاجرين غير الشرعيين، ومصدره البعد الإنساني في التعاطي مع أزمة باتت تؤرق العالم. لا مجال إذن للمقارنة، غير أنه يكفي أن تقر الجزائر بأحقية سكان مخيمات تيندوف في اختيار العودة الطوعية إلى وطنهم المغرب، لتنتفي أكثر الحالات مفارقة في هدر المال الجزائري، خصوصا وأن مفهوم اللجوء لا ينطبق على أوضاع المقيمين قسرا في المخيمات.
هذه أكبر مساعدة يمكن أن تقدمها الجزائر لنفسها، ذلك أن انهيار أسعار النفط لا يوازيه إلا القحط الفكري والسياسي في إيجاد حل مشرف لهذه القضية الإنسانية التي عمرت حوالي أربعة عقود، لكن السلطات الجزائرية التي لا تقدر على مصارحة شعبها بالأخطاء الجسيمة التي ارتكبت في الاقتصاد والسياسة، كيف لها أن تصارحهم بالمأزق الكبير الذي وضعت فيه نفسها، عندما رهنت الشعب الجزائري لأوهام قضية خاسرة.

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة