هكذا انتهت حياة تقني ببلدية وزان ورئيسها في السجن

هكذا انتهت حياة تقني ببلدية وزان ورئيسها  في السجن

كريم أمزيان
لا تتوقف القاضية المكلفة بالتحقيق في الجرائم المالية، بالغرفة الخامسة، الموجودة في الطابق الأول بمحكمة الاستئناف بالرباط، عن التحقيق في الملفات، التي يحيلها عليها الوكيل العام للملك بالمحكمة نفسها، بناءً على مقتضيات المادتين 216 و218، من قانون المسطرة الجنائية. فسرعان ما تنتهي من إجراء التحقيق في ملف، وتقرر فيه المتابعة والإحالة على قسم جرائم الأموال بغرفة الجنايات الابتدائية، أو بعدم المتابعة ومن ثم عدم الإحالة، حتى تفتح ملفاً آخر وتبدأ فيه الإجراءات مع المتهمين، عبر مباشرة جلسات التحقيق معهم، بمرحلتيه الإعدادي والتفصيلي، وهكذا دواليك في سائر الأيام.
الملفات التي تحال عليها من أجل التحقيق فيها، كثيرة ومتعددة، فكلما طوت واحداً، فتحت ثانياً، بينما تكون ملفات أخرى تنتظرها من أجل الشروع في التحقيق فيها، من بينها ملف كانت قد أصدرت فيه طبقاً للقانون، أمراً بالإحالة وبعدم المتابعة جزئياً، في 24 فبراير 2015، بعدما تطور بشكل لم يكن منتظراً ولا متوقعاً، فاجأ كل ساكنة مدينة وزان، خصوصاً أن برلمانياً كان متورطاً فيه.
لم تكن عناصر الأمن بفرقة الشرطة القضائية بالنيابة، بالمنطقة الإقليمية لأمن وزان، تتوقع أنها ستتوصل بتعليمات من النيابة العامة، أولها في 04 يوليوز 2013، تتضمن شكاية شخص يدعى (ع.ر.ا)، وأخرى يوم 02 شتنبر من السنة نفسها، لسيدة تسمى (ر.ب)، ثم شكاية ثالثة للسيدة (ح.ه)، بعد مرور أربعة أشهر بالضبط، وأخرى في 10 دجنبر 2013، وضعها (ع.ر.ف)، ثم تلتها شكاية خامسة وسادسة وسابعة، وضعها كل من (إ.غ)، والسيدة (أ.ر) و(ع.ن.ي)، تباعاً في 10 دجنبر 2013 و11 فبراير 2014 و18 فبراير 2014، والملاحظة متعلقة بالجهة المقدمة ضدها الشكايات سالفة الذكر، حيث إن المشتكين يواجهون شخصاً يدعى، (ه.ب)، جرى اعتقاله بالصدفة في 25 فبراير 2014، بعد تلقي عناصر المصلحة نفسها اتصالاً من النيابة العامة، يفيد أنه تم إيقافه من قبل عناصر المركز الترابي للدرك الملكي بوزان، في قضية تتعلق بـ«إهانة الضابطة القضائية»، فانتقلت إلى المركز القضائي المذكور، وتسلمت المعني بالأمر.

اعترافات تلقائية
أول التحقيقات التي تمت مباشرة مع الظنين، خلال مرحلة البحث التمهيدي، كشف من خلالها اعترافات لم يكن المحققون ينتظرون أن «الموقوف»، الذي تبين لهم في ما بعد أنه موظف يشتغل في بلدية وزان، سيدلي بها من تلقاء ذاته، إذ كشف أنه عرّض عدداً من المشتكين للنصب، وتسلم منهم مبالغ مالية، مؤكداً أن بذمته مبلغ 2000 درهم لفائدة إحدى المشتكيات، متعلق بسومة كرائية، ولم يغفل أن يفيد عناصر الشرطة القضائية، أنه سلم شيكين بنكيين إلى المسمى (ع.ن.ي)، تبين حين تقديمهما للأداء أنهما بدون مؤونة.
ولم يقف الموقوف، (ه.ب)، خلال الاستماع إليه عند هذه التصريحات، بل تجاوز ذلك إلى إدلائه بإفادات أخرى، لما أخبر أفراد الشرطة القضائية أن لديه بعض التصريحات الإضافية التي يود الإفصاح عنها، متعلقة أساساً بالشيكين عدد 542664 بمبلغ 70.000.00 درهم، وعدد 542662 بمبلغ 30.000.00 درهم، سلمهما إلى مستفيد يدعى (ع.ن.ي)، كضمانة عن قرض بقيمة 100.000.00 درهم، قال إنه أخذه لتسديد مبلغ لفائدة شركة، كانت مكلفة بإعادة هيكلة جزء من شارع محمد الخامس بمدينة وزان، وشارعي علال بن عبد الله والمسيرة، والذي كان قد تسلمه من مهندسين تابعين للشركة نفسها، كرشوة لفائدة (م.ك)، رئيس المجلس البلدي لوزان آنذاك، والبرلماني الاستقلالي.
تصريحاته المثيرة التي لم يجد المحققون سوى تسجيلها بالنظر إلى أهميتها، كشف من خلالها، بصفته موظفاً تابعاً لبلدية وزان، أن مهمته كانت تتمثل في تتبع أشغال الأوراش التي تنجز على صعيد المدينة، بموجب مذكرة عمل صادرة عن الرئيس المذكور، موضحاً أن مسؤولي الشركة كانوا مضطرين إلى دفع مبلغ 120.000.00 درهم كرشوة، بالنظر إلى الضغوط التي مارسها عليهم رئيس المجلس البلدي، لاسيما في ما يتعلق بالأداء وبالتجاوز عن المواصفات المنصوص عليها في دفتر التحملات الخاص بالورش.
ولم يكتف (ه.ب) بذكر، (م.ك)، رئيس المجلس البلدي فقط، بل تجاوزه إلى الحديث عن المهندسين (إ.أ.ح) و(م.و) اللذين كانا مسؤولين عن الورش، إذ أكد أنه توصل بمعيتهما إلى اتفاق يرمي إلى أداء مبلغ 120.000.00 درهم كرشوة مقابل تسهيل عملية الإنجاز، والغش في المواصفات، كالتلاعب مثلاً في سمك قشرة الطريق، الذي كان منصوصاً عليه في دفتر التحملات، الذي يفرض أن يكون بسبعة سنتيمترات، قبل أن يصبح بأربعة سنتيمرات فقط، وهو الاتفاق الذي تمخض عن وجبة عشاء جمعت بين المهندسين والرئيس، بأحد المطاعم بمنطقة بئر الرامي بالقنيطرة، وكذا خلال وجبتي غداء، أقيمتا بمنزل رئيس المجلس البلدي.
وعلى الرغم من أن هذه الإفادات لم تكن عبارة عن أجوبة لأسئلة جهزها المحققون، بل كانت اعترافات بمحض إرادة (ه.ب)، أكمل من خلالها سرد بعض الوقائع الأخرى، بطريقة لم تخل من عفوية وتلقائية، جعلت المحققين الأمنيين يشعرون بالذهول، إذ أوضح أنه استناداً إلى الاتفاق الذي جرى بين الأطراف التي ذكرها، وبطلب من البرلماني الاستقلالي المذكور، اضطر إلى التوجه إلى مدينة الرباط، حيث التقى مهندساً وتسلم منه المبلغ المتفق عليه، المحدد في 12 مليون سنتيم، وأحضره إلى رئيسه، الذي لم يكن سوى رئيس البلدية، الذي خصم منه نصيبه الذي حدد في 10 ملايين سنتيم، ثم سلمه الباقي.
المثير في تصريحات (ه.ب)، هي تلك التي قال من خلالها، إن رئيس المجلس البلدي لوزان آنذاك، وعلى الرغم من تسلمه مبلغ الرشوة، الذي منحه منه قسطه، بدأ يختلق مبررات للشركة التي ألزمها بإنجاز أشغال لا يتضمنها كناش التحملات، وذلك من أجل الضغط على مسؤوليها لدفع مبالغ مالية إضافية، مؤكداً أنه إضافة إلى ذلك، عمل على التماطل في أداء مستحقات تلك الشركة، ما جعل المهندسين يطالبانه هو شخصياً بإرجاع مبلغ الرشوة، الذي تسلمه منهما لفائدة الرئيس، غير أنه رفضه ذلك، إذ أكد لهما أنه مجرد وسيط، مما دفعهما إلى تهديده، بشريط فيديو يوثق عملية تسلمه 12 مليون سنتيم، ما جعله يبحث عن جهة من أجل تمويله حتى يتمكن من إرجاع المبلغ إليهما، بعدما تنكر له رئيس البلدية، وأخبره أن لا علاقة له بما حصل.
أولى الطرق التي تفتقت عنها عبقريته، وفق ما سرده من خلال تصريحاته، هي تلك التي أشار إليها، حينما كان يتحدث عن أحد الأشخاص الذين قدموا ضده شكاية بالنصب والذي يدعى (ع.ن.ي)، الذي لم ينف أنه تعرف عليه بواسطة خليلته (ج.ن)، إذ علم أنه مقاول مبتدئ، واقترح عليه أن يتوسط له لدى رئيس المجلس البلدي لمدينة وزان السابق، بالنظر إلى قربه منه، حتى يفوت إلى مقاولته بعض الأوراش الصغرى، فطلب منه مبلغ 100.000.00 درهم مقابلاً لذلك، يمنحه له كقرض فقط، وحرر له اعترافاً بدين، لكنه منح له في ما بعد شيكين كضمانة حتى يتفادى تهديداته، بعدما هدده بتقديم شكاية ضده بالنصب، مؤكداً أنه اضطر أيضاَ إلى اللجوء إلى خدمات وكالة قروض، منحته مبلغ 20 ألف درهم، سلمه بعدما أضاف إليه القرض الذي حصل عليه من طرف المقاول إلى المهندسين اللذين لوحا بمقاضاته، وبوضع الفيديو المصور، كحجة ضده لدى المحكمة.

تبريرات واهية
لم تنته اعترافات المتهم الرئيسي (ه.ب)، عند هذا الحد، بل استمر في سرد كل المعطيات التي يراها مهمة، ومرتبطة بموضوع اعتقاله والبحث معه، ظناً منه أنها تبرير للقروض التي أخذها، من أشخاص لم يتأخروا عن وضع شكاية ضده بالنصب، بعدما تأخر في إرجاع أموالهم. حديثه كان يذكر من خلال البرلماني، الذي كان يرأس البلدية التي كان يشتغل فيها، إذ قال إنه وعده بتعويضه عن كل تلك الخسائر المادية التي طالته، فكلفه بمراقبة وتتبع ثلاث تجزئات سكنية بمدينة وزان، هي تجزئة «الزيتونة» ومجمع «بعلاش» وتجزئة «المنظر الجميل»، حيث اكتشف أن هذه الأخيرة جرى إنجاز 70 في المائة من أشغالها دون تتبع، وفق تصريحاته، وأنه بضغط من الرئيس وخليفته، (م.ح)، عمل على توقيع محاضر الورش الخاصة بتلك الأشغال، دون حضور وقائع إنجازها، بعدما أوهمه وفق تأكيده، كل من صاحب المشروع ورئيس البلدية ونائبه أنه سيتسلم بقعة أرضية كهدية بالتجزئة نفسها، دون أي مقابل، وهو الوعد الذي لم يوفوا به، بحسب تأكيده.
ولتعويضه مرة أخرى، بناءً على ما جاء في تصرياحته، طلب منه الرئيس التوجه إلى مدينة فاس، من أجل لقاء صاحب التجزئة، وقال إنه تحمل تكاليف حجز غرفة قضى فيها ليلة بمعية خليلته، فتوجه في اليوم الموالي إلى مكتبه، فعملوا على تغيير دفتر التحملات الأصلي للتجزئة، وذلك بحذف ما يتعلق بعملية التبليط بمادة الزفت المعروف
بـ«ENROBE» والاقتصار على مادة أقل منه قيمة تسمى «BICOUCHE» وهو ما يعفي شركة صاحب التجزئة، مما قيمته حوالي 2.5 مليون درهم، وكمقابل لذلك، أشار إلى أنه منحه 400 ألف درهم نقداً، من أجل تسليمها إلى رئيس المجلس البلدي، كرشوة، حتى يتغاضى عن التغيير الذي أجراه على دفتر التحملات، الذي شدد المتهم الرئيسي على أنه تم تزويره، وعلى أساسه جرى تسليم التجزئة من قبل اللجنة المكلفة بذلك، تحت إشراف المجلس البلدي.
وعاد (ه.ب) الذي يعد محور الملف كله، إلى التأكيد مرة أخرى على أنه لم يحصل على أي نصيب من مبلغ 400 ألف درهم، وإنما تلقى وعداً فقط من الرئيس مرة ثانية، من أجل تمكينه من بقعة أرضية بالتجزئة نفسها، غير أنه أوضح أنه لم يف بوعده، على الرغم من حضور خليلته في كل أطوار العملية، التي اعتبرها شاهدة.
المتهم اعترف كذلك بتفاصيل، اعتبرها المحققون في غاية الأهمية، في ما يخص تجزئة «المنظر الجميل»، خصوصاً دفتر المقتضيات الخاصة، CPS الأصلي ودفتر التحملات، الذي أكد أنه مودع لدى رئيس قسم البناء والعمران، مشيراً إلى أنه يعلم هو الآخر بالتزوير والتغييرات التي طالت ملف التجزئة المذكورة، وأن الرئيس عين تقنياً آخر بدلاً عنه.

 إحالة ثم متابعة
كل هذه المعطيات والتفاصيل الدقيقة، التي سردها المتهم الرئيسي (ه.ب)، وذكر فيها عدداً من الأسماء، من بينهم رئيس بلدية وزان السابق والبرلماني (م.ك)، الذي يوجد الآن رهن الاعتقال الاحتياطي، على ذمة التحقيق في قضية أخرى بمدينة القنيطرة، ونائب سابق له ومهندسين ومقاولين، جعلت عناصر الشرطة تستدعيهم وتحقق معهم بتنسيق مع النيابة العامة، قبل تقديمهم أمام الوكيل العام للملك، الذي أحال ملفهم على قاضية التحقيق، التي أنجزت المسطرة الخاصة بهم، وبعد انتهائها من إجراءات التحقيق، أمرت بإحالة المتهم الرئيسي في حالة اعتقال، على غرفة الجنايات الابتدائية لجرائم الأموال بالمحكمة ذاتها، فيما توبع المتهمون الآخرون في حالة سراح، وهو الملف الذي جرى تسجيله في 10 مارس 2015، وبدأت جلسات محاكمة المتهمين فيه. وبسبب كثرة ذكر الرئيس السابق لبلدية وزان أمرت المحكمة النيابة العامة بإحضاره، في جل الجلسات السابقة، بناء على ملتمس الدفاع، وإحضار البرلماني الاستقلالي، الموجود رهن الاعتقال في سجن القنيطرة على ذمة التحقيق في ملف جنائي آخر، للاستماع إلى إفاداته في الملف، وإلى التهم المنسوبة إليه، وتصريحاته بشأن ما ينسبه إليه متهمون آخرون في الملف ذاته، غير أنه لم يحضر، ما جعل المحكمة تقرر في جلسة الشروع في مناقشته، الاستغناء عن الاستماع إليه، في هذا الملف الذي تفجر مباشرة بعد تسجيل خروقات في طريقة بناء ثلاث تجزئات بمدينة وزان، كانت سببا مباشرا في متابعة المتهمين السبعة فيه، من أجل «الارتشاء والمشاركة في تزوير وثائق إدارية والرشوة وتبديد أموال عمومية واستغلال النفوذ»، فيما رئيس البلدية، الذي كان إطاراً بوزارة الاقتصاد والمالية، وظل هاربا من العدالة، اعتقل بناء على شكاية سبق للعربي المحارشي، عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة أن تقدم بها ضده لدى الوكيل العام للملك باستئنافية القنيطرة، بمعية نائب برلماني آخر من أجل التزوير، قبل خمس سنوات، فاضطرت المحكمة إلى الاستماع فقط إلى شهادة السيدة التي كان يردد المتهم (ه.ب) أنها خليلته، إلى أن استوفت جميع شروط المحاكمة، بعد استماعها إلى مرافعات دفاع المتهمين، والجهة المطالبة بالحق المدني، والنيابة العامة، فأعطت الفرصة الأخيرة للمتهمين من أجل الإدلاء بآخر إفاداتهم، قبل أن تعلن الهيأة القضائية المكلفة بقسم جرائم الأموال بمحكمة الاستئناف بالرباط قرارها في الرابع من شهر يناير 2016، في الملف 1/2624/2015 القاضي ببراءة صاحب مقاولة فاس، والحكم على المتهم الرئيسي بثلاث سنوات حبسا، نافذا في حدود سنتين ونصف السنة، وعلى (ز.ك) بسنتين حبسا موقوف التنفيذ، وغرامة نافذة قدرها 1000 درهم، وبسنتين حبسا موقوف التنفيذ على نائبي الرئيس (م.ع) و(م.ح)، وعلى المهندسين (م.و) و(ا.ب) بسنتين حبسا، نافذا في حدود أربعة أشهر وموقوفا في الباقي، وبعدم قبول المطالب المدنية.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *