GCAM_Top
TM_Top
TM_Top-banner_970x250

هشاشة العالم وضعف الحياة

قبل 65 مليون سنة ضرب نيزك شارد أمريكا الوسطى بما يعادل مليون قنبلة هيدروجينية، فدخلت الأرض في ما يشبه الشتاء النووي وانقرضت الديناصورات. وفي عام 1918 قتلت الأنفلونزا الإسبانية في أربعة أشهر أكثر مما قتلت الحرب العالمية الأولى، فمات 30 مليونا من الأنام. وفي بوسطن مات في شهر واحد 12 ألف إنسان. وكانت أفضل التجارات في الأكفان والتوابيت، وكانت البلدية تجمع الجثث من مداخل المنازل مثل النفايات. ولم تكن الفيروسات معروفة ولا المجهر الإلكتروني مخترعاً. وجاء المرض وذهب بعد أن ظن الأطباء في أمريكا أنها نهاية العالم.
وعندما اندلعت الكوليرا عام 1905 في ألمانيا، كان يموت كل يوم ألف إنسان.. وحتى الآن لا يوجد لقاح وعلاج للإيدز. وضرب فيروس الغابة «الإيبولا» بشدة ثم اختفى.
ونحن نشهد حاليا عصر عودة الجراثيم المعروفة من الملاريا والسل، بعد أن كسرت حاجز المقاومة فلم تعد الصادات الحيوية تفتك بها. ومات في الأمريكتين من الجذري أكثر ممن مات بحراب الإسبان وبنادق الأمريكان. وجرب بوش على نفسه لقاح الجذري ووضعت أمريكا مشروعا بخمسة ملايير دولار للقاح الجذري. واحتفظت ببقايا مستودعات الفيروس بعد أن كان مقررا التخلص منه، بعد أن أعلنت منظمة الصحة العالمية القضاء على المرض منذ عام 1972 فلم يعثر على حالة.
وفي فيلم «ما بعد الغد The Day after Tomorrow» نواجه مشكلة ارتفاع حرارة الأرض بكارثة كونية من دخول الشمال في العصر الجليدي. ما يجعل نصف الأمريكيين المدللين يزحفون لاجئين إلى المكسيك، والذي لفت النظر لاحتمالات من هذا القبيل شاب ألماني هو (ستيفان رامشتورف Stefan Rahmstorf)، الخبير في توقعات المناخ في معهد بوتسدام، من خلال أبحاثه على كمبيوترات التخيل «Simulation»، ونال عام 1999 جائزة القرن من معهد «جيمس – س – مك دونيل james-s.-McDonnell» بقيمة مليون دولار لكشفه عن هذه الظاهرة. وخلاصة أبحاثه تدور حول توقف تيار الخليج عن العمل، والذي يزحف على السطح بسرعة تسعة كيلومترات في الساعة، فينقل دفء مياه الكاريبي وخليج المكسيك إلى أوربا وشمال الأطلنطي بما هو أكثر بعشرين مرة من أنهار العالم أجمعين وما ينتجه 250 ألف مفاعل نووي. ما يخلق الاعتدال في المناخ الأوربي في الشتاء بمقدار خمس إلى عشر درجات. ولولا ذلك لكانت النرويج أشبه بآلاسكا وألمانيا أقرب لسيبيريا. وعند سواحل أيسلاند يبرد فيثقل فينزل إلى عمق ثلاثة كيلومترات ما يحوله إلى قوة شفط للماء الساخن من جديد، فيتشكل تيار بارد سفلي مقابل تيار حار علوي. وبهذه الطريقة تكتمل دورة من الماء الساخن والبارد مثل الحمامات ولكن من حجم كوني. ولا يكفي هذا بل يشترط كثافة الملوحة. وهنا الخطر فالماء لن يثقل وينزل إلى الأسفل إذا جاءته أمطار عاصفة فخفضت درجة الملوحة فيه.. عندها ستختنق عملية التيار الساخن البارد ما يقود في النهاية إلى كسر هذه الحلقة المتبادلة من تيار الخليج في المحيط الأطلنطي وانقلاب جو الشمال بالكامل. وهي مسألة صرف لها المخرج الألماني (رولاند إيمريش Roland Emmerich) 125 مليون دولار ليظهر هذه القضية العلمية على صورة درامية في الفيلم. مع هذا فإن أبحاث العالم الدانماركي (بوجي هانسن Boji Hansen)، التي نشرت في المجلة العلمية البريطانية «الطبيعة- Nature» عام 2001، أظهرت بدراسة هذا التيار في نصف القرن الفائت، أن هناك تراجعا في حرارة التيار بنسبة عشرين بالمائة، ولكنه عاد فأعلن في مايو من عام 2004 أن هذا الأمر اعتدل منذ عام 1999. وفي المقابلة مع عالم المحيطات الألماني رامشتورف، قال: يجب عدم التقليل من هذه الظاهرة وقد لا تكون في بحر أيام كما جاء في الفيلم، ولكنها إمكانية قابلة للتحقق مع الوقت.
ونحن نعلم في التاريخ أن أوربا الشمالية كانت قبل عشرة آلاف سنة تعيش فترة العصر الجليدي، وفيها عاش إنسان نياندرتال. ومن نافذة المحطة الكونية في الفيلم، نرى أن العالم العربي قد نجا من العصر الجليدي، في الوقت الذي قضى فيه على أوربا وأمريكا الشمالية. وهذا يعني أن الحضارة مرتبطة بالمناخ، وهذه الأيام يعيش الشمال في مناخ جميل وغابات لانهائية ومطر مدرار، ولكن انقلاب المناخ وقساوته يقضيان على كل حضارة، فلا يمكن في ظروف الإسكيمو أو الربع الخالي، أن تنشأ أي حضارة.. والحضارات العظمى نشأت على حوافي الأنهار العظمى.
«وكل يوم هو في شان، فتبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام».

نبذة عن الكاتب

كاتب و مفكر

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة