الرئيسيةتحقيقات

هكذا ساهم الفساد في انتشار البناء العشوائي بجوانب الوديان بالشمال

ربط المسؤولية بالمحاسبة والتحقيق في استنزاف المال العام يؤرقان سياسيين ومسؤولين

تطوان : حسن الخضراوي
تحولت مجموعة من الوديان التي تشق مدن جهة طنجة – تطوان – الحسيمة، خلال السنوات الأخيرة، إلى أحياء عشوائية يقطنها العديد من السكان الفقراء، في غياب أبسط شروط السكن اللائق والتدابير الخاصة بالسلامة والوقاية من الأخطار، وذلك وسط تقاذف المسؤوليات بين السلطات المكلفة بمراقبة البناء ومصالح الجماعات الحضرية، والجهات المكلفة بالحفاظ على الملك العام المائي (وكالة الحوض المائي اللكوس).

يستغرب كل زائر للأحياء العشوائية التي تم تشييدها بمجاري الوديان بمدن الفنيدق ومرتيل وجماعة واد لو وغيرها من المناطق المجاورة لتطوان، كيف نشأت هذه الغابات الإسمنتية في غفلة من الجميع؟ وكيف سمح المواطنون باستغلالهم من قبل لوبيات التجزيء السري والبناء العشوائي، للاستقرار داخل مجرى وديان تهدد سلامتهم وحياتهم في أي لحظة، سيما والتقلبات المناخية التي تعرفها مناطق الشمال والمغرب عامة، حيث التساقطات الغزيرة وغير المنتظمة؟
وكلفت مشاريع إعادة الهيكلة، وتوفير البنيات التحتية بالأحياء العشوائية بمدن الشمال، ملايير الدراهم من المال العام، حيث يقوم بعض الأعيان والسماسرة بعمليات واسعة للتجزيء السري وبيع القطع الأرضية بمحارم الوديان، ودون احترام لأبسط شروط وقوانين التعمير، فضلا عن عدم تخصيص الطرق وغياب البنيات التحتية، وتكاليف الربط بشبكات الماء والكهرباء والتطهير السائل الذي غالبا ما تتدخل المبادرة الوطنية للتنمية البشرية لتغطيتها، نتيجة الهشاشة والفقر وضرورة تدبير الأمر الواقع في غياب بدائل أخرى حقيقية.
وذكر مصدر مطلع أن العديد من ملفات التجزيء السري والبناء داخل محارم الوديان بعمالة المضيق- الفنيدق، هي الآن أمام القضاء للفصل في الشكايات التي تم تقديمها من قبل الجهات المختصة بوزارة الداخلية ضد المتورطين، فضلا عن دراسة شكايات ضد برلمانيين وسياسيين بتطوان من قبل المحكمة الابتدائية، في موضوع تشييد مشاريع عقارية بمحارم الوديان، وباستعمال رخص بناء انفرادية، ومخالفة لكافة قوانين التعمير المعمول بها، وكذا مضامين تصاميم التهيئة التي تمت المصادقة عليها من قبل المصالح الحكومية.
استمرار العشوائية
على الرغم من المجهودات التي تقوم بها السلطات المحلية بمدن الشمال في محاربة البناء العشوائي، إلا أن الزيارة الميدانية التي قامت بها «الأخبار» إلى العديد من الأحياء العشوائية، أثبتت تواجد مئات البنايات العشوائية داخل محارم الوديان، مثل حي الديزة بمرتيل، وأحياء رأس الوطا وحومة الواد بالفنيدق..، حيث تتهدد الفيضانات السكان المعنيين في أي لحظة، فضلا عن افتقارهم إلى أبسط ظروف السكن اللائق، وغياب البنيات التحتية اللازمة.
وقال أحد سكان حي حومة الواد العشوائية بالفنيدق، إن القطعة الأرضية التي شيد فوقها مسكنه العشوائي، اشتراها من شخص يملك مساحات كبيرة ويقوم بتجزيئها بشكل سري، حيث يقدم مجموعة من التسهيلات في الدفع، كما يسمح للمشترين بالبناء رغم عدم استكمال ثمن البيع، وهو الشيء الذي يشجع الفئات الفقيرة على المغامرة المحفوفة بالمخاطر.
وأضاف المتحدث نفسه أن سعيه مثل غيره، إلى الاستقرار وضمان سقف يحميه رفقة عائلته من حر الصيف وقر الشتاء ويعفيه من مصاريف الكراء، هو ما دفعه إلى اختيار البناء العشوائي، لأنه لا يملك المال الكافي لشراء قطعة أرضية بتجزئة من التجزئات المتواجدة بالمدينة، سيما في ظل المضاربة وسيطرة مبيضي الأموال وتهافت تجار المخدرات ولوبيات العقار على العقار بالمناطق الاستراتيجية.
وفي جوابه عن سؤال «الأخبار» حول أخطار الفيضانات التي تتهدد كل من يسكن داخل مجرى الوادي، أشار المتحدث ذاته إلى أن الشخص الذي باعه القطعة الأرضية طمأنه إلى أن المؤسسات المسؤولة، ستقوم بإعادة الهيكلة وتعبيد الطرق وتجهيز البنيات التحتية، وكذا تنفيذ مشاريع الحماية من الفيضانات بمجرد ارتفاع الكثافة السكانية، سيما وأن الأحياء العشوائية تعتبر خزانا انتخابيا لجميع الأحزاب السياسية.
وبحي الديزة العشوائي بالجماعة الحضرية لمرتيل، صادفت الجريدة مواطنين وسكان لا يتوفرون على وثائق قانونية تثبت ملكيتهم للسكن، فضلا عن مشاكل بالجملة تتعلق بالعقود العرفية، ورفض طلبات الربط بشبكات الماء والكهرباء نتيجة غياب الوثائق القانونية الضرورية في الملفات المقدمة، ناهيك عن أخطار الفيضانات التي تهدد الحي العشوائي عند كل تساقطات مطرية، كونه شيد في مجرى الوادي، حيث حدثنا بعض السكان أنهم كانوا يشترون القطع الأرضية وسط المياه، ويقومون بعمليات طمرها بالأحجار والأتربة لبناء ما يشبه المنازل والاستقرار داخلها، في انتظار برامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية ومشاريع إعادة الهيكلة، وكذا الوعود المتكررة التي يطلقها السياسيين عند كل محطة انتخابات بتنمية الحي دون جدوى.
استنزاف المال العام
تستنزف برامج ومشاريع إعادة الهيكلة الخاصة بالأحياء العشوائية بمدن الشمال، ملايين الدراهم من المال العام، ما يرهق كاهل الدولة ويضيع فرص التنمية وإمكانية استثمار الميزانيات المذكورة في مشاريع تجويد الخدمات بقطاعات حساسة، علما أن لوبيات التجزيء السري والبناء العشوائي، هي المستفيد الوحيد من العملية دون أداء أي درهم لخزينة الدولة، إلى جانب علاقاتها الخفية مع بعض المسؤولين والسياسيين الذين يستغلون كثافة السكان بالأحياء العشوائية وحاجتهم للبنيات التحتية في توسيع القواعد الانتخابية للأحزاب.
وكلف مشروع بناء قناة دائرية على وادي «كنديسى»، في إطار تنفيذ برامج حماية مدينة الفنيدق من خطر الفيضانات، غلافا ماليا وصل إلى 16,8 مليون درهم، حيث يهدف المشروع المذكور إلى تقليص الآثار السلبية لتدفق مياه وادي «كنديسى» على الساكنة، وتحسين سيلان المياه بالوادي لحماية ساكنة المدينة من خطر الفيضانات، خاصة في فصل الشتاء.
وذكرت مصادر أن ربط المسؤولية بالمحاسبة، في ملف استنزاف المال العام في تجهيز البنيات التحتية ومشاريع إعادة الهيكلة المرتبطة بظاهرة البناء العشوائي داخل مجاري الوديان بإقليمي المضيق – الفنيدق وتطوان، يقتضي مساءلة العديد من السياسيين الذين يتحملون مسؤولية تسيير الشأن العام المحلي الآن ومن تحملوا المسؤولية في وقت سابق، فضلا عن التحقيق في علاقتهم مع بعض أعيان المدن المتورطين في عمليات التجزيء السري، بشكل ساهم في ظهور أحياء عشوائية مهددة بكوارث الفيضانات في كل لحظة، حيث يصعب على الجهات المسؤولة التعامل مع الأمر في ظل غياب البنيات التحتية والطرق، واستحالة وصول سيارات الإسعاف أو الإطفاء أو أي وسائل إنقاذ أخرى.
واستنادا إلى المصادر نفسها فإن لوبيات التجزيء السري والبناء داخل محارم الوديان، تُحصل أموالا طائلة من وراء العمليات العشوائية، فضلا عن استغلال الأحزاب السياسية للملف في توسيع القواعد الانتخابية، لكن الدولة تعتبر الخاسر الأكبر في العملية، باعتبار أنها تبقى المسؤولة رقم واحد عن البحث عن الحلول الترقيعية التي تكلف ميزانيات ضخمة من المال العام، قصد تجهيز البنيات التحتية وفتح الطرق والممرات ووضع تدابير وقائية من الفيضانات.
ترقب وانتظار
مازال العديد من السياسيين بإقليمي تطوان وشفشاون فضلا عن منعشين عقاريين، يعيشون على وقع الترقب والانتظار في موضوع الشكايات الموضوعة ضدهم لدى الجهات القضائية المختصة، في ملفات تتعلق بالبناء العشوائي بمحارم الوديان، حيث مازال التحقيق والبحث جاريان من قبل النيابة العامة المختصة، في انتظار تجميع كافة المعطيات والتدقيق في الوثائق ومحاضر الإثبات، سيما وأن الضابطة القضائية التابعة للقيادة الجهوية للدرك الملكي بجهة طنجة – تطوان – الحسيمة، استمعت إلى بعض المشتكين بالجماعة الحضرية لواد لو وتسلمت منهم كافة الوثائق والمعلومات والدلائل التي أسسوا على إثرها شكاياتهم المقدمة إلى وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية بتطوان.
وحسب مصدر مسؤول فإن البناء داخل محارم الوديان، يخالف كافة قوانين التعمير المعمول بها، فضلا عن تسبب العشوائية في تشويه معالم المدن الساحلية، وإرهاق ميزانية الدولة بمصاريف إضافية، كان بالإمكان تجاوزها لو حضرت الشفافية والنزاهة، وتم تفعيل ربط المسؤولية بالمحاسبة كما يجب، في ملفات التجزيء السري وتوقيع بعض رؤساء الجماعات على رخص البناء الانفرادية، إلى جانب انتشار العقود العرفية والاستيلاء على أراضي الدولة والمياه والغابات في ظروف غامضة.
وأضاف المصدر نفسه أن توسيع دائرة التحقيق في ملفات البناء العشوائي داخل الوديان بمدن الشمال، قد يسقط رؤوسا سياسية كبيرة، خلال الأيام القليلة المقبلة، بسبب التورط بشكل غير مباشر في التجزيء السري والعقود العرفية التي كان يتم التوقيع عليها في ظروف غامضة، ماساهم في نشوب العديد من المنازعات القضائية بين باعة القطع الأرضية العشوائية، والمشترين من الفئات الفقيرة والباحثين عن تحقيق حلم السكن والاستقرار. وكان محمد مهيدية والي جهة طنجة – تطوان – الحسيمة، إلى جانب العديد من عمال الأقاليم الشمالية، أكدوا خلال العديد من اللقاءات والاجتماعات الرسمية، على عزمهم القطع مع الفوضى والعشوائية في التعمير بمدن الشمال، وإلزام المنعشين العقاريين باحترام مضامين تصاميم التهيئة المصادق عليها من قبل المصالح الحكومية، إلى جانب تفعيل دور السلطات المحلية في المراقبة ومحاربة البناء العشوائي داخل محارم الوديان.

فشل المجالس
فشلت المجالس الجماعية بالشمال، في خلق بديل حقيقي للبناء العشوائي، وحاجة المواطنين من الفئات الهشة والفقيرة إلى الحق في السكن اللائق، وذلك بسبب غياب الكفاءات داخل التحالفات التي تتحمل تسيير الشأن العام المحلي، فضلا عن غياب استراتيجيات واضحة في المجال، وكذا لارتباط الأمر بالعجز عن توفير الموارد المالية الكافية لإطلاق مشاريع مهيكلة، تساهم في تنظيم المجال العمراني وتقطع مع الفوضى والعشوائية.
وتتهافت العديد من الأحزاب السياسية عند انطلاق الحملات الانتخابية، على الأحياء العشوائية باعتبارها خزانا انتخابيا، حيث يتم استغلال ظروف سكانها الذين يكونون في أمس الحاجة للربط بشبكات الماء والكهرباء والتطهير السائل، فضلا عن حاجتهم للحصول على وثائق إدارية مرتبطة بمصالح الجماعات الحضرية وتوقيع الرؤساء.
وساهمت الأحياء العشوائية التي شيدت بمجاري الوديان، في تشويه وجه بعض مدن الشمال، كما أنها تتعارض والأهداف المرسومة للمشاريع الملكية، التي همت تجهيز البنيات التحتية لاستقبال الاستثمارات، والمساهمة في خلق فرص الشغل للشباب واستقطاب السياح من كل البلدان. إلى ذلك يحاول بعض السياسيين بإقليم تطوان، التهرب بطرق ملتوية من مسؤوليتهم في موضوع بعض الشكايات التي وضعت ضدهم في ملفات فساد وارتكاب خروقات تعميرية خطيرة، فضلا عن مخالفة مشاريع عقارية لبرلمانيين لتصاميم التهيئة المصادق عليها من قبل المصالح الحكومية المختصة، والتوقيع على رخص بناء انفرادية سبق وصدرت العديد من المذكرات الوزارية التي تمنعها بشكل قاطع، فضلا عن منع البناء داخل محارم الوديان، قصد تجنب أخطار الفيضانات وإرهاق ميزانية الدولة في مشاريع ترقيعية.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Al akhbar Press sur android
إغلاق
إغلاق