MGPAP_Top

هدايا الحسن الثاني للجزائريين

هدايا الحسن الثاني للجزائريين

نادرا ما يكشف الملوك والرؤساء والزعماء عن هداياهم لنظرائهم أو لأشخاص أجانب أسدوا خدمة للبلد، لكن الهدايا عند هؤلاء ليست مجرد إتاوة، فهي رسالة إلى من يهمه الأمر، تكون في الغالب مشفرة، فيما يفضل زعماء آخرون تكريس مبدأ «اليد العليا خير من اليد السفلى» حتى في الهدايا.
حسب دراسة قام بها مركز «كلوبال ريسرش الكندي»، فإن الهدايا والمنح أمر مثير للدهشة، فالقانون الأمريكي لا يمنح الرئيس حق امتلاك الهدايا الرسمية، بل إنه مطالب بالإعلان عنها في تقرير سنوي لمكتب الأخلاقيات الحكومية، وتصبح جزءا من مجموعة متحف مكتبة الرئاسة.
كان معمر القذافي الرئيس الليبي الراحل من مقدمي الهدايا، وكان أكثر القادة إثارة للجدل في هذا الشأن، بل إنه أغضب أكثر من زعيم إفريقي حين أهداه كمية من الكتاب الأخضر، يليه رؤساء وشيوخ وأمراء دول الخليج العربي التي تدور إكرامياتهم في محيط المجوهرات، ثم رؤساء مصر من عبد الناصر إلى حسني مبارك الذين كانت هداياهم عبارة عن تحف أثرية فرعونية، قبل أن تتحول الهدايا إلى منح الجنسية والإفراج عن رهائن.
في هذا الملف، سنعرض نوعية خاصة من هدايا الحسن الثاني خاصة في علاقته مع الرؤساء المتعاقبين على حكم الجارة الشرقية، من أحمد بن بلة إلى عبد العزيز بوتفليقة، وسنعرض لخبايا «الإهداء» الفخري الذي يدرس بعناية، وذلك من خلال مذكرات مجموعة من صناع تاريخ الجزائر.

الحسن الثاني يهدي 23 سيارة لحكومة بن بلة
في أول زيارة للملك الحسن الثاني إلى الجزائر عقب حصولها على الاستقلال، وتحديدا في مارس 1963، تم تأويل مساعدة المغرب للبلد حديث الاستقلال، على نحو آخر، روى عبد الهادي بوطالب في حوارات «نصف قرن تحت مجهر السياسة» خص بها صحيفة «الشرق الأوسط» قبل رحيله، تفاصيل الاجتماع والأجواء الباردة التي ميزته وانقباض الرئيس بن بلة، رغم أن هذا الأخير هو من وجه الدعوة للملك الذي كان قد أعلن عن زيارة وشيكة إلى الولايات المتحدة تلبية لدعوة الرئيس الأمريكي، لكنه أخرها وأعطى الأسبقية لزيارة الجزائر.
يقول بوطالب: «رافقته بوصفي وزير الإعلام والشباب والرياضة. وأتاحت لي هذه المرافقة أن أتعرف على الجزائر لأول مرة. أعد الملك الحسن الثاني كل ما يلزم لتعكس زيارته مشاعر المودة والأخوة والتعاطف المتأصلة بين شعبي المغرب والجزائر، وحرص على أن يحس القادة الجزائريون بدفء حرارة العواطف المخلصة التي يكنها لهم ملك المغرب، ففجر منها شحنات دافقة بالعطف، وأطلق للإعراب عنها يده سخية مِعطاءة حيث حمل معه متنوع الهدايا، وكان من بينها 23 سيارة مرسيدس من النوع الكبير جاءت من مصانعها بألمانيا إلى المغرب ليلة الزيارة، فوضعها في خدمة الوزراء الجزائريين الثلاثة والعشرين الذين كانوا يشكلون حكومة بن بلة.
تقبل الرئيس الجزائري الهدية على مضض، «لم يضحك بنبلة قط ولا ابتسم، إلا مرة واحدة خلال لقاء لم يحضره الملك الحسن الثاني تحلَق فيه حوله الوفد المغربي والوفد الجزائري في جلسة استراحة واسترخاء، حين بادر عبد الكريم الخطيب وزير الدولة في الشؤون الأفريقية، الذي رافق الملك إلى ارتجال نكتة حين قال: «ألا تفكرون فخامة الرئيس في إدخال تعديل على حكومتكم أعتبره منطقيا، إذ به تضعون الرجل الصالح في المكان الصالح، فتسندون وزارة تربية المواشي إلى الوزير بومعزة، ووزارة التموين إلى الوزير بوخبزة، وتضعون الوزير بومنجل في وزارة الفلاحة، والوزير بوتفليقة على رأس الأمن. وكانوا جميعهم على رأس وزارات أخرى. فتوزعت مشاعر الرئيس، بين كبح الغضب وفهم بلاغة النكتة، فاحمر وجهه، وتزحزحت شفتاه في مشروع ابتسامة لم تقو على شق طريقها».

الأسير حسني مبارك «هدية» من الحسن الثاني لعبد الناصر
أعلن الرئيس المصري جمال عبد الناصر مساندته غير المشروطة للجزائريين في حربهم ضد المغاربة، «حرب الرمال» وكشف بالواضح عن دعمه المادي والمعنوي لبن بلة، لأن جمال لم يكن يكن ودا للملك محمد الخامس والحسن الثاني، وملوك العرب قاطبة، وهو الذي أجهز على الملك فاروق. أرسلت مصر حوالي ألف جندي مصري لدعم الجيش الجزائري ضد القوات المسلحة الملكية المغربية بالإضافة إلى عتاد حربي، وكان حسني مبارك ضمن هؤلاء، لقد جاء على متن طائرة لتفقد الوضع قبل أن يقع في الأسر.
حسب رواية للضابط الكرزازي الذي أسر حسني مبارك، باعتباره قائد سرب للطيارات، كانت الطائرة المروحية التي تقل المصريين الستة تقوم بجولة استطلاعية على الحدود المغربية- الجزائرية في مكان اشتباكات الجيشين، غير أنها غابت عن الأنظار. البعض يقول بسبب عاصفة رملية، والبعض الآخر يقول بسبب تيه ربان طائرة الهيلكوبتر، التي نزلت في الشرق المغربي بشكل اضطراري، «تمت محاصرتها من طرف سكان محاميد الغزلان وقائد المنطقة الذي أخبر القيادة العسكرية بمراكش حول وجود مصريين ثلاثة منهم برتبة عقيد اعتبروا صيدا ثمينا بالنسبة للحسن الثاني الذي قدم المعتقلين المصريين خلال ندوة صحافية في نهاية أكتوبر 1963، وكان بينهم حسني مبارك، وهناك من يؤكد وجود عضو مجلس قيادة الثورة الجزائرية شريف بلقاسم ضمن الأسرى». كما جاء في رواية محمد لومة.
وذهبت ذات الرواية إلى حد القول بأن المواطنين ربطوا الأسرى كما ربطوا الطائرة مع نخلة خوفا من معاودة الطيران، قبل أن يتم أسرهم في دار التازي وقيل دار المقري، لكن الطيار المغربي صالح حشاد روى تفاصيل اعتقال حسني مبارك، في شهادته على العصر لقناة الجزيرة، وقال: «كانت القيادة العليا للجيش موجودة في مراكش خلال تلك الفترة، والتي كان على رأسها الجنرال محمد أوفقير، الذي أعطى أمرا صارما لطيار صديق لي، بأن يذهب إلى أرفود ويحضر هؤلاء الضباط المصريين، وهو ما جرى بالفعل، إذ استقل طائرة وأحضر الأسرى المصريين إلى مراكش، وظلوا معتقلين إلى أن قرر الملك الراحل الحسن الثاني، بعد أن انتهت الأزمة وانفرج التوتر بين مصر والمغرب، أخذهم معه في طائرة ليسلمهم للرئيس الأسبق الراحل جمال عبد الناصر، بعد أن قام بإطلاق سراح كل الجنود الأسرى بسبب الحرب في مدينة مراكش».
اختار الحسن الثاني تسليم الأسرى المصريين لجمال عبد الناصر في مطار القاهرة، حين توجه إلى مصر لحضور قمة عربية، حيث توجهت طائرة تحمل حسني مبارك ورفاقه الأسرى وانتظرت في مطار القاهرة إلى حين وصول طائرة الملك، وبعد انتهاء البروتوكول الرئاسي، قدم للحسن الثاني إكليل زهور، قبل أن يتوقف الملك ويقول لجمال عبد الناصر، هديتي إليك أكبر من مجرد إكليل، وكشف له عن مضمون الهدية التي هي عبارة عن أسرى دفعهم جمال إلى حرب الرمال في ما يشبه المجازفة.

الحسن الثاني يهدي مطعما لكاتب النشيد الوطني الجزائري
غضب هواري بومدين كثيرا من شاعر الثورة الجزائرية مفدي زكريا، على خلفية قصيدة مدح للملك الحسن الثاني وأخرى في حق الحبيب بورقيبة، في عز التوتر الدبلوماسي بين الجزائر والمغرب في 1975، واتهمت بعض الصحف الجزائرية الشاعر الجزائري بالحصول على امتيازات مثلما كان يفعل شعراء البلاط.
في بداية 1956 طلب من مفدي زكريا كتابة نشيد وطني يعبر عن الثورة الجزائرية.. وخلال يومين فقط جهز شاعر الثورة نشيد «قسما بالنازلات الماحقات»، انتقل الشاعر إلى مصر لتلحينه، تبرع الموسيقار المصري محمد فوزي بتلحين النشيد «هدية للشعب الجزائري» واقتنعت جبهة التحرير باللحن، لكن مفدي ظل مهمشا، ومع تأسيس الإذاعة الجزائرية تم توظيفه كمقدم برنامج صباحي، مقابل راتب هزيل، مما دفع بشاعر الثورة إلى الثورة على الوضع والرحيل إلى تونس، حيث أهداه بورقيبة سينما المونديال بوصفه شاعر المغرب العربي. ثم أهداه الملك الحسن الثاني مطعما فخما في الرباط. وهو ما جعل القراءات تلف الموضوع، بل إن بعض المقربين من الرئيس الجزائري أوهموه بأن إهداء مطعم لشاعر جزائري يعيش على الهامش هي إشارة لإطعام عزيز قوم.
«شكلت هدية الحسن الثاني هاجسا للرئيس الجزائري بومدين، الذي قرر صيف سنة 1966، تغيير النشيد الوطني الجزائري، وكلف مستشاره مولود قاسم نايت بلقاسم بإجراء مسابقة للشعراء الجزائريين لوضع نشيد وطني آخر للبلاد بدلا من نشيد «ذلك الشاعر الذي بات يمدح أعداء البلاد في تونس والمغرب»، على حد قول بومدين. ولكن مولود قاسم الذي كانت تجمعه علاقة صداقة بمفدي زكريا، تمكن من إقناع هذا الأخير بدخول المسابقة، وهو ما حدث بالفعل، ليكتشف مستشار الرئيس بومدين في النهاية بأن النشيد الفائز ليس إلا لشاعر الثورة مفدي زكريا. ومع هذا الموقف المستفز، فإن الرئيس بومدين لم يأمر إطلاقا بالتضييق على مفدي زكرياء، ولا ملاحقته بأي شكل من الأشكال، لكن هناك من أدار الظهر للرجل، خوفا من غضب السلطة». يقول محيي الدين عميمور للشروق.
تفهم شعراء الجزائر سر غضب الرئيس بومدين على شاعر جزائري كبير لمجرد أنه امتدح الملك الحسن الثاني وتحدث عن مناقبه في قمة الصراع بينه وبين هواري، لذا نفي الرجل طوعا إلى المغرب ودفن في تربته.

الجيشان المغربي والجزائري يتبادلان الهدايا
قامت كتيبة من مدرسة أهرمومو باستعراض عسكري في العاصمة الجزائرية، بدعوة من الجزائر، في مطلع سنة 1970، وأغلب المشاركين في الاستعراض الذي شهدته العاصمة الجزائرية بمناسبة عيد الاستقلال، شاركوا في انقلاب الصخيرات بعد سنة أي في 1971، ونالت التجريدة المغربية تصفيقات الجماهير الجزائرية التي حضرت الاستعراض الحاشد، يقول محمد متقي الله رئيس جمعية ضحايا هرمومو، «لقد قمنا بتدريب قبل الاستعراض وقمنا بمعاينة مكان الاستعراض الذين كان قريبا من كورنيش المدينة، ونلنا تصفيقات الحاضرين بعد الأداء الرائع للكتيبة المغربية التي كانت مدربة في مدرسة هرمومو التي كان يشرف عليها حينها الضابط أمقران». حمل أمقران هدايا إلى القيادة العسكرية، عبارة عن مجسم لمدفع، وقال أمين وزارة الدفاع الجزائرية ساخرا وهو يتسلم الهدية: «هذه هدية ملغومة. لاحظوا أن فوهة المدفع مصوبة نحو الشرق أي الجزائر، فضحك الجميع».
يقول الشادلي بن جديد في مذكراته إن هذه المرحلة تميزت بالاحترام المتبادل وحسن الجوار وتجنب الطرفين لهجة التصعيد. من مظاهر هذه السياسة الجدية تكليف بومدين كبار ضباطه بالمشاركة في الاستعراض العسكري الضخم الذي أقيم في الرباط. «كنت جالسا إلى يمين الملك الحسن الثاني داخل قمرته، وكان شقيقه مولاي عبد الله إلى يساره. اندهشت الوفود الأجنبية الأخرى لحفاوة الاستقبال والمقام الرفيع الذي خصنا به الملك. فلم يكن مألوفا أن يجلس أي وفد أجنبي جنب الملك، مهما عظم مقامه وسمت صفة تمثيله. وكان أحد الجنرالات واقفا إلى يميني إلى الخلف قليلا. كلفه الملك بأن يشرح لي ويعلق على مجريات الاستعراض الذي شاركت فيه تشكيلة عسكرية جزائرية. خلال تلك الزيارة قلدني الملك وساما ملكيا. ومن أطرف ما حدث خلالها هو أن حامل العلم الوطني، ضابط الصف شقيقي عبد المالك بن جديد. رفض تنكيس العلم الوطني لدى مرور الملك أمام التشكيلة العسكرية الجزائرية، وحين سئل عن سبب ذلك أجاب: «العلم الذي ضحى من أجله مليون ونصف المليون شهيد لا ينكس».
يرصد الشادلي جوانب من هذه الظرفية في مذكراته حين يقول: «عاد التوتر إلى العلاقات الجزائرية المغربية، إلا أن البلدين تجاوزا حالة الحرب رغم الحملات الإعلامية المتبادلة. لا غالب ولا مغلوب ديبلوماسيا. ولم يتم اللقاء الذي كان مرتقبا في بروكسيل بين الرئيس هواري بومدين والملك الحسن الثاني. وفي نهاية سبتمبر علمنا بمرض الرئيس بومدين بعد عودته من اجتماع جبهة الصمود والتصدي في دمشق. وفي 27 من الشهر نفسه، توفي الرجل. وظلت الوضعية متأزمة إلى أن التقيت الملك الحسن الثاني على الحدود في 26 فبراير 1983 وقررنا إعادة فتح الحدود بين البلدين التي ظلت مغلقة منذ 1975».

غضب الرباط من وديعة ليبية في بنك الجزائر
خصص الوزير الجزائري السابق محيي الدين عميمور في كتابه «نحن والعقيد»، حيزا للحديث عن المد والجزر الذي ميز العلاقات الليبية الجزائرية، وأشار إلى حالة التوتر التي ميزتها منذ أن بدأت مواقف العقيد معمر القذافي تخرج عن النص، لكن الكتاب يعترف بالدعم المالي المخصص من ليبيا للجزائر بعد تأميمها للنفط في فبراير سنة 1971. «كانت الوديعة المالية التي وضعها العقيد في البنك الجزائري حتى نهاية نفس السنة بادرة صداقة وأخوة لم تنسها الجزائر حتى يومنا هذا»، دون أن يكشف الرجل عن القيمة المالية للدعم الليبي.
كان ظاهر سخاء القذافي تضامنيا ولكن باطنه كان عبارة عن مؤامرة موجهة ضد النظام المغربي، ظهر ذلك جليا من خلال ما دار بين معمر والهواري يوم 10 يوليوز 1971، وتحديدا يوم انقلاب الصخيرات.
في زوال نفس اليوم توصل الرئيس بومدين بكل التفاصيل المتوفرة عن الانقلاب الذي قامت به مجموعة عسكرية ضد الملك الحسن الثاني، وظل الرئيس ملازما مكتبه إلى أن تمكنت مصالح الرئاسة من فتح خط هاتفي تحدث فيه الرئيس مع الملك مباشرة، والذي أعطاه عرضا عن أهم التطورات وأكد له أنه استرجع السيطرة على الأوضاع. تبين لبومدين أن الحسن الثاني يمارس سلطاته بشكل عادي وسمع لازمة «عاش الملك» وهي تتسلل عبر المكالمة، لكن ما أن وضع السماعة حتى تلقى الرئيس الجزائري مكالمة من القذافي. «كنت بجانب الرئيس بومدين عند مكالمته مع القذافي، وسمعت الرئيس يقول له بهدوء بأن ما حدث في قصر الصخيرات هو من نوع انقلاب القصور، وبأنه تحدث مع الملك وبأن الأمور عادت إلى نصابها. ولاحظت أن الرئيس بدأ يتوتر ويرفع صوته وهو يعيد ما سبق أن قاله، ويؤكد بأنه ليس هناك ضباط أحرار ولا هم يحزنون، وعندما أغلق الرئيس الهاتف قال لي ساخطا: العقيد يريد أن يرسل طائرات ليبية لقنبلة قصر الصخيرات، دعما لمن أسماهم الضباط الأحرار. ويتوقف الرئيس لحظات ليقول: أنا متأكد من أن العقيد لا يملك حتى خريطة سياحية يعرف منها أين يقع القصر الملكي، وأين تتواجد الصخيرات». على حد قول الكاتب.
اختلطت الأمور على معمر وظل يتحدث في لقاءاته الصحفية عن انتفاضة أهالي الصخيرات، قبل أن ينتبه بأن الهجوم استهدف أحد قصور الملك الشاطئية، وأن سكان مدينة الصخيرات لا علاقة لهم بالواقعة.

وفد مغربي يرفض هدايا القذافي للوفود العربية
يعترف قادة الجزائر بأن معمر القذافي قد استمد قوته من الشادلي بن جديد، حيث كان يتمادى في تخطي الأعراف البروتوكولية التي تفرضها الأدبيات السياسية بين الدول، من بينها موقف العقيد الليبي في مؤتمر القمة العربي السادس الذي عقد في الجزائر شهر نونبر 1973، عندما قام باختطاف قفاز شرطي في فندق الأوراسي قبل مصافحة الملك الحسن الثاني احتجاجا على ما ادعاه من علاقات مع إسرائيل.
في هذه القمة العربية حرص معمر على حضور المؤتمر بملابس عسكرية ويتدلى من الجانب الأيسر من خاصرته مسدس في جراب، أجمع سياسيو الجزائر بأن المشهد أثار قلق الرئيس بومدين الذي التفت إلى ضيفه في مدخل قاعة الاجتماعات قائلا: «نحن داخلون للتحاور وليس للحرب، فانزع هذا المسدس». وعلى الفور نزع القذافي حزامه وسلمه لأحد مرافقيه.
ظل الملك يرفض لقاء القذافي على هامش أشغال المؤتمرات العربية والإفريقية والإسلامية، بل إن الوفد المغربي أعاد هدايا وزعها أفراد اللجنة الشعبية التي كانت ترافق العقيد إلى المؤتمر، واستاء موفد مصر من تصرفات معمر خاصة خلال مناقشة العلاقات العربية الأمريكية، واعترف الجزائريون أن زيارة العقيد كانت فرصة لطلب دعم للبوليساريو الذي كان في طور النشأة، بينما بدأ الدعم الجزائري رسميا لهذا الكيان بعد الاجتماع الذي عقده المغرب وموريطانيا والذي تمخض عنه تقسيم المنطقة بين الطرفين قبل أن تتخلى نواكشوط عن حصتها وتعلن الانسحاب.

خلية أزمة ترفض «لبطاين» المغربية
بعد مرور عشر سنوات على زلزال أكادير، وتحديدا في يوم الجمعة 10 أكتوبر 1980، ضرب زلزال مدمر الجزائر، كان مركزه منطقة الأصنام وبلغ 7.3 درجات على سلم ريشتر. وصف بأعنف زلزال في تاريخ الجزائر.
كانت ضربة الزلزال على دفعتين، مما رفع عدد الضحايا وحول الجزائر إلى دولة منكوبة، فتوقفت الحياة في شرايين الأصنام، التي أصبحت اسما على مسمى، بعد أن تحولت إلى أطلال فيما هلك الآلاف تحت الأنقاض ومنهم من ظل طويلا ينتظر انتشاله من الموت في بركة الدمار والتشرد والهلع والدموع.
خلّف الزلزال آلاف القتلى ومئات الآلاف من المشردين والمعطوبين، ووصل مداه إلى العاصمة الجزائر، وتحولت المدينة إلى مخيم للناجين من الموت، مما حرك بركة التضامن الراكدة بين المغرب والجزائر، رغم أن الزلزال تزامن مع حالة الاحتقان التي عرفتها العلاقات بين الجارين ومع الجفاف الرهيب الذي ضرب القطرين.
سبق حلول عيد الأضحى بأيام قليلة، فامتنع الجزائريون عن شراء أضحية العيد، وأعلنوا الحداد، بينما قرر الملك الراحل الحسن الثاني تضامن المغرب مع الجارة الشرقية بطريقة اعتبرها الجزائريون مستفزة، خاصة إذا وضعت في سياقها التاريخي، ودعا المغاربة إلى التضامن مع الشعب الجزائري في محنته بتخصيص جلود أكباش العيد لضحايا الزلزال، أي «البطانة». سهرت السلطات المحلية آنذاك على جمع هذه «البطانات» وتكديسها في شاحنات صغيرة كان يتواجد فيها أعوان السلطة.
رفض الشادلي بن جديد استلام «المساعدة»، وقال له أفراد من حاشيته، «كيف يأكل المغاربة لحم العيد ويرسلون لنا البطاطين»؟، وهو ما حول التضامن إلى نقطة خلاف جديدة في مسلسل الأحقاد بين البلدين.

بن جديد يترك هدية أوفقير في المامونية
ارتبط الجنرال محمد أوفقير بشبكة علاقات واسعة مع كبار المسؤولين العسكريين في الجزائر، وظل في جميع لقاءاته يتحدث عن جذوره الجزائرية، وعائلته التي تنحدر من سيدي بلعباس ويفخر بانتمائه لجيل الضباط الذين ترعاهم فرنسا وتتبناهم، لذا حرص أوفقير على صبة الرحم مع رفاقه الجزائريين وكان يستغل كل اجتماع لنشر دعوة الثورة على النظام التي تسكن وجدانه.
في الجزء الأول من مذكرات الرئيس الجزائري السابق الشادلي بن جديد، يتحدث هذا الأخير عما وصفه بعملية «جس النبض» التي قام بها موفد أوفقير لقياس مدى جاهزية الجزائر للتعاون مع الانقلابيين.
«ذهبت إلى مراكش ونزلت في فندق المامونية الفخم، الذي كانت تطيب فيه الإقامة لرئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل. كنت متعودا على النهوض باكرا وتناول فطور الصباح في البهو، في ذلك اليوم كنت وحيدا، اقترب مني شاب واستأذن بالجلوس، بدا لي سلوكه مريبا وبعد تردد طلب مني العمل على وقف مشروع الوحدة بين مصر وليبيا، ريثما يطيحون بالحسن الثاني ويقيمون نظاما جمهوريا لاتحاد المغرب العربي الكبير». وقبل أن يغادر مبعوث أوفقير الفندق طلب من الشادلي تسلم هدية من مكتب الإرشادات كانت عبارة عن تحف من الصناعة التقليدية، لكن المسؤول العسكري الجزائري لم يطلبها من موظف الاستقبال تجنبا لأي إشكال. بينما ظل هذا الأخير يتساءل عما إذا كان حواره مع موفد أفقير مجرد اختبار لمدى استعداد الجزائر للتعاون مع الانقلابيين.
بالمقابل كان العقيد الجزائري عبد القادر شابو، الأمين العام لوزارة الدفاع الجزائري، يتوصل بهدايا كثيرة من صديقه محمد أوفقير بمناسبة أو بدون مناسبة. «يوم مات شابو في حادث تحطم مروحية سنة 1971، حضر أوفقير الجنازة وبكاه بدموع حارة، كانت هناك معلومات عن تنسيق سري بين شابو وأوفقير وضابط تونسي خدم هو الآخر في الجيش الفرنسي لتنظيم انقلابات في دول المغرب العربي الثلاث وإقامة نظام سياسي موحد برعاية من فرنسا، من أجل حماية مصالحها في هذه البلدان».

هدية الحسن الثاني لبوتفليقة يوم وفاته
وصفت الصحف الإسرائيلية اللقاء بين عبد العزيز بوتفليقة، على هامش جنازة الحسن الثاني، ومصافحته لرئيس الحكومة الإسرائيلية إيهود باراك، بالتاريخية، ساعات على وفاة الحسن الثاني يوليوز 1999، حيث عرفت جنازة الحسن الثاني تدفق زعماء ورؤساء من مختلف دول العالم. وغطت مصافحة بين بوتفليقة وباراك، على اللقاءات الثنائية والثلاثية والرباعية التي جرت على هامش الجنازة لتصبح المصافحة موضوعا مفضلا لوسائل إعلام عربية وإسرائيلية وعالمية..
قالت مراسلة صحيفة معاريف الاسرائيلية وكتابات صحافيين عرب، وهم يدونون الواقعة، إنه في يوم الأحد 25 يوليوز 1999، وبينما كان باراك ينتظر في باحة القصر الملكي في الرباط ترتيبات جنازة العاهل المغربي الحسن الثاني، مر من أمامه العاهل السعودي فهد بن عبد العزيز، فتجاهل باراك الذي كان مستعدا لمصافحته، ثم مر علي عبد الله صالح الرئيس اليمني فتجاهله هو الآخر، وعندما ظهر الرئيس الجزائري من بعيد، التمس باراك من رافي إدري وروبير أسراف، وكلاهما من أصول مغربية أن يتوجها نحو بوتفليقة الذي جاء إلى حيث يقف باراك، بدون تردد، وصافحه بحرارة قائلا «لم تكن لنا أبدا مشكلة مع إسرائيل». وبدت المصافحة التي تمت بالصدفة وكأنها الخطوة التي كشفت ما خفي من علاقات بين الجزائر وإسرائيل أو جبل الجليد، تبعا لوصف صحف إسرائيلية وفرنسية، ووصف بوتفليقة من صحافة بلاده بالشجاع الذي حقق اختراقا لم تجرؤ عليه السياسة الخارجية الجزائرية سابقا. تلك المصافحة التاريخية جعلت أحد الصحافيين الجزائريين يقول «الحسن الثاني دارها ببوتفليقة حتى وهو ميت».
لكن التلفزيون الجزائري الذين نقل المصافحة، عمل على بتر تلاقي يد الرئيس الجزائري ورئيس الوزراء الإسرائيلي، كما ركزت الصور التي صدرت في الصحف الجزائرية على مقابلة وجها لوجه بين الرجلين.

الحسن الثاني يعيد بوضياف للجزائر على طائرة مغربية
تسببت عودة محمد بوضياف إلى الجزائر على متن طائرة تابعة للخطوط الملكية المغربية في احتقان داخلي لمعارضي عودته، واعتبروا الأمر رسالة مشفرة للجزائريين، تقول إن الجزائر ستصبح ملحقة شرقية للمغرب.
بعد اعتقاله في الجنوب الجزائري لمدة ثلاثة أشهر، اختار محمد بوضياف المنفى في المغرب حيث واصل نشاطا معارضا ضد نظامي الرئيسين بن بلة وبومدين. وبعد أن استحوذ الإسلاميون على الحكم قررت القيادات السياسية في الجزائر اللجوء إلى بوضياف ودعوته للمساهمة في إنقاذ البلاد من الفراغ السياسي إثر إيقاف المسار الانتخابي. وتقرر استدعاؤه ومنحه شرف رئاسة البلاد. كان الرجل يقيم في مدينة القنيطرة شمال العاصمة الرباط، حيث يشرف على إدارة مصنعه المختص في إنتاج الآجر، وكان مترددا في تلبية مقترح رفاق دربه، ولكن ضغوطات عائلية شجعته على قبول ما كان قد رفضه في 1962. توجه إلى المغرب قائدان جزائريان لإقناعه بجدوى العودة ومسك خيوط الحكم وهما علي هارون وأبو بكر بلقايد وكانا من أعز أصدقائه. قالا له أنت «الرجل الذي تحتاجه وتنتظره الجزائر، كل الجزائر». كان من الصعب إقناع بوضياف الذي قضى 28 سنة معارضا لحكم بن بلة ثم بومدين، وبعد وفاة هذا الأخير خفت صوته تماما، وحل حزب الشعب الذي كان يرأسه، وقرر التفرغ والاعتناء بأسرته وإدارة مصنعه.
استقدم بوضياف إلى الجزائر العاصمة، سرا وعلى عجل، للقاء كبار الجنرالات. قبل أن يستقبل رسميا في 16 يناير، استقبال الرؤساء. كان الجنرالات قد استقدموه لكسر شوكة الإسلاميين الذين فازوا بالانتخابات لكنه خرج عن طوعهم، إذ فاجأ الجميع في أول تصريح له بالمطار، حين قال إنه جاء لمحاربة المفسدين كيفما كانت انتماءاتهم.
اغتيل بوضياف في 29 يونيو 1992، بقصر الثقافة وهو في تجمع خطابي، صنفت القضية في خانة جرائم التصفية السياسية، وسجلت ضد ملازم عسكري، لكن النخب الجزائرية أجمعت على أن القتل كان مدبرا، وأن القياديين الذين جاؤوا ببوضياف هم الذين قتلوه.
حسب تصريحات أحمد عصمان فإن زوجة الرئيس الراحل محمد بوضياف، كانت تتصل به بشكل مستمر قبل عودة زوجها إلى الجزائر، وكانت تترجاه أن يطلب من الملك الحسن الثاني ثنيه عن العودة إلى بلاده، لأنها كانت متأكدة أنهم سيقتلونه بمجرد عودته وذلك ما حدث بالفعل. لكن كثيرا من القيادات الجزائرية عبأت مناوئيه حين اعتبرت وصوله إلى الجزائر على متن طائرة تابعة للخطوط الملكية الجوية المغربية رسالة إلى من يهمه الأمر تقول مضامينها إن الحسن الثاني هو المحتضن الرسمي للرئيس الجديد وأن الرباط عثرت على الرئيس المناسب للمنصب المناسب في الظرف السياسي المناسب.

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة