هل تواجه الحكومة شبح برنامج التقويم الهيكلي ؟

هل سيعود المغرب في ظل الحكومة الحالية إلى الفترة التي سبق أن عاشها المغرب خلال الثمانينات؟ تلك الفترة التي كان التقشف عنوانها، بسب اختلال الميزان التجاري للدولة، حيث كانت كما هو الشأن اليوم تستورد أكثر مما تصدر. العجز في ميزان الأداءات أدى إلى لجوء الحكومة الحالية، كما فعلت سابقاتها إلى إغراق البلاد بالديون.
الاقتراض وهو الحل الذي تلجأ إليه العديد من الدول خاصة تلك المحسوبة على معسكر الدول النامية، هذه الدول وبسبب شح الموارد، إما لطبيعة بنية الدولة، أو بسبب عوامل سوء التدبير، أو الفساد وغيره من أسباب مرتبطة بعوامل داخلية وخارجية يصبح التوازن بين صادراتها ووارداتها مسألة مستحيلة. وإذا كان الاقتراض مسألة طبيعية، فإن عيب سياسة بعض الحكومات هو ذهابها إلى أبعد حدود في الاعتماد عليه. وحين يصل الدين الخارجي إلى أعلى مستوياته، يصبح صندوق الدولي وكل المؤسسات الدولية المانحة قلقة على مصالحها، وكيفية استرجاع ما قدمته مقابل فوائد قد ترهن مستقبل أجيال عديدة. هذه الأجيال التي لا ذنب لها سوى أنها ولدت في دولة نامية. وأن المسؤولين من أبناء بلدهم الذين أوكل إليهم تسيير شأنها، أغرقوها في مستنقع القروض، وجعلوها رهينة في يد صندوق النقد الدولي، يفرض عليها إملاءاته كيف شاء. وبما أن الحكومة ليس لها من حل سوى الخضوع لما يقرر في مكاتب هذه المؤسسات المالية الدولية. فإن الحل الوحيد المتبقى أمامها هو العودة إلى القفز على «الحيط القصير» كما يسميه المغاربة، والذي هو الشعب طبعا. تقوم الحكومة بفرض المزيد من التقشف، وترفع الضرائب، وتلغي كل ما يتعلق بالشأن الاجتماعي كبناء المستشفيات والمؤسسات التعليمية، وإلغاء التوظيف، لأنها لا تستطيع، أو بالأحرى لأن الاهتمام بمصلحة المؤسسات المالية العالمية يأتي قبل الاهتمام بالأوضاع الاجتماعية للمغاربة.
تعتبر سنة 1974 محطة أساسية في مديونية الدول النامية، حيث أصبح العجز الذي تعاني منه أداءات تلك الدول عميقا. ومن المؤشرات الأساسية التي عادة ما تقاس بها حالة عجز في ميزان الأداءات لبلد ما، هناك مؤشران اثنان:
-الأول، يتجلى في تراكم المستحقات المتأخرة للدين العام.
-الثاني، يتجلى في تناقص احتياطات النقد الأجنبي وعدم كفايتها لتمويل فاتورة الواردات.
طبعا أمام الوضعية المالية الصعبة التي تجد العديد من الدول، كالمغرب مثلا نفسها في مواجهتها، يقرر صندوق النقد الدولي، والبنك العالمي وغيره من المؤسسات الأخطبوطية التي تمنحنا قروضا ترهن اقتصاد البلاد التدخل. وتدخل المؤسسات النقدية الدولية المانحة للقروض يتجلى في اتخاذ مجموعة من التدابير والإجراءات للإمساك بزمام الأمور حتى لا تضيع مصالحها وتتحول الدول المدينة إلى دول مفلسة نهائيا على غرار دولة اليونان. من بين هذه التدابير يأتي التدبير الشهير والذي هو طبعا تدبير ما يسمى ببرنامج التقويم الهيكلي والذي يقوم على أساس القيام بإصلاحات جد مؤلمة بالنسبة للشعب وخاصة الطبقات المسحوقة، بهدف إدخال تغييرات على البنيات والاختيارات التي تقف وراء مظاهر الاختلال المالي للبلد المعني.
ما الذي يعنيه هذا النوع من التدخل؟ ما يعنيه باختصار هو أن الحكومة في الدولة التي بلغت ديونها مستوى غير معقول، تقدم استقالتها على الأقل بالنسبة للمجال الاقتصادي ليصبح رؤساء مكاتب المؤسسات البنكية الدولية هم من يشرف على هذا القطاع حتى تعود الأمور إلى نصابها.
ليست هذه المرة الأولى التي نواجه فيها مثل هذا الوضعية الصعبة. ففي الثمانينات وكما هو معروف، خضع المغرب لبرنامج التقويم الهيكلي، الذي كانت آثاره وخيمة على المغاربة. والانتفاضات الشعبية خلال هذه الحقبة لا زالت في ذاكرة المغاربة.
لقد استبشر المغاربة بحلول حزب المصباح في المرتبة الأولى خلال الانتخابات البرلمانية السابقة. وحين شكل بنكيران الحكومة، كبر أمل المغاربة في أن يكون غدهم أفضل من أمسهم، وأن يتقلص مستوى الفساد بشكل كبير، بما أن القضاء عليه يعد من عاشر المستحيلات، لكن يبدو أن العفاريت والتماسيح انتصرت أخيرا على رئيس الحكومة.
وما على المغاربة اليوم سوى أن يستعدوا لتزيار السمطة، أما الإصلاحات الاجتماعية للحكومة التي وعدت بها فرحمة الله عليها.

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة