GCAM_Top
TM_Top
TM_Top-banner_970x250

نواب ينسحبون في هدوء

لعله أصغر برلماني دلف إلى المؤسسة التشريعية لعام 1977، دون عناء. خاض انتخابات شكلية مضمونة النتائج، ولم ينتظر الإعلان الرسمي عنها ذات ليلة من شهر يونيو، ليقيم احتفالا بالنصر.. فقد كان يضعه في جيبه كما يقال.
فالعبرة بمن فاز لا بمن صوت، وليس الوزراء وحدهم من ضمنوا الفوز على صهوة «الورقة البيضاء»، ولكن أبناء وأصهار المتنفذين يعرفون من أين تؤكل الكتف، أو كيف يتم توزيع الكعكة. على قاعدة «قسمة ضيزى» وكفى الله المؤمنين شر منافسات لا علاقة لها بالانتخابات.
كان النائب أحمد الحبيزي خجولا، لا يتدخل أثناء أي مناقشة، يكتفي بمراقبة ما يحدث حوله، ثم ينصرف إلى حال سبيله. لا يؤاخذه أحد على غيابه ويتقرب إليه كثيرون، عساه ينقل عواطفهم إلى ولي نعمته الذي أقحمه في البرلمان، مثل أي وظيفة سامية، لا تشترط غير المحاباة والإرضاء.
على لسان وزير الداخلية الراحل الدكتور محمد بنهيمة، أنه قال لأحد أصدقائه، بأنه لا يستطيع توظيف شخص في الإدارة، لكنه يقدر على تعبيد الطريق أمامه ليصبح نائبا في البرلمان. لذلك اصطف رجالات جنرالات ومستشارين أمام الأبواب، في انتظار التأشير على قوائمهم لدخول جنة الولاية التشريعية. وقبل ذلك بسنوات وضع الجنرال محمد أوفقير شقيقه على رأس القائمة، كما فتش عن الموالين الذين لم يكونوا في حاجة لخوض معارك انتخابية.
وعرف عن وزير آخر متنفذ أنه رضخ لطلب عون إدارة في إقليم فاس، بأن يدفع به إلى البرلمان، حتى إذا قيل لسعادة النائب أن يوجه رسائل شكر إلى الناخبين الذين اختاروه، أجاب بعنجهية: إن رسالة واحدة للوزير تكفي.
وعلى منواله سار كثيرون، فالظلال أهم من الرجال في اللعبة السياسية منقوصة الإرادة. لذلك كان ينعت بعض نواب المرحلة بأسماء الذين استقدموهم، وليس بعناوين وتقاطيع الدوائر الانتخابية، من دون أن يعني ذلك أن كل الناس في الهم شرف، فقد كان هناك نواب استحقوا مواقعهم بجدارة، وإن خجل بعضهم من حمل صفة الانتساب الحزبي باعتزاز.
كان الحبيزي كما عرفته رجلا طيبا، لم يفته التعبير أحيانا عن الرغبة في فهم هذا العالم الغريب الذي أصبح واحدا من مؤثثي مشهده العام. وكلما ذكر اسمه تردد ظل الجنرال أحمد الدليمي الآمر الناهي. وهل في وسع أحد أن ينافس الرجل في مسقط رأسه في سيدي قاسم.. حيث النواب ورجال السلطة ومندوبو الوزارات يدينون له بالولاء.
ليست الرقعة الجغرافية في المنطقة والإقليم وحدها من يعكس درجات النفوذ. ولكن إدارات عدة تأثرت بانتماءات مسؤوليها، ولا يظهر النفوذ أكثر إلا في الحواشي والمدن الصغيرة التي اعتلت بدورها واجهة المنافسة مع مراكز نفوذ تقليدية سابقة.
وحده من بين المحسوبين على الجنرال الدليمي، كان النقيب عبد الحميد القاسمي، الذي يفاخر بانتسابه إلى سيدي قاسم، يستطيع أن يتحدث بصوت عال. وما يلبث أن يدخل في عراك مع ابن منطقة الغرب رئيس الكتلة النيابية للاتحاد الاشتراكي عبد الواحد الراضي، فهما يعرفان بعضهما أكثر، وإن لم يسجل على الراضي أنه غير من ولائه الحزبي، على عكس القاسمي الذي كان نائبا في الفريق المعارض في برلمان 1963، وأصبح مواليا في برلمان 1977.
لا يزال وادي سبو يفصل بين ضفتيه قبل الوصول إلى مصبه النهائي على الساحل الأطلسي. يغضب أحيانا فيقتلع الشجر والنسل، ويخلد إلى السكينة في الربيع والصيف، لكن الحياة السياسية على جوانبه تتغير، على قدر تبدل الأحوال. فقد كان النائب أحمد الحبيزي يأمل في أن يتعلم مشية أخرى إلى العاصمة الرباط، لا تنسيه مرابع سيدي قاسم ومشرع بلقصيري.. إلا أنه توقف عن السير، ولم يخض غمار الانتخابات اللاحقة.
كذلك انسل النقيب عبد الحميد القاسمي بهدوء، واعتكف في مكتبه يرافع في قضايا غير سياسية. وكنت سألته عن غيابه يوما، فرد بابتسامة عليها مسحة من الحزن: «اللي كلا حقو يغمض عينو» قالها بالدارجة، مع أنه كان خطيبا بالعربية والفرنسية، إلا أن الظلال حين تتوارى تترك الناس في العراء.
أين النائب البرلماني امحمد شقيق إدريس البصري؟ أين أصهار المستشار أحمد رضا كديرة؟ أين أصدقاء الوزير مولاي أحمد العلوي؟ أين رجال الجنرال أحمد الدليمي؟ من تكون حظوظه وافرة ينسحب بدون ضوضاء، ومن تكون عاثرة يتعرض إلى التحقيق والأسئلة. وما تغير شيء في هذا الزمان، فالتوريث إلى البرلمان والحزب لم يعد حكرا على مراكز النفوذ المدني والعسكري، بل صار من تقاليد النفوذ الحزبي.
لا أحد يلتفت إلى الوراء، وإن كانت السياقة تفرض نباهة سرقة النظر أحيانا.

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة