MGPAP_Top

هكذا يتم استقبال الطلبة الجدد في بعض المعاهد العليا

هكذا يتم استقبال الطلبة الجدد في بعض المعاهد العليا

كوثر كمار
تنظم بعض المعاهد العليا بالمغرب أسبوعا للتعارف في بداية الموسم الدراسي، وهو ما يعرف بـ «البيزوطاج»، حيث يقوم الطلبة القدامى باحتفالات لاستقبال الطلبة الجدد، لكن على طريقتهم الخاصة بهدف إزالة الشعور النفسي بالرهبة التي تنشأ عن ولوج الجامعة أو المعهد أول مرة، خاصة في الأسبوع الأول من الدخول المدرسي.غير أن هذا النوع من الاحتفالات تتخللها أحيانا بعض الأنشطة المهينة للطلبة والمحطة بكرامتهم كتلطيخ وجوههم بالدقيق والبيض، وإلباسهم الحفاظات، مما يؤدي إلى شعورهم بالإحباط والتعرض لأزمات نفسية.
«الأخبار»، تسلط الضوء على ظاهرة «البيزوطاج»، وتنقل شهادات مؤثرة لطلبة عاشوا التجربة.
مع انطلاق الموسم الدراسي خلال هذه الأيام يستعد عدد من الطلبة ليوم التعارف «البيزوطاج»، وذلك من أجل تحضير بعض المواد والسوائل التي يلطخ بها الطالب وجهه ورأسه وتكون في الغالب هذه المواد من عصير الطماطم والماء والبيض بحيث نغمس وجه الطالب الجديد.
جواد طالب بإحدى المعاهد العليا بمدينة الدار البيضاء يقول خلال حديثه مع «الأخبار»، أن الطلبة يحاولون خلق جو من المغامرة والمرح من أجل التعارف والتقرب من بعضهم البعض، إلا أن البعض لا يتحملون «البيزوطاج»، ويرفضون تنفيذ الأوامر كإدخال رؤوسهم في البيض والدقيق، أو تلطيخ أجسامهم بالوحل وهم معصوبو الأعين، إذ يضطرون إلى تغير المؤسسة في بعض الأحيان.
ويرى الطالب ذاته، أن الأمر غير خطير كما يزعم البعض بل يهدف فقط إلى الاندماج في المؤسسة وربط علاقات صداقة ما بين الطلبة القدامى والجدد.

طقوس «البيزوطاج»
«البيزوطاج» في المعاهد العليا له طقوس خاصة حيث يخضع الطلب الجدد للعديد من الاختبارات ويمرون من بعض المواقف الحرجة.
ثريا، خريجة أحد المعاهد العليا بسطات، فرغم مرور خمس سنوات على تعرضها لـ «بيزوطاج»،غبر أن بدنها يقشعر كلما تذكرت يوم ولوجها للمعهد.
وتحكي ثريا خلال حديثها مع «الأخبار»، أن الطلبة القدامى تعاملوا معها وكأنها جندية بثكنة عسكرية. حيث أرغموها على المرور تحت الحبل، ولطخ جسمها بالوحل، كما تم إجبارها على الأكل من طبق في الأرض بطريقة مذلة، وهي معصوبة العينين. وتضيف أنها كادت أن تختنق بعدما غمس أحد الطلاب وجهها في الدقيق والبيض، فيما رشقها آخرون بالطماطم.
وترى ثريا أن هذه الطقوس تحط من الكرامة، خاصة أن معظم الطلبة القدامى يلتقطون لهم صورا وهم في وضعية لا يحسدون عليها، وقد يصل الأمر بالبعض إلى إشراب الطلبة سوائل غريبة قد تؤثر على صحتهم أو كتابة كلمات مهينة على وجوهم.
وتقول خريجة المعهد بنبرة متحسرة: «البيزوطاج جعل معظم الطلبة الجدد ينطوون على أنفسهم فبسبب المواقف الحرجة التي مروا بها لم يتمكنوا من الاندماج مع القدامى، حيث تحول الأمر إلى حقد دفين لديهم خاصة أنه في كل مرة يذكرونهم بأول يوم ولوجهم المؤسسة باستهزاء».

تعذيب نفسي
يضطر بعض الطلبة الذين خضعوا لـ «البيزوطاج» إلى تغيير المعاهد العليا التي ولجوا إليها بسبب شعورهم بالإحباط والإهانة خلال بداية الموسم الدراسي، خاصة أن الطلبة الذين يرفضون هذه الممارسات يتم عزلهم من قبل الطلبة القدامى ويصفونهم بالمعقدين نفسيا.
مهدي طالب في السنة الثانية بأحد المعاهد العليا بمدينة الدار البيضاء، عاش خلال السنة الماضية تجربة «البيزوطاج»، مما دفعه لتغيير الشعبة والانتقال للدراسة بمؤسسة أخرى.
يحكي مهدي خلال حديثه مع «الأخبار»، أنه لم يتحمل استهزاء نظرات الطلبة له بعدما رفض حلق رأسه وتشويه شعره بطريقة غير لائقة، ويضيف الطالب ذاته، أن معظم الطلبة تعرضوا لحلاقة رؤوسهم قسرا بطريقة مهينة، فيما أجبروا آخرين على ارتداء ملابس نسائية وحمالات للصدر، وتم طلاء أظافرهم، وتلطيخ وجوهم بالحناء والصباغة، ويردف أن الأمر يصل أحيانا إلى درجة تعليق ورقة مكتوب عليها عبارة حمار، حيث يطوف الطالب أرجاء المؤسسة والتقاط صور له والاستهزاء به عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
«البيزوطاج» في اعتقاد مهدي هو مجرد «بسالة»، وتمرد بمباركة بعض المؤسسات التعليمية، فهذه الظاهرة لها انعكاسات سلبية وليس لها أي داعي، فعوض أن يتم تعليم الطلبة الجدد الانضباط والأمان يشعرون بالإحباط واليأس، فبعض الطلبة يتعمدون إهانة الفتيات وإجبارهن على ارتداء الحفاظات والأكل من الصحون على الأرض والمشي على الركب حسب روايته.

تحرش جنسي
يستهدف بعض الطلبة خلال «يوم الاندماج والتعارف»، الطالبات، حيث يخضعوهن لمواقف محرجة، كرشقهن بالطماطم ورشهن بالمياه، وذلك من أجل التقرب منهن وربط علاقات حميمية معهن.
لينا طالبة بمعهد عالي بمدينة الدار البيضاء، هي الأخرى عاشت تجربة «البيزوطاج» خلال السنة الماضية، لكنها مازالت متأثرة بسبب التحرش الذي تعرضت له خلال أول يوم لها بالمؤسسة.
وتحكي لينا في حديثها للجريدة، أن أحد الطلبة القدامى كان مصرا على إحراجها، حيث أرغمها على شرب سائل البيض ولطخ شعرها بالصباغة، والحناء، ليحملها على كتفيه ثم أوقعها في الوحل.
تقول لينا بنبرة متحسرة: «ظل يتربص بي الطالب طيلة يوم «البيزوطاج» وطلب مني رقم هاتفي غير أنني رفضت ذلك، وكان يحرض الطلبة الآخرين ضدي إذ كانوا يقولون لي إن لم ترضخي لمطالبنا فهذا يعني أن لديك شخصية معقدة وغير مرحة وليست لديك أي قابلية للاندماج بين طلبة المؤسسة، وفي اليوم الموالي تفاجأت بصوري على موقع التواصل الاجتماعي رفقة الشاب مما أثار غضب أخي الذي شاهد تلك الصور فأرغمني على تغيير المؤسسة».
اضطرت لينا إلى تغيير الشعبة التي كانت تنوي دراستها بسبب ضغط أسرتها التي لم يرق لها «البيزوطاج» ومنذ ذلك الحين وهي تكره هذه الظاهرة التي حرمتها من دراسة شعبتها المفضلة.

إلغاء «البيزوطاج»
عبر العديد من أولياء أمور الطلبة عن استيائهم بسبب ما يقع من تصرفات غير لائقة ومهينة في حق أبنائهم خلال أولى الأيام لهم بالمعاهد العليا، مما أدى إلى إلغاء هذا الاحتفال السنوي في العديد من المؤسسات التعليمية العليا، بينما البعض مازالوا ينظمون حفلات «البيزوطاج» لكن تحت مراقبة الإدارة عن طريق منع جميع التصرفات المهينة والحاطة بالكرامة عن طريق وضع بنود صارمة ضمن القانون الداخلي للمؤسسة.
ففي السنة الماضية تم إلغاؤه بالمدرسة الوطنية العليا للفنون والمهن بمدينة مكناس، حيث نظم مكتب الطلبة أسبوعا للاندماج والتعارف، يرمي إلى تقديم المساعدة للطلبة المهندسين الجدد عبر مجموعة من الأنشطة ذات البعد التعارفي والإدماجي.
وأفاد مصدر من المعهد بأن الهدف من ذلك هو محاربة ظاهرة «البيزوطاج» التي تحول دون تحقيق الأهداف المنشودة عقب لقاء الطلبة الجدد بأولئك الذين سبقوهم بالمعاهد والمدارس العليا، وذلك بممارستهم لمظاهر مهينة وإعطاء أوامر لا تستجيب لأدنى شروط الاحترام والتقدير للطالب الجديد، وتمس إنسانيته وكرامته».
واحتفى الطلبة المهندسون بزملائهم الملتحقين حديثا، عبر تنظيم لقاء جمع طلبة السنة الأولى بمدير المدرسة وبعض الأطر الإدارية وبعض الأساتذة، وتنظيم محاضرات بحضور بعض خريجي المدرسة وأطر أخرى تعمل بمجال الهندسة.
كما قام الطلبة بزيارة المؤسسة، وبالإضافة إلى ذلك نظموا زيارة إلى بعض المآثر التاريخية لمدينة مكناس قصد التعريف بالمدينة التي سيدرسون فيها.

كيف تسللت ظاهرة «البيزوطاج» إلى المعاهد بالمغرب
«البيزوطاج» ممارسات قديمة كان يلجأ إليها الجنود في الجيوش العسكرية، حيث يصر الجنود القدامى على تعريض زملائهم الملتحقين حديثا لمواقف ومقالب محرجة وطريفة من أجل إزالة مشاعر التردد والخجل والرهبة من أنفسهم كي يتحرروا من كل الأفكار المسبقة التي توجد في دواخلهم، بغية الانخراط والاندماج سريعا في الحياة العسكرية الجديدة.
وكانت هذه المقالب تنجح في أغلب الحالات في تليين وتيسير الاندماج النفسي للجنود الجدد، الذين كانوا يتخوفون من صعوبات الانضباط في الحياة العسكرية التي تتسم عادة بالصرامة والقسوة.
وتجعلهم في حالة تأهب للحفاظ على رباطة الجأش ورزانة العقل أمام الإهانة والمذلة التي قد يواجهها أثناء الأسر بهدف اختيار الموت مقابل إفشاء السر المهني.
ويرى الباحثون أن هذه الممارسات انتقلت من تعاملات الجنود القدامى مع رفاقهم الجدد في الجيش إلى أجواء الجامعات والمعاهد والمؤسسات العليا بفرنسا منذ حوالي قرن من الزمن وتحديدا بجامعة باريس بهدف تمريس الطلبة على الوسط الجديد، فانتشرت هناك في بقية المدارس، وقد أصدرت الحكومية الفرنسية قانون 17يونيو 98 ضدا على الممارسات السادية للطلبة القدامى على الجدد وبعد إجبار إحدى الطالبات على المشي عارية فوق الثلج فماتت من فرط البرودة وأخريات تعرضن لهتك العرض باسم الطاعة والولاء للطلبة القدامى، ورغم ذلك استمرت هذه الممارسات، لكنها اختلفت وتحسنت طرقها وأصبحت تسمى «ويكاند» الإدماج.
لينتقل بعد ذلك «البيزوطاج» إلى المغرب عبر الحماية الفرنسية من خلال ترسبات ومخلفات الاستعمار الفرنسي للبلاد الذي دام سنوات عديدة إلى حدود 1956، السنة التي حصل فيها المغرب على الاستقلال، فظلت بعض ممارسات «البيزوطاج» في هذه الجامعات، لكنها انحرفت وعرفت تجاوزات سلوكية وأخلاقية خطيرة، أخرجت غاياتها من حدودها، حيث أصبح الطلبة يتعرضون للإهانة من قبل الطلبة القدامى.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة