هذه قصة قسم الجنايات الذي أحدث بالقصر الملكي سنة 1933

هذه قصة قسم الجنايات الذي أحدث بالقصر الملكي سنة 1933

«كيف يمكن أن يكون هناك قسم للجنايات داخل القصر الملكي، يرأسه علماء دين وقضاة نافذون، يستأمنهم القصر الملكي على البت في ملفات وقضايا كانت معروضة على المحاكم العرفية، وعلى قضاة آخرين لم يجدوا حكما مناسبا للنطق به في قضايا رأوا في الفصل فيها مسؤولية كبيرة. جاء ظهير شريف من القصر الملكي على عهد الملك محمد الخامس، في أولى سنوات حكمه، يقضي بإحالة قضايا المحاكم العرفية على قسم خاص بالجنايات كما عرفه ذلك الظهير».

وثيقة رفعت عنها السرية تشرح كيف مهد ظهير 1933 للبت في الجنايات
«عندما تجتاز البوابة الخشبية الكبيرة والخدم يحيطون بك من كل جانب، تحس أنك لم تعد تملك نفسك، وأنه يتعين عليك أن تلتزم بالقواعد المعمول بها. كل شيء هنا مسطر سلفا، ولا يمكن أن يترك المشرفون على الترتيبات أي شيء للصدفة». الكلام هنا لأحد المستشرقين الذين كتبوا عن الإسلام في شمال إفريقيا، وكان يوقع بعض مقالاته التي صدرت في منشورات جامعية في العاصمة البريطانية لندن، باسم السيد «هاملتون». كتب أنه زار القصر الملكي وتوسط له السفير البريطاني في المغرب شخصيا لكي يلتقي بالملك من أجل بحث جامعي، ويتحدث إلى مستشاريه والمقربين منه للوقوف على النموذج المغربي في التشريع والفصل في الأحكام القانونية استنادا إلى النصوص الدينية.
في سنة 1933، صدر ظهير شريف أحدث بمقتضاه قسم جنائي عرفي بالقصر الملكي، كانت مهمته النظر في القضايا والأحكام العرفية الصادرة عن الجماعات والقبائل. وقد جاء في كتاب رتب الأحداث التي عرفها المغرب خلال قرنين بما في ذلك أبرز الوفيات التي مرت في المئتي سنة ما بين القرن 18 و19، ما يلي: «وفي الثالث عشر ذو الحجة صدر ظهير شريف أحدث بمقتضاه قسم جنائي عرفي في الأعتاب الشريفة ينظر في الأحكام العرفية الصادرة عن الجماعة البربرية وقد تأثر الشعب المغربي بأكمله ولكن لا مناص».
هذه الإشارة التوثيقية التي تعود إلى سنة 1933، تكشف أن التحول الكبير في منظومة العدالة خلال تلك الفترة قد شهدت خلخلة كبيرة، خصوصا أن الناس كانوا متذمرين كثيرا من بعض الأحكام القضائية التي أصدرها قضاة في مدن كثيرة من المغرب، وتناولت بعض الكتب التاريخية قصصا مثيرة لهؤلاء القضاة والقضايا الغريبة التي عرضت عليهم، بالإضافة إلى قضايا أخرى احتج أحد الأطراف المتحاكمة فيها على الحكم، فكان أن أحدث القسم الجنائي الذي كان تابعا للقصر الملكي مباشرة، ينظر فيه الملك بشكل مباشر في القضايا الغامضة أو المثيرة التي تعرض عليه، ويحيلها على مجلس من العلماء والقضاة المقربين من القصر للبت فيها.
بعد معاهدة الحماية كان الرهان الفرنسي هو التغلغل في المغرب أكثر فأكثر. إذا عدنا إلى تاريخ إنشاء قسم الجنايات سنجد أنه جاء متأخرا عن الفترة التي كانت فيها فرنسا تراهن على الضغط على المغرب لاستصدار الظهائر التي تساهم في تطويق القبائل وتجريدهم من السلط لإضعافهم، وبالتالي فإن الربط بين قسم الجنايات والإرادة الفرنسية لا يمكن أن يكون قائما، ولا يجد المتخصصون أيضا رابطا بين السياقين.
جرت مياه كثيرة تحت الجسر، منذ دخول أول جندي فرنسي إلى المغرب، ولا شك أن تقوقع القبائل حول نفسها والصراعات الدامية التي كانت بين رجال السلطة وبين هذه القبائل، أدت إلى الخروج بظهير تأسيس قسم الجنايات الذي يشرف عليه القصر الملكي لاحتواء القبائل التي كانت تستقل عن الدولة إداريا وقضائيا، ويجبرون على أداء الضرائب للدولة، لتكون علاقتهم بها اقتصادية فقط.
مع مجيء ظهير قسم الجنايات، تكون الدولة المغربية قد فرضت على القبائل الخضوع لنفس السلطة القضائية الكائن مقر تشريعها في القصر الملكي بالرباط، والتي يشرف عليها الملك شخصيا بمعية علماء وقضاة يبدون رأيهم في كل ما يعرض على القسم من قضايا.
لنقف أولا عند المحاكم العرفية، لأنها كانت المستهدف الأول بهذا الظهير. لم تكن الرغبة العليا في البلاد تهدف إلى إلغاء المحاكم العرفية، بقدر ما كان الهدف يرمي إلى احتوائها على الأقل وإخضاعها للمراقبة ومراجعة أحكامها.
لا يوجد، للأسف جرد واضح للأحكام التي صدرت من المحاكم العرفية في ذلك الوقت، لكن بعض المؤرخين ذكروا أن هذه المحاكم عرضت عليها قضايا غاية في الغرابة وكانت الأحكام التي صدرت بشأنها تحتاج فعلا إلى المراجعة على يد كبار العلماء والمتفقهين في الدين والعارفين بالأحكام الشرعية.
لكن وحتى نكون عادلين، فإن مجالس القضاء الرسمية التي عينتها الدولة ووضعت فيها قضاة تم اختيارهم برضى أعلى سلطة في البلاد، كانوا بدورهم يحيلون بعض القضايا المعروضة عليهم إلى القصر للتداول فيها قبل البت النهائي فيها، وهذا يعني أنهم لم يكونوا مؤهلين لتحديد الأحكام أو العقوبات بشكل دقيق. بالإضافة إلى أن الدولة قامت بإعفاء عدد من القضاة على مر المائة سنة التي سبقت الظهير الذي أسس قسم الجنايات، في ظل الصراعات التاريخية حول الحكم، حيث كان يتم العصف بالقضاة مباشرة بعد انتهاء فترات الحكم، وتحول المسؤولية إلى الوريث المقبل، وهذا الأمر كان يبعث على عدم الارتياح لدى القضاة، خصوصا وأن حربا طاحنة دارت رحاها بينهم، بخصوص الأحقية بالفوز بمنصب القضاء في مدن بارزة كفاس ومكناس ومراكش.
كيف كان هذا الجهاز الحساس يبت في القضايا بعد إنشاء قسم للجنايات داخل القصر وليس خارجه؟ سيكون من المثير الوقوف عند مرحلة مفصلية من تاريخ المؤسسات في المغرب.

هكذا كان الناس ساخطين على قسم الجنايات في القصر الملكي
لم يكن من السهل على الناس أن يتقبلوا وجود قسم للجنايات داخل القصر، خصوصا أن ولوجه كان أبعد ما يكون عن خيالهم.
قسم الجنايات، أحدث لغرض سياسي يرمي إلى إبقاء المحاكم العرفية في الجنوب تابعة لجناح أعلى سلطة في الرباط، وهكذا كان هذا القسم يبت في أغلب القضايا التي كانت تعرض على تلك المحاكم العرفية، ويعارض بعضها، وهو ما كان يجعل البت في الشكاوى والقضايا يأخذ وقتا أطول مما يجب، سيما أن الأحكام تكون قد صدرت في المحاكم العرفية التي كانت تقام في الأسواق الأسبوعية أو بنايات تتخذ خصيصا للبت في النزاعات بين القبائل، في جبال الأطلس، ومناطق أخرى كان الوصول إليها صعبا، لأنها اشتهرت بكثرة الثورات والحروب التي دارت على أرضها بين المخزن والسكان المحليين.
تتم إحالة الأحكام الصادرة في المحاكم العرفية، والتي يكون مصدرها دائما شيخ القبيلة ومجلس زعمائها، على قسم الجنايات ليراجعها، وحدث أن المجلس تحفظ بشأن عدد من الأحكام، وأخّر البت في أخرى كثيرة إلى حين التداول بشأنها، وهو ما كان يجعل المتهمين والمتقاضين معلقين بين الحياة والموت إلى أن يعيد قسم الجنايات النظر في القضايا المعروضة عليه.
دخلت مشاكل كثيرة على الخط، أولها الحساسيات العرقية التي جعلت بعض زعماء القبائل، خصوصا الأمازيغ، يرون في هيمنة قسم الجنايات، انتقاصا من سيادتهم، خاصة أن المحاكم العرفية في المغرب عرفت بأنها كانت في مرحلة من المراحل تمثل سيادة القبائل على نفوذها الترابي، خصوصا وأنها كانت تعين هيأة من الحكماء والوجهاء، يوكل إليهم أمر البت في نزاعات الناس والعدل بينهم.
إذا كان حدث خروج الظهير الشريف القاضي بإنشاء قسم الجنايات في القصر الملكي للبت في الأحكام الصادرة عن المحاكم العرفية، والذي تحدث صراحة عن الدور الذي أنشئ من أجله، قد اقترن في جميع المصادر التاريخية القليلة التي أتت على ذكره، بالاستياء العارم للناس، فإن القبائل «البربرية» ولا شك، لم تكن راضية أبدا عن قسم الجنايات، لأنه كان يبت في كل الأحكام الصادرة عن هذه المحاكم. ولكم أن تتصوروا كيف كان ثقل المحاكم العرفية ينزل على قسم الجنايات بالإضافة إلى ثقل محاكم أخرى كانت قريبة من مركز السلطة، وكانت الدولة تتحكم أيضا في تعيين القضاة الذين يتولون القضاء، ورغم أن هؤلاء القضاة كانوا تابعين لأعلى سلطة في البلاد، فإنهم كانوا أيضا يحيلون القضايا المستعصية على قسم الجنايات في القصر الملكي، وهو ما زاد من حجم الاستياء الشعبي خصوصا وأن البت في القضايا المتراكمة، كان يستغرق وقتا أطول، يزداد بطئا بتراكم القضايا.

محاكم عرفية كانت تخلق الحدث في المغرب
علينا أولا أن نرى كيف كانت تبدو المحاكم العرفية قبل إنشاء قسم الجنايات، الذي كان الغرض منه مراجعة أحكامها ومحاولة التحكم فيها. في جميع المصادر التاريخية، خصوصا منها الفرنسية، لم يأت أبدا أي ذكر للحياة اليومية المغربية بإيجابية، كان الكتاب الأجانب دائما يبحثون عن الصور السلبية لإبرازها، وأحيانا بكثير من التضخيم. جاء بطبيعة الحال ذكر المحاكم العرفية المغربية بداية القرن الماضي، ولم يكن التطرق إليها ليمر هكذا دون أن يعمق الصورة السلبية عن المغرب. فرغم أن بعض المؤرخين قالوا إن المحاكم العرفية لعبت دورا كبيرا في فك النزاعات بين الناس، بشكل مباشر قريب من همومهم، وبعيدا عن التراتبيات الإدارية القاتلة التي تمطط الإجراءات وتماطل في تناول الملفات، فإن الأغلبية صوروا المحاكم العرفية على أنها جحيم بصناعة مغربية.
الكلام هنا لطبيب ألماني، يعود إلى سنة 1922، كان قد جاء إلى المغرب رفقة وفد مختلط الجنسيات، وحلوا في ضيافة الباشا الكلاوي، الذي نظم لهم رحلة استكشافية بالخيول حتى يتعرفوا على المناطق التي يمكن أن يزاولوا فيها هواية الصيد. النص كما جاء بالإنجليزية بعد أن ترجم إليها من الألمانية، قد يكون أفقد النص الأصلي كثيرا من معانيه، وربما كثيرا من الحماس الذي عاش به هذا الطبيب تلك الأحداث. يقول: «قيل لنا إن خارج الإقامة التي خصصت لنا، يعقد سوق أسبوعي في السهل المنبسط كل أسبوع، وأن الغد سيصادف موعد إقامة السوق. نصحنا الباشا الكلاوي ألا نختلط مع الناس في السوق، وأكد لنا أنه سيخصص بعض الخدم التابعين له ليرافقونا ويضمنوا سلامتنا الجسدية من أي اعتداء مباغت، فقد كان أبناء المنطقة ينظرون إلى الأجانب بكثير من العداء، ولا يميزون بين فرنسي وأوربي آخر. كنت أتحدث الإنجليزية مع الجميع، لأني لم أجد من يتحدث الألمانية هنا. عندما دخلنا إلى السوق، بعد أن عرض علينا الباشا شخصيا هدايا كانت عبارة عن لباس مغربي جديد، ارتديناه جميعا على الفور حتى نخلق ألفة مع المكان والناس. كانت جولة قصيرة وعادية، وذكرتني بما عشته عندما زرت بعض القبائل الإفريقية قبل سنوات. لكن ما شد انتباهي أكثر، هو تجمع غير عادي قرب صخرة كبيرة نصبت فيها خيمتان كبيرتان، جلس فيهما على الأرض مجموعة من الشيوخ وكان بجانبهم شاب يرتدي جلبابا متسخا، يدون بقلم خشبي ما يملونه عليه في أوراق بنية داكنة. لم أجد تفسيرا لما كان يحدث، لأن الذين رافقونا في الجولة لم يكونوا يتواصلون معنا، بل كانوا يجرون خيولنا فقط ويشهرون أسلحتهم حتى لا يفكر أحد في الاعتداء علينا. كنت أرى بعض الناس الجالسين بخشوع كبير ويبدو عليهم الفزع وهم يتابعون ما يقوله أولئك الشيوخ، والشاب لم يكن يتوقف أبدا عن تدوين كلامهم في أوراقه». بعد أيام يكتب الطبيب الألماني في الأجزاء اللاحقة من مذكراته، إن جنديا فرنسيا التقاه في حانة في مدينة ورزازات، ودخل معه في دردشة جانبية شرح له فيها الأمور الغامضة التي لم يفهمها وبعض الكلمات العربية أيضا. أخبره أن المنظر الذي شاهده وسط السوق لم يكن إلا محكمة عرفية محلية، يترأسها بعض الفقهاء والشيوخ المسنين الذين يجمعون بين التجربة والدراية بالأمور الدينية والأحكام التي يستخرجونها من القرآن الكريم للعدل بين المتقاضين. لكن ما كتبه الطبيب الألماني يفيد أن الجندي الفرنسي أكد له أن هناك بعض الأحكام القاسية التي خلّف تنفيذها استياء كبيرا لدى بعض الضباط الفرنسيين خصوصا وأنهم كانوا يريدون إقامة محاكم فرنسية في المغرب، والقضاء نهائيا على المحاكم العرفية التي لم يكن ممكنا للفرنسيين المثول أمامها، في نزاعات وقضايا رفعها ضدهم مغاربة يتهمونهم بالسطو على أراضيهم. لكن أكثر ما كان يزعج الرباط بخصوص المحاكم العرفية، ليس فقط ما كان يجري داخلها، بل لأنها كانت مستقلة تماما عن الدولة. ولأنها أيضا كانت لا تخضع لمراقبة القضاة المقربين من القصر، والذين كانوا يمنحون التزكيات والتعيينات لقضاة متمكنين ليمثلوا الدولة في المدن التي يتم تعيينهم فيها، وهذا ما كان ينقص المحاكم العرفية، لأنها كانت مستقلة عن القصر. بمجيء الظهير الذي لم يتوقف عنده التاريخ كما يجب، وإحداث قسم الجنايات داخل القصر الملكي، للبت في أحكام هذه المحاكم العرفية ومراجعتها، تكون الدولة قد حاولت ضم المحاكم العرفية إلى جناحها، لكن بدا أن الأمر لم يسر بالسلاسة المطلوبة.

أحكام جائرة واتهامات باقتلاع الأعضاء وبتر الأرجل
سنة 1984، عثر أحد العمال الفرنسيين وهو يقلب بعض المكاتب التي كانت تشكل جزءا كبيرا من أرشيف إحدى المؤسسات العمومية على أوراق كانت مغلقة بإحكام في درج خشبي لأحد المكاتب المهترئة التي كانت موجهة لتعاد صباغتها حتى تستعمل في ديكورات أحد الأفلام السينمائية. كانت تلك الأوراق تتضمن مراسلات بين الإدارة المركزية في باريس، وبين ملحقة إدارية في الرباط سنة 1935، وكانت إحدى الأوراق التي كانت تحمل الرقم الآتي: Sec-19/35 تحمل رسالة يقدم صاحبها الذي وقعها بصفته مديرا لمصلحة لم يوضح انتماءها الإداري معلومات عن اجتماع هام حضره أحد الملحقين العسكريين الفرنسيين، تداول فيه المجتمعون ضرورة القيام بإصلاحات إدارية في المغرب، أولها إنشاء محاكم حتى يضمنوا للرعايا الفرنسيين محاكمات «عادلة» (لصالح الفرنسيين بالضرورة) في قضايا نزاع على الملكيات بينهم وبين المغاربة الذين كانوا مصرين على أن الفرنسيين أخذوا منهم ملكياتهم بالقوة. كان هدف الإدارة الفرنسية أن تشجع الفرنسيين على الاستقرار بالمغرب وكان صدى النزاعات قد وصل إلى فرنسا وهو ما جعل مواطنين فرنسيين يراجعون قراراتهم ويؤخروا مشاريع استقرارهم في المغرب إلى وقت لاحق.
ورد في المراسلة/الوثيقة، التي جاءت في 6 صفحات، مداخلة مهمة للملحق العسكري، ما يلي: «وعرض سيادة الملحق العسكري رأيه باقتضاب شديد وضح فيه إمكانية الاعتماد على القسم الجنائي التابع للقصر مباشرة، على أن يتم إنشاء نموذج فرنسي حديث يسهل لجوء الفرنسيين إلى القضاء، في حالة ما إذا اعتدى عليهم متمردون مغاربة. كما أكد أن النزاعات في المغرب صارت منذ إنشاء الظهير الشريف تعرف بعض التعقل في التعاطي معها وتضمن للمتقاضين إعادة النظر في الأحكام، خصوصا في القضايا غير العادية. لهذا السبب شدد الملحق العسكري على أن تتم طمأنة الرأي العام في فرنسا، وإخبارهم أن الأمور ليست كما يتم الترويج لها».
يكشف هذا الكلام أن القضاء المغربي وقتها كان يضمن للمتقاضين فرصة اللجوء إلى أعلى سلطة في البلاد، أي إلى القصر الملكي مباشرة، للبت في الأحكام الغريبة أو المستعصية، فقد حدث خصوصا بعد الظهير الشريف القاضي بإنشاء قسم جنائي تابع للقصر الملكي، أن توصل هذا الأخير بعدد من الشكايات والقضايا التي رفعها بعض القضاة بعد أن اعترفوا بعدم أهليتهم للبت فيها، ليتم رفعها إلى مجلس في القصر الملكي يرأسه محمد الخامس، عندما كان يزاول مهام «السلطان».
من بين القضايا التي كانت تعرض على قسم الجنايات، خصوصا منها القادمة من نواحي مراكش، قصص لصراعات بين القبائل، وغالبا ما يكون السبب فيها صراع حول الحدود الترابية للقبائل، أو نزاعات حول الوصول إلى السلطة. فمثلا كان أحد القياد المطاح بهم قد لجأ إلى القضاء في مراكش، ليبت في انتقام القايد الحالي منه وقتله شخصيا لأحد أبناء القايد المطاح به. ورغم أن القايد المطاح به كان يتوفر على الشهود الذين أفادوا عندما استمع إليهم أحد القضاة في سوق أسبوعي تعرض فيه القضايا، أن القايد الحالي قتل ابن المطاح به، واستولى على جزء كبير من ممتلكاته بالإضافة إلى أنه قطع رجل مساعده عندما أراد منعه من دخول قصبة القايد للإطاحة به، فإن القاضي ارتأى ألا يبت في تلك القضية خصوصا أن القايد النافذ كان على استعداد لتصفية كل الذين أدلوا بشهادتهم فور علمه بالأمر، لذلك بادر القاضي إلى إحالة القضية على وجه السرعة إلى الرباط، وأرسل مبعوثا خاصا مع القايد السابق والشهود أيضا، وطلب من المبعوث ألا يفارقهم إلا بعد التأكد من مثولهم أمام بوابة القصر في الرباط في انتظار أن يبت قسم الجنايات في شكواهم. وكان أن عرضت القضية بعد أيام قليلة من الانتظار أمام باب القصر، على مجموعة من القضاة الذي كانوا مقربين من القصر، وأحيل الموضوع على محمد الخامس شخصيا ليقول رأيه فيه، فأمر القضاة بإقامة ما جاء به الشرع، لأن القايد الحالي لن يجرؤ على تجاوز كلمة قضاة تابعين للملك مباشرة، فصدر حكم بإحضار القايد للاستماع إليه وكان الحكم الصادر ضده، فتم سحب اعتماده كـ«قايد»، وأدى «الدية» ليتم إبعاده عن المنطقة نهائيا، وإعادة كل الممتلكات إلى أصحابها الذين صودرت منهم.

قصة شاب قتل جميع إخوته أحدثت سخطا كبيرا بالقصر الملكي
في فرنسا دائما، كان أمر إحداث قسم جنائي بالقصر الملكي مثيرا لاهتمام الفرنسيين، سيما أنهم كانوا يعلمون أن القضايا التي تعرض فيه كانت مغربية مائة بالمائة، لكن أكثر ما كان يهمهم بشأنها، هو محاولة الوصول إلى طبيعة تلك الأحكام، لأنهم كانوا يعلمون أن القضايا المعروضة لم تكن عادية أبدا، ولم تكن لتحال على قسم الجنايات إلا لعجز القضاة المفوضين للبت فيها، إما نتيجة للضغط الشعبي أو لأنهم يرون أنها ثقيلة جدا ولا يمكن البت فيها إلا بتداول شأنها بين مجلس من كبار العلماء والقضاة، وهؤلاء كانوا يشكلون جميعا قسم الجنايات، كما كان لقربهم من الملك وعقدهم للاجتماعات بالقصر الملكي، دور كبير في إضفاء المصداقية على مداولاتهم التي كانت تتم بسريّة كبيرة.
كان أحد أبناء فاس، قد فقد أعصابه في غمرة صراعه مع إخوته حول ملكية أرض تركها والدهم بعد وفاته بأيام، ولم يكن أبناؤه يعلمون بأمرها، باستثناء الابن الأصغر الذي أكد لإخوته أن الأرض موضوع النزاع لم تكن في ملكية والدهم قيد حياته، وأنها تعود له ولا علاقة لوالده بها، لكن إخوته اتهموه بالكذب، خصوصا أنه لم يكن يملك توثيقا يثبت به ملكيته للأرض موضوع النزاع، وما زاد من تأزيم الوضع، أن أمه دخلت على الخط لتقف إلى جانب أبنائها الذين كانوا جميعهم ذكورا، وهو ما جعل المواجهة بين الإخوة تأخذ طابعا عنيفا، خاصة أنهم تصارعوا داخل البيت مع أخيهم الأصغر فبادر إلى طعنهم بخنجر كان يحتفظ به في البيت. المثير أنه لم يحاول الفرار، وبقي يحوم بأرجاء المنزل إلى أن اعتقله «المخازنية» بسهولة واقتادوه إلى دار القاضي بفاس، والذي ـ فور علمه بمجريات الواقعة ـ لم يستطع أن يبت فيها، وأرسل في طلب قاض مكناسي، لكن الأخير اعتذر منه وأرسل له رسالة يقول فيها إنه يستعد للذهاب إلى موسم الحج، ولن يكون بمقدوره التأخر يوما إضافيا حتى لا يفوته موكب الحجاج من مدينته. فلم يجد قاضي فاس بدا من إحالة القضية على القسم الجنائي، وأرسل الأخ القاتل مكبلا، مشيا على الأقدام من فاس إلى الرباط، يجره مخزنيان، بالإضافة إلى مرسول القاضي الذي كانت مهمته أن يقدم ملخصا مكتوبا للقضية ومعلومات عن المتهم، حتى ينظر فيها مجلس القضاة المعينين من طرف الملك. احتجز المتهم في سجن صغير داخل القصر الملكي إلى أن يفصل القضاة في الدعوى، لكن المثير أن المصادر التاريخية التي ورد فيها ذكر هذه الحادثة الدموية، لم تذكر مصير الشاب الذي قتل إخوته بسبب الصراع حول الميراث، واكتفت بالقول إنه قضى مدة طويلة في حبس انفرادي في انتظار أن يتداول القضاة في قضيته.

كيف تعامل القضاة مع الظواهر الغريبة والجرائم البشعة؟
جاء في تاريخ الضعيف ذكر لبعض الأحداث الهامة التي كانت غير عادية بالنسبة لعامة الناس وبالنسبة له كمؤرخ أيضا، ومنها يمكن أن نفهم بوضوح السياق التاريخي الذي جاء فيه إنشاء قسم للجنايات، يكون تابعا للقصر باعتباره أقوى سلطة في المغرب، في وقت كانت فيه الدولة بدون مؤسسات تقريبا، وتعتمد في الحكم على مجموعة من القضاة والقياد والأعيان الذين يتم استئمانهم على السلطة في منطقتهم.
هذا لا يعني أن الأمور كانت تسير على ما يرام، فقد وردت روايات تاريخية كثيرة أكدت أن القياد وأغلب الذين كانوا على رأس المناطق التي كانوا ينتمون إليها أو يعينون فيها بظهير سلطاني، استغلوا نفوذهم بشكل بشع لضمنوا بقاءهم في السلطة لأطول مدة ممكنة على حساب الضعفاء والفلاحين والفقراء وحتى بعض العلماء.
ما جاء في تاريخ الضعيف، أحداث كان أغلبها قبل إصدار ظهير إنشاء قسم الجنايات، وكانت كلها تتوفر على عنصر الغرابة الذي جعل منها قضايا غير عادية. فمثلا، لم يجد أحد القضاة حكما مناسبا للإرث في قضية «خنثى» وكانت القضية شهيرة بحكم تأخر البت فيها وعدد القضاة الذين تداولوها، كما كانت قضايا بعض الظواهر الطبيعية تشكل حيرة كبيرة للعلماء، خصوصا عندما تتزامن مع صعوبة رؤية الهلال في رمضان أو غيره من الأشهر، وهو ما كان ينتج عنه خطأ في التقويم الهجري ويحتاج إلى تصحيح فوري بمجرد إدراك وجود خطأ في تقدير رؤية الهلال، وقد ثبت أكثر من مرة أن صعوبات رؤية الهلال خصوصا في الأجواء الغائمة، كادت أن تؤدي أكثر من مرة إلى ترك الناس ليصوموا يوم العيد، وسرعان ما يتم تدارك الأمر بعد اكتشاف الخطأ. كل هذه الأحداث والوقائع كانت تشكل حيرة كبيرة بالنسبة للفقهاء والعلماء، لكن التداول فيها لم يكن موكولا إلى لجنة عليا أو مجلس تكون له سلطة على بقية أهل الاختصاص، باستثناء بعض المجالس التي كانت تعقد أيام الحسن الأول وبعض الملوك الآخرين قبله، حيث يتم التداول فيها بشأن ما كان يقع في البلاد، وبخصوص النزاعات بين الناس أيضا، لكن الأصل في الأمور كان ترك القاضي الذي يتم وضع الثقة فيه لتمثيل سلطة القضاء في منطقته، يحتكم إلى ضميره وأمانته في الفصل بين النزاعات.

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *