هكذا يتعرض مربو الأجيال للتعنيف من قبل تلاميذ داخل مؤسسات تعليمية

هكذا يتعرض مربو الأجيال للتعنيف من قبل تلاميذ داخل مؤسسات تعليمية

كوثر كمار
تتحول بعض المدراس إلى ما يشبه ساحة حرب تخلف وراءها خسائر مادية وأخرى يروح ضحيتها بالأساس الأساتذة من قبل تلاميذهم. فمنهم من يتعرضون لاعتداءات جسدية ومنهم من توجه إليهم عبارات السب والشتم.
وتعود أسباب تعنيف الأساتذة في غالب الأحيان إلى عدم رضوخهم لطلبات التلاميذ بالسماح لهم بالغش أو تمكينهم من الحصول على نقط عالية، ليكون بذلك ثمن الرفض هو انتقام الطرف الآخر.
“الأخبار” تسلط الضوء على ظاهرة تعنيف التلاميذ لرجال التعليم وتكشف عن معطيات صادمة.
تتكرر حالات تعنيف الأساتذة من قبل التلاميذ ما بين الفينة والأخرى داخل أو خارج محيط المؤسسات التعليمية، ففي إقليم تاونات تعرضت أستاذة بإحدى الثانويات يوم الجمعة الماضي للضرب والركل من قبل تلميذ يدرس بالثانية باكلوريا مسلك العلوم الإنسانية.
وأفاد مصدر “الأخبار” أن الأستاذة حاولت منع التلميذ من الغش خلال اجتيازه ﻵخر فرض بالأسدس الثاني، غير أنه لم يتقبل الأمر وثار في وجه أستاذته الحامل في شهرها الأول ليضربها نحو بطنها، ليتم نقل الضحية إلى قسم المستعجلات بالمركز الاستشفائي الإقليمي بتاونات ثم إلى مصحة خاصة من أجل تلقي العلاجات الضرورية من الرضوض التي أصيبت بها، قبل أن تمنح لها شهادة طبية تثبت مدة العجز المؤقت في 20 يوما قابلة للتمديد في حالة ظهور مضاعفات صحية.
وأضاف المصدر ذاته، أنه لولا تدخل التلاميذ لمنع زميلهم من مواصلة تعنيف الأستاذة لتفاقم الوضع، حيث حضر على وجه السرعة المدير الإقليمي لوزارة التربية الوطنية إلى مركز الدرك بالمنطقة لمتابعة الحادث ومؤازرة الضحية.

agg

مؤازرة أستاذة معنفة
أثارت حادثة تعنيف أستاذة بإحدى الثانويات بإقليم تاونات استياء العديد من رجال التعليم الذين عبرو عن رفضهم للأسلوب اللاخلاقي الذي نهجه التلميذ في حق مربية الأجيال.
وفي هذا السياق عبرت اللجنة الإقليمية للجامعة الوطنية لموظفي التعليم بتاونات عن تضامنها مع الأستاذة، وأفادت في بيان لها أن الأستاذة تعرضت لاعتداء جسدي بسبب محاربتها للغش أثناء اجتاز الامتحانات مما ترتب عنه شهادة طبية أولية مدتها عشرون يوما، بالإضافة إلى الأثار السلبية التي انعكست على نفسية الأستاذة واعتبرت اللجنة الإقليمية للجامعة الوطني لموظفي التعليم بتاوونات اعتبرت أن هذا السلوك يعد مسا بكرامة نساء ورجال التعليم، عموما موضحة أن ظاهرة العنف المدرسي تفاقمت بشكل كبير على مستوى المديرية الإقليمية بتاونات، كما كشفت اللجنة في البيان ذاته أنها نصبت نفسها طرفا مدنيا في القضية مطالبة برد الاعتبار، ونددت بالسياسة المتبعة التي اعتبرت أنها أفرغت المؤسسات التعليمية من كل مقومات الأمن، فضلا عن تحميلها المسؤولية الكاملة للوزارة الوصية بسبب إصدارها لمذكرات تحرم معاقبة التلاميذ داخل مجالس الأقسام.
أما مدينة القصر الكبير فهي الأخرى عرفت تنظيم وقفات احتجاجية من قبل الأطر العاملة بإحدى الثانويات بالمنطقة خلال الأيام الماضية، وذلك تنديدا بما تعرضت له أستاذة للغة الفرنسية من اعتداء شنيع من طرف أحد التلاميذ، مما تسبب لها في شلل جزئي على مستوى الرجل، بعد تعرضها للضرب من طرف تلميذ تدرسه، قبل أن يلوذ بالفرار.

محاربة الغش والانتقام
يعزو العديد من رجال التعليم سبب تعنيف بعض التلاميذ لأساتذتهم إلى إصرارهم على الغش في الامتحان وعدم تقبلهم إحباط تلك العملية.
سلوى أستاذة اللغة الفرنسية بإحدى المؤسسات التعليمية بمدينة الدار البيضاء، تتعرض للعنف اللفظي باستمرار من قبل التلاميذ بسبب رفضها منحهم نقطا عالية وعدم السماح لهم بالغش أثناء اجتياز الامتحانات.
وتقول سلوى خلال حديثها مع “الأخبار”، إنها ضاقت ذرعا من تصرفات بعض التلاميذ المراهقين فهم فالحون فقط في الإدمان على المخدرات والتحرش بزميلاتهم بالفصل حسبها، وتضيف أنها عندما تراقب الامتحانات الوطنية المتعلقة بالباكلوريا تواجه العديد من المشاكل مع التلاميذ، إذ تصل في بعض الأحيان إلى التهديد، ثم تردف أن بعض التلاميذ يعتبرون الغش حق مشروع وأي محاولة للتصدي لهم قد يؤدي ثمنها الأساتذة. وتذكر سلوى أنها تعرضت لموقف محرج خلال السنة الماضية، فمباشرة بعد خروجها من المؤسسة التعليمية التي تدرس بها تعرضت للضرب بالحجارة
فأصيبت على إثرها ببعض الجروح البسيطة، إلا أنها لحدود اليوم مازالت تجهل الفاعل.
وتضيف أنها أخفت الأمر عن زوجها مخافة أن يمنعها من العمل بعدما أصبحت مهددة بسبب نار الانتقام.
أصبحت سلوى تحاول تفادي الإصطدام مع التلاميذ خاصة أثناء الامتحانات، وذلك عندما تسند إليها مهمة المراقبة، خوفا من تبعات الأمر في المستقبل.

اعتداء ثم وفاة
يؤدي الانتقام الذي يتولد لدى بعض التلاميذ وأهاليهم إلى الإقدام على ارتكاب جرائم شنيعة.
فخلال الشهر المنصرم لقي حارس عام مصرعه بثانوية إعدادية بضواحي مدينة مراكش، بعدما دخل في صراع مع أخ تلميذ بالمؤسسة ذاتها.
ويحكي شاهد عيان في تصريح لـ “الأخبار”،أن المتهم لم يتقبل توبيخ أخيه ومنعه من دخول الفصل الدراسي بسبب تسريحة شعره التي تخل بالقانون الداخلي للإعدادية، فبعد الدخول في مشادات كلامية حاول الحارس الدفاع عن مدير المؤسسة التعليمية غير أنه لم يفلح في الأمر، إذ لم يتحمل الدخول في مشادات كلامية مما أدى إلى إصابته بأزمة قلبية.
وكشفت مصادر محلية، أن الهالك في نهاية عقده الخامس متزوج من أستاذة للتربية البدنية بالمؤسسة المذكورة ولديه أبناء، وكان يعاني قيد حياته من مشاكل صحية على مستوى القلب ويعاني مرض السكري، وكان سيتقاعد نهاية الموسم الدراسي الحالي.
أما في مدينة وزان فقد اهتزت إحدى الثانويات بجماعة زومي بإقليم وزان، على وقع جريمة بطلها تلميذ يدرس بالمؤسسة ذاتها، أقدم على طعن أستاذه في مادة التربية البدنية، قبل أن يلوذ بالفرار إلى وجهة غير معلومة.
ويحكي مقرب من الضحية أن التلميذ لم يكن في حالة طبيعية حينما أقدم على طعن أستاذه ثلاث طعنات، اثنتان منها اخترقت ظهره، وشرايين يده، فتم نقل الضحية على وجه السرعة إلى مستشفى محمد الخامس بمدينة شفشاون، حيث خضع لعملية جراحية مستعجلة لوقف النزيف بسبب الطعنات التي تعرض لها والتي كادت تودي بحياته لولا لطف الله.
ويضيف المتحدث ذاته، أن التلميذات بالمؤسسة التعليمية لم يتحملن مشهد طعن أستاذهن فأغمي عليهن من هول الصدمة، فيما فتحت عناصر الضابطة القضائية تحقيقاتها في النازلة.

المخدرات هي السبب
يرجح عدد من التربويين أن الإدمان على المخدرات من بين الأسباب الرئيسية التي تؤدي إلى العنف داخل المدراس، خاصة مخدر “الكالة” الذي أصبح منتشرا في صفوف التلاميذ.
زكرياء تلميذ يدرس في السنة أولى ثانوي بمدينة الدار البيضاء مدمن على مخدر “الكالة” منذ حوالي سنة، صادفناه أمام المؤسسة التعليمية التي يدرس بها جالسا على الرصيف ويدخن السجائر.
يقول زكرياء بنبرة ساخرة: “لا أفهم شيئا في الرياضيات فمن لديه المال فقط قادر على الفهم لأنهم يتلقون دروسا خصوصية، أحاول أن أنسى همومي عن طريق السجائر والكالة”، ثم يردف أن “الكالة” هي عبارة عن مسحوق “النفحة” المكون من التبغ، ويتصف برائحة الفليور القوية، إذ يلف مسحوق التبغ وسط قطعة صغيرة من منديل ورقي أو “النيبرو”، ويوضع بين الشفة السفلى واللثة ويوضع في مناطق أخرى.
ويرى زكرياء أن الغش في الامتحان هو الحل بالنسبة له لاجتياز الاختبارات والضغط على الأستاذات خاصة من أجل الرفع من النقط وعدم كتابة التقارير خلال القيام بعمليات الغش.
ويحكي زكرياء أن زميله في الفصل انتقم من أستاذة منحته صفرا في الامتحان، فاتفق مع زملاء ابنها في الفصل وقدموا له المعجون على أنه حلوى، فحولوه إلى مهرج وسط ساحة الثانوية.

دراسة: يحتل العنف الممارس من قبل التلميذ تجاه الأستاذ الصدارة بنسبة 20 في المائة وطنيا
يحتل العنف الذي يمارسه التلميذ تجاه الأستاذ على الصعيد الوطني الصدارة بنسبة 20 في المائة حسب دراسة سبق أن قدمتها وزارة التربية الوطنية حول العنف بالمدارس، التي أظهرت تفشي ظاهرة العنف، فقد بلغت حالات العنف المسجلة داخل المؤسسات التعليمية 52 في المائة، تتنوع أشكاله بين عنف جسدي يحتل الصدارة بنسبة 58 في المائة وعنف لفظي 14 في المائة، كما يمثل التحرش الجنسي 14 في المائة، والاغتصاب 14 في المائة.
الدراسة التي قامت بها الوزارة بناء على مؤشرات العنف داخل المؤسسات التعليمية وفي محيطها من خلال المتابعة الصحفية للجرائد الوطنية من 01 شتنبر 2012 إلى 28 فبراير 2013، عزت ارتفاع نسبة العنف الموجه ضد الأساتذة إلى الاحتكاك والتصادم، الذي يقع بينهم وبين التلاميذ مما يفتح المجال كي تتحول العلاقة أحيانا إلى علاقة توتر تفضي إلى العدوانية، موضحة أن حضور التلميذ كطرف يتكرر في العلاقات العنفية المسجلة، خاصة باستحضار البواعث السيكولوجية والاجتماعية المرتبطة بالمستوى المعيشي .
وأظهرت الدراسة، أن حالات العنف مسجلة أكثر في المجال الحضري في مقابل انخفاضها في المجال القروي، وهو ما تم تفسيره بكونه متعلقا بالأسباب الديموغرافية كارتفاع نسبة الكثافة السكانية في المدن وما قد يفرزه ذلك من ظهور أحياء هامشية وأسباب اجتماعية واقتصادية كانتشار الفقر والبطالة وانتشار المخدرات وتفشي الأمية وتدني درجات الوعي، فضلا عن أسباب تكنولوجية مرتبطة بالعولمة.
وكشفت الدراسة ذاتها، أن الدلالة الإحصائية المتعلقة بالعنف اللفظي لا يعتد بها، لأن الحقيقة أكثر بكثير إلا أنه بالرغم من ذلك فالأرقام والنسب الأخرى المتعلقة بالعنف الجسدي وحالات الاغتصاب، تضيف الدراسة ذاتها، باتت تحيل على واقع تربوي بدأ يهيمن عليه بشكل واضح مناخ العنف والإجرام والانحراف. ومن الحلول المقترحة، حسب الدراسة، خلق شرطة مدرسية تتكلف بالتصدي لكل الظواهر السلبية بفضاء المؤسسات التعليمية والتعاقد مع شركات لتوفير الأمن وتثبيت كاميرات المراقبة داخل المؤسسات، بالإضافة إلى تنظيم تكوينات خاصة لأطر التدريس لتمكينهم من آليات التعامل مع العنف، ومكافحة ترويج المخدرات، وعدم ممارسة أي عنف مادي أو لفظي تجاه الأبناء.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *