الرئيسيةبانوراما

هكذا باتت جماعات وطنية يمينية تثير الرعب بألمانيا

سهيلة التاور

كغيرها من الدول الأخرى ألمانيا عانت من جرائم العنصرية التي غالبا ما كان التطرف اليميني مسؤولا عنها. ورغم كل التدابير الصارمة التي تتخذها ألمانيا للحد منها إلا أن هذه جرائم باتت في تزايد مستمر، لكن جريمة اغتيال فالتر لوبكي من قبل أحد أبرز أوجه التطرف اليميني أفاضت الكأس وخلقت حالة تأهب على مستوى جميع المؤسسات الرسمية المسؤولة.

عثر على فالتر لوبكي قتيلا في الثاني من يونيو الماضي على شرفة منزله في فولفغاغن في ضواحي كاسل على بعد نحو 160 كلم شمال شرق فرانكفورت، وتبين أنه قتل برصاصة أطلقت عليه عن قرب. ولا يستبعد المحققون أي فرضية، خاصة وأن لوبكي سبق أن تلقى تهديدات عدة بالقتل.
وكانت السلطات ألقت القبض على شخصين أحدهما يدعى «شتيفان أ.» يشتبه في ارتكابه الجريمة وانتمائه لليمين المتطرف ووضع قيد الحبس الاحتياطي، في حين أطلق سراح الآخر. واعترف المشتبه به الرئيس في قضية اغتيال لوبكي بالجريمة موضحا أنه خطط وتصرف بمفرده. إلا أن السلطات تواصل التحقيق مع المقربين أو المتواطئين المحتملين.
وعن دوافع القيام بهذه الجريمة التي أثارت نقاشات داخلية واسعة منذ أسابيع، قال شتيفان إن جريمته كانت بمثابة رد فعل على تصريحات لوبكي حول اللاجئين في أكتوبر 2015. كما نجح المحققون في الوصول لاثنين آخرين متهمين في قضية قتل رئيس مقاطعة كاسل، وهما تاجر أسلحة مزعوم من شمال الراين وستفاليا، ووسيط بين الجاني والتاجر. وتجري تحقيقات حاليا مع كل منهما بتهمة المساعدة والتحريض على القتل، وتم تقديمهما إلى القاضي، كما اكتُشف مخبأ للأسلحة.
وأثار اغتيال لوبكي سيلا من التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي بينها الكثير من التعليقات المؤيدة لقتله نشرها أشخاص من اليمين المتطرف. خصوصا وأن بعد قرار ميركل في أكتوبر فتح الحدود أمام مئات آلاف السوريين والعراقيين، إذ دافع لوبكي عن حقوق اللاجئين ما أثار غضب اليمين المتطرف.

قضايا الكراهية
تدور الشبهات مجددا حول تبني لوتس باخمان العضو المؤسس ورئيس جماعة «وطنيون أوروبيون ضد أسلمة الغرب» المعروفة اختصارا باسم «بيغيدا» لدعاوى التحريض بالعنف ضد الأجانب في ألمانيا.
وقال متحدث باسم الادعاء العام في دريسدن شرقي البلاد إن الادعاء العام هناك أصدر أمرا ببدء التحقيق في هذه الشكوك وغيرها. ولم يدل المتحدث بمعلومات أخرى عن المسالة.
وقال تقرير لصحيفة «زيكسيشه تسايتونغ» إن هناك مقطع فيديو نشر على شبكة الإنترنت يبين كيف أن باخمان يصف اللاجئين بأنهم قتلة ومغتصبون وإرهابيون.
وكان باخمان صاحب السوابق الكثيرة لدى الشرطة الألمانية عوقب في مارس 2018 بالغرامة المالية بسبب تحريضه ضد الأجانب وانتهاكه لقانون التجمع.
كما قام عام 2015 بنشر خطبة تحريض للمؤلف من مدينة بون عاكف بيرينجي، المُدان بسبب تهمة التحريض، على شبكة الإنترنت. كذلك نظم خلال الاحتفال الرئيسي بإعادة توحيد ألمانيا في الثالث من أكتوبر 2016 في درسدن مظاهرة، وصف فيها ضيوف ألمانيا بأنهم رعاع. كما حكم القضاء عليه في عام 2016 مرة أخرى بعقوبة مالية بسبب التحريض. كما يقوم باخمان دائما بتشويه صورة اللاجئين بصورة عامة عبر مشاركات على منصة فيسبوك.
كما تجري السلطات تحقيقات في 100 قضية تتعلق بالكراهية عبر تعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي، وكان رئيس الاستخبارات الداخلية توماس هالدنفانغ تحدث عن قوة دفع جديدة في مجال التطرف اليميني، وعن أن هناك خوفا من زيادة التعاطف مع هذه الجماعات، بفعل منشوراتها على مواقع التواصل التي تحض على الكراهية.
من جهتها، تنفذ الشرطة دوريا مداهمات في العديد من الولايات، بينها براندنبورغ سكسونيا وشمال الراين فستفاليا، بحثا عن يمينيين متطرفين على خلفية تحقيقات تجريها النيابات العامة وتشتبه بأفعال يقوم بها هؤلاء، من بينها تأليف مجموعات إجرامية، ما دفع وزيرة العدل الاتحادية كريستين لامبرشت للمطالبة بمواجهة الأمر بكثير من الصرامة، مشددة على ضرورة بذل الشرطة أقصى جهودها لمكافحة عنف اليمين وجرائم الكراهية على الشبكة العنكبوتية، واصفة ما يحصل بـالعنف الوحشي».

زيادة الجريمة في ألمانيا
حذر رئيس الهيئة الاتحادية لمكافحة الجريمة في ألمانيا، هولغر مونش، من زيادة ميول العنف في أوساط اليمين المتطرف بالبلاد، بالسنوات الأخيرة، مشيرا إلى أن اليمينيين المتطرفين يرتبكون جرائم ضد من يؤيدون التنوع في البلاد، ويدعمون اللاجئين وليس فقط الأجانب والمعارضين السياسيين.
ولفت إلى أن ميول العنف ارتفعت في بيئة اليمين المتطرف خلال السنوات الأخيرة، وحذر من إمكانية تكتل اليمين المتطرف وتشكيل تأثير في المجتمع، مشيرا إلى احتمال تشكيل اليمينيين المتطرفين كيانات إرهابية، وقال: «نرى خطر احتمالية إقامة كيانات قد تصل حد تشكيل مجموعات إرهابية».
وقد كشف تحقيق أجراه الموقع الإخباري Zeit Online وصحيفة Tagesspiegel اليومية العام الماضي عن 169 جريمة قتل ارتكبها متطرفون يمينيون بين عامي 1990 و2017، ولكن تمت إضافة نصفهم فقط في الإحصاءات الرسمية باعتبارها جرائم ذات دوافع سياسية، وفي الأشهر الأخيرة هزت ألمانيا جريمتا قتل ارتكبها إرهابيون من اليمين المتطرف، وهما حادث اغتيال رئيس حكومة مدينة كاسيل الألمانية فالتر لوبكي، ومحاولة قتل مهاجر إريتري، وفي الحادثين تم وصف المهاجمين بأنهم ذئاب منفردة، لكن قاتل لوبكي كان على قائمة المراقبة الخاصة بالمكتب الاتحادي، باعتباره أحد أفراد المشهد اليميني المتطرف.
تدابير ألمانية مشددة
تتخذ ألمانيا قانونا صارما ضد خطاب الكراهية، والذي يعاقب بالسجن لمدة أقصاها 5 سنوات بسبب الخطاب العنصري، بما في ذلك على وجه التحديد تبرير الجرائم النازية، مثل إنكار الهولوكوست، وهذا القانون ليس موجوداً على الورق فقط، ولكن يتم تطبيقه على نطاق واسع، بما في ذلك ضد المنشورات العنصرية على شبكات التواصل الاجتماعي، وفي عام 2018 اتخذت الشرطة الألمانية إجراءات في 1472 قضية نشر منشورات كراهية، ومنها 1130 قضية كانت ضد أشخاص عبّروا عن آراء يمينية متطرفة.
كما توكل للمكتب الاتحادي إحدى المهام الرئيسية لحماية الدستور في ألمانيا وهي مراقبة سكان ألمانيا عن كثب من المتطرفين اليمينيّين، الذين تحتوي تقارير المكتب السنوية على أعداد دقيقة لهم، فهم أعضاء في منظمات يراقبها جهاز المخابرات الألماني باستمرار، أو في المجتمعات غير المنظمة مثل Reichsburgers وSelbstverwalters وهم الأشخاص الذين يعلنون أنهم يعيشون بموجب قوانين الرايخ الألماني، بدلا من جمهورية ألمانيا الاتحادية، أو وفقا لقوانينهم الخاصة.
ويعتبر المكتب أن حضور جميع أنواع التجمعات اليمينية، بما في ذلك الحفلات الموسيقية للموسيقيين المشهورين من اليمين، وإعداد قوائم تفصيلية لهذه التجمعات هي أحد مهامه، فقد أحصى إقامة 270 من مثل هذه الحفلات الموسيقية عام 2018. ويتسلل أيضاً إلى الجماعات المشبوهة، ويراقب الأفراد.

الحزب الاشتراكي
دعا الحزب الاشتراكي الديمقراطي أخيرا إلى اتخاذ نهج أكثر صرامة ضد اليمينيين المتطرفين، وذلك ضمن ورقة تضمنت جملة من الأمور، بينها حظر شبكة النازيين الجدد «كومبات 18»، وهي الجناح المسلح لـ «شبكة الدم والشرف» الدولية المحظورة منذ عام 2000، والتابعة للنازيين الجدد.
ويبدو أن ألمانيا بجميع تياراتها السياسية تريد تعزيز معركتها ضد التطرف اليميني بعد مجموعة من الجرائم، أهمها اغتيال لوبكي المنتمي للحزب المسيحي الديمقراطي، فضلا عن جرائم أخرى استهدفت الأجانب بدوافع عنصرية، بالإضافة إلى السياسيين المتعاطفين معهم، فضلا عن إلقاء القنابل على المقار الحزبية والتعرض للمساجد، وخاصة في مدن ديسبورغ وبرلين وماينز مانهايم.
ودعت ورقة الاشتراكي، التي حملت عنوان «تعزيز النظام الديمقراطي والدفاع عنه»، إلى بذل جهود أكبر من قبل الحكومة والسلطات الأمنية لتنفيذ أوامر الاعتقال بحق اليمينيين المتطرفين، التي لم يتم تطبيقها بشكل كاف.
والمطلوب هو سحب رخص الأسلحة واعتماد نظام الإنذار المبكر، وأنه من المفترض أن تتبادل الولايات معلوماتها حول المتطرفين اليمينيين وإمكانية تخطيطهم لأعمال العنف.

تفاعلات داخلية
تفاعلت شخصيات عديدة عبر «تويتر» مع جريمة اغتيال لوبكي، منهم عضو برلمان بافاريا الذي نشر عبر حسابه صورة يوضح فيها رفض عضو كتلة حزب البديل اليميني الوقوف حدادا على روح لوبكي.
وبدوره قال وزير الخارجية هايكو ماس «قضية لوبكي مأساة لديمقراطيتنا. الحدود بين الجماعات الشعبية اليمينية والجماعات المسلحة تتدفق بالفعل. يجب أن ندافع عن ديمقراطيتنا. أعداء الحرية لا يستحقون الحرية».
ومن ناحيته قال السياسي زيغمار غابرييل في تغريدة «لأول مرة منذ حوالي مئة عام، يكون ممثل الدولة ضحية هجوم مستهدف من قبل يمينيين أعداء للديمقراطية. ماذا سيحدث في ألمانيا لو ارتكب هذا القتل إرهابيون يساريون؟».
كما علق الصحافي بشبكة WDR جورج رستلا في تغريدة بأن «الأيديولوجيات اليمينية تلد الإرهاب في حالة تم تجاهل المشكلة وقللت من أهميتها لفترة طويلة جدا».
أما الصحفية المختصة بشؤون اللاجئين إزابيل شياني فعلقت «حتى الآن، نظرًا لأن الخلفية المزعومة -التي تكره اللاجئين- لقاتل لوبكه تصبح أكثر وضوحًا، فإن حزب البديل لا يتوقف عن رسم صورة كاريكاتيرية. طلبات اللاجئين الأولوية العام الحالي أقل بنسبة 5% من العام الفائت. أي نوع من تدفق اللاجئين إلى ألمانيا يجب أن يكون؟».
وفي غضون ذلك تلقى العديد من السياسيين المحليين في عدة مدن -من أبرزهم عمدة كولن- تهديدات من يمينيين متطرفين، على خلفية مواقف هؤلاء السياسيين الإيجابية مع اللاجئين والمهاجرين. كما تلقى زعيم الحزب الاشتراكي الديمقراطي بولاية ساكسونيا تهديدا بالقتل من خلال تلقيه طردا مجهولا يحتوي على بندقية مزيفة أرسل لعنوان سكنه.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Al akhbar Press sur android
إغلاق
إغلاق