GCAM_Top
TM_Top
TM_Top-banner_970x250

هروب

هي
اختفيت من أمامه في لمح البصر، هاربة من نفسي ومن كل العالم. الهروب كان طبعي حتى أخفي ضعفي، وأتعمده لئلا أظهر الجبن لأحد. أتقن فن الهروب من الواقع، وأجيد لعبة الاختفاء. أتذكر كيف كان يرمقني، وكيف كان خياله يسافر بعيدا، وكيف كان يرسم الخطط لجعلي أستسلم وأخضع؛ لكنه لم يكن يعرف أن سنوات عمري لم تمض دون أن تترك لي إيضاحا لكل شيء.
أعيش لحظاتي بدقة، وأحسب الخطوات جيدا. لم أكن مثل باقي النساء، أو هكذا كنت أقنع نفسي. أغلب النساء يشعرن بكونهن متفردات بشيء يخصهن وحدهن دون البقية. أكنت عادية مثلهن أم كنت امرأة تعاني نرجسية من نوع ما؟
لم أكن أعرف ما أريده، وفي الوقت نفسه كنت ملمة بكل شيء أريده. التناقض يسكنني ويعشش في أفكاري. مؤمنة بنجاح الفشل داخلي، وبغدر الزمن الدائم لي. وتعبي من عدد إخفاقاتي جعلني أتعود وجدانيا على أن أتقد نارا ثم أنتهي رمادا، فأنثر نفسي ببحر أحزاني في كل مرة. ربما يجب أن أفهم نفسي لأترك المجال للآخر لكي يقرأها، أم أتعمد مرة أخرى الهروب من حقيقتي والاختفاء وراء غموضي؟ أؤمن بأن اللعبة التي ألعبها لن تحرقني، وأعرف أنها مصنوعة من مادة غير قابلة للاشتعال. أتراه وهمي هو الذي يصور لي النار ثلجا أم أني لا أحس بألم الاحتراق؟ يعذب القلب الذي ينبض بالحب، والذي كتمت أنفاسه بشجاعة وصبر، وبهروب جديد، سمحت لعشق آخر بأن يستشهد على أرض معركتي مع الحياة..

هو
أستمر في البحث عنها، بالرغم من أنني وجدتها؛ لكنني مدرك تماما أنني فقدتها يوم هربت مني. أعاند نفسي وأقنعها بأنها ملكي، وأنها ستصير مجددا بين يدي، وأنني لن أتركها تفلت مني. سأقيدها بالحبال وبالسلاسل، سأجعلها تنبت فروع شجرتها بقلبي. وحين تحاول اقتلاعها سننزف ونموت معا.
تخونني قوتي أمامها، وينهار كبريائي. كانت قادرة على جعلي أستمر في الاعتذار دون أن أخطئ، وأن أرى الذل بين يديها فخرا وشرفا. أعذب نفسي وتعذبني، وأجد في العذاب لذة لا تقاوم. خليط من المازوخية والسادية يجعلني أدمن الألم والمعاناة. نسيت غروري حين رضخت للأنانية فيها، وحين استسلمت لجبروت هذه الأنثى؛ فخضعت للقدر، ولم أجد الشجاعة لأكفر به. ربما هي الوحيدة التي جعلتني أتذوق دمعي، فأجده بطعم بحرها الذي أغرقتني فيه، وهي الأنثى التي بقيت على قيد الحياة بعد أن قتلت في عيني كل النساء. لم أعد قادرا على نسيانها، استولت على ذاكرتي وعلى تاريخي وملكتني، وفي الأخير هربت. أسأل نفسي هل نلتقي في نقطة لا التقاء فيها، أم عند التوازي يستحيل الالتقاء؟ تمضي الخطوط في طريقها إلى اللانهاية. لا أحد فينا قادر على هزم المستحيل، ولا أحد سيقف لتعديل مساره. التيار لا يسمح بمعاكسته وأنا أضعف من هزم المصير. بيني وبينها هوة لا تسمح بالاقتراب، أليست الجبال محرومة من اللقاء؟ أعرف أنها ليست مضطرة لأن تهرب مني؛ لأني موجود فيها، وأنني لست ملزما بالبحث عنها فقلبي طوعا هارب إليها..

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة