GCAM_Top
TM_Top
TM_Top-banner_970x250

هل سينتهي الأسد قتلا؟ ( 1 ـ 2)

يظهر التاريخ ثلاث صور متباينة للطغاة : طغاة يَقتلون ويُقتلون. وطغاة يَقتلون ويُحملون على محفة عسكرية بكل مظاهر التكريم إلى قبورهم فيدفنون في ضريح عظيم يحج الناس إليه من كل فج عميق لإظهار الولاء كما حصل مع جثة لينين . وعلى العكس من ذلك بنهاية بعض الصالحين والفلاسفة والأنبياء الذين عذبوا وشردوا وقتلوا بدون قبر. فـ (سقراط) انتهى بتجرع سم الشوكران. وطعن (سبينوزا) بسكينة في رقبته. وأحرق (جيوردانو برونو) في ساحة عامة عندما احتفلت الكنيسة قبل أربعة قرون ابتهاجا بالتخلص من أخطر المارقين فأحرقته على النار ذات الوقود إذ هم عليها قعود وهم على ما يفعلون به شهود. وحبس (ابن تيمية) حتى الموت في سجن القلعة بدمشق. ونحر (سعيد بن جبير) بين يدي الحجاج وهو يشخب في دمه. الصورة كما نرى ضبابية فبقدر النهاية التي تحمل العبرة في سقوط الجبارين وأن الكبرياء سبقت السقوط دوما. بقدر نجاة الكثير من الطغاة بجلودهم في عزة وشقاق. أو بالعكس بمصرع الكثير من المصلحين حرقاً أو ضرباً بالرصاص أو صلباً أو شنقاً. فـ (حسن البنا) مات صريعا بالرصاص في شارع عام. والمصلح الديني التشيكي (هوس) انتهت حياته حرقا. ومات (الحلاج ) صلباً في بغداد بكلمة اختلقت ضده بعد جلد ألفاً و قطعت أطرافه. ومات الحسين وجميع آل البيت معه ذبحا على يد يزيد الخليفة الأموي . وأنهى المفكر السوداني محمود طه حياته وهو يتأرجح على حبل المشنقة بتهمة الردة. ماتوا جميعا لا لذنب فعلوه بل من أجل أفكارهم ونشاطهم. هل يمكن أن نفهم ما يحدث ونرى الصورة واضحة متألقة في نهاية الطغاة والصالحين؟ تبدو نهاية الدنيا في بعض الأحوال كوميديا تدعو للضحك وليست خاتمة المطاف أو نهاية الدور الأخير على خشبة المسرح. فقد ينتهي طاغية في الدنيا بما يستحقه من لعنة الله والملائكة والناس أجمعين كما حصل مع (آركان) و(ميلوسوفيتش) في صربيا . أو على العكس قد يودع الحياة هنيئا مريئا مرتاحا على كرسي السلطة ويحكم من قبره كما حصل مع جنكيزخان. وإذا كان تشاوسيسكو قد دلف إلى قبره باللعنة والرصاص فإن نظائره وهم كثر ماتوا بالهتاف بحياتهم ولطم الخدود لفقدانهم . وهناك من زحفت في موته جماهير هائلة بحيث يفرك المرء عينه ولا يصدق هل هو المجنون أم هم المجانين ؟ إنها جدلية محيرة كما نرى يحتاج الإنسان فيها إلى بوصلة جديدة بإحداثيات مغايرة ليفهم هذا اللغز. وأحيانا يمسك الإنسان رأسه بين يديه ويتساءل هل هو في بلاد أليس للعجائب أم أرض عبقر للجن. إننا مطوقون بالظلمات مسحورون سكرت أبصارنا ختم الله على قلوبنا وعلى سمعنا وأبصارنا غشاوة. إذا يمشي التاريخ وفق قانونه الخاص وترزح الشعوب في العذاب المهين إلى أجل غير مسمى وتتحمل الأمم كثيرا ويموت الكثير من الطغاة بكل سؤدد وفخار . فقد حكم (رمسيس الثاني) سبعين سنة وأنجب مائة من الأولاد ، وبقي الفرعون (بيبي الثاني) متربعاً على سدة الحكم تسعين سنة ، وأما (فرانكو) فقد استمر يركب ظهور العباد يقودهم بالسوط أربعين سنة كاملة . وهو الذي عين الملك (خوان كارلوس) الحالي بدلا من أبيه . وعندما مات (لويس الخامس عشر) طرب الناس في جنازته ولم يصدق الناس أنه رحل فقد ملوا حكمه الطويل الذي تجاوز نصف قرن. وعندما رمي (بريجينيف) في قبره وقع التابوت فتكسر فلم يأبه له أحد فالكل مله وانتظر نهاية مرحلته بعد طول عفن. إن الأوضاع السياسة تصل في بعض مراحلها أن البلد كله يوضع في ثلاجة فتتجمد فيه مفاصله حتى موت الطاغية. ونشرت مجلة (در شبيجل) الألمانية في إحصائية مثيرة عن أطول الناس حكماً فكان في رأس المخطط حكام العالم العربي في متوسط يصل ثلاثين عاما ويزيد! في إعلان خفي عن بزوغ عصر الملكيات . إن الطفل عندما يكتمل خلقه في الرحم لا يسأل كيف جاء إلى الحياة وهل كان من زواج أو سفاح أو اغتصاب. وعندما يولد إلى الدنيا يأخذ اسمه. وفي عالم السياسة تتخمر الأحداث والأيام حبالى وتتكون الأوضاع وتبرز إلى السطح فيتعجب الناس كيف حدث هذا وهي من صنع أيديهم. يقول المؤرخ الأمريكي (ديورانت) وهو يستعرض بعض المراحل التاريخية أنه مر عدد من الحكام لم يحصل في فترة حكمهم شيء يؤبه له أو يحتاج أن يذكر. ونحن اليوم نتذكر (ابن رشد) مثل الشعرى اليمانية في أفق التاريخ ولا نذكر أسم الملك الذي عاصره. فقد انمحى أسم الملك من الذاكرة لأنه لا جديد تحت الشمس مع أنه أيام الملك الموحدي كانت كل مصائر الناس بمن فيهم ابن رشد بين أصبعين من أصابع الحاكم يحركها كيف يشاء مثل اللعب بالمسبحة وهو الذي قرر النفي لابن رشد في عمر السبعين. إن الملك الذي نفى ابن رشد يتمنى لو قرن اسمه باسم ابن رشد. إن هؤلاء الشهداء لا يموتون بل أحياء عند ربهم يرزقون. إنهم كسروا حاجز الموت ومربع الزمن فهم يسبحون في فضاء الذكر إلى يوم يبعثون. إن المماليك حكموا خمسة قرون وكذلك العثمانيون. ولكن مسلسل المماليك البرجية والبحرية يمكن ضغط الزمن فيه فلا يتغير شيء. وهكذا فالزمن كما يقول (محمد إقبال) إنه ليس دورة الفلك بل حالة النفس وتقلب المجتمعات. إن أحدنا تمر عليه أسابيع يعيش مثل النبات وفي بضع ساعات يتطور فيها بأكثر من سنوات. ذلك أن شخصية الإنسان هي بتراكم الخبرات وليس بالرتابة اليومية والروتين القاتل. ومن العجيب أن ما يصقل جوهر الإنسان ويسمو به في معارج القدس هو المعاناة . ولقد خلقنا الإنسان في كبد. إننا لا نفهم حركة التاريخ ولا نملك التحليق العلوي لنبصر تسلسل الأحداث ولا نعي لماذا ترزح الشعوب في الضلالة وتسبح بحمد الطواغيت مع أنه لا يقدر عليهم إلا بقدر ما منحوه أنفسهم. إنها (عبودية مختارة) كما يقول (آتيين دي لا بواسيه) ولا تحتاج للتخلص من هذه القيود أن تقتل الحاكم أو تتآمر عليه. إن ما تحتاجه يختصر بكلمتين خفيفتين على اللسان ثقيلتين في الميزان وهي : (رفض التعاون) و (عدم الطاعة). لكنها وصفة لا يعرفها المثقفون ولا يتقنها المواطنون ولا يوجد حولها مؤسسات ولم تخلق بعد في قاموسنا الفكري والكل في الضلال المبين. إن المصلحين الاجتماعين والفلاسفة المفكرين قد يقتلون أو تنتهي حياتهم على شكل أسيف في عصر الظلمات السياسي التي تمر بها الأمة ولكن موتهم يختلف عن موت الطغاة. فهم يخضعون لقانون دفن البذرة في الأرض كي تخرج منها شجرة باسقة طلعها هضيم تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها. و(نزار القباني) بقي منفياً طول حياته ولم يقبله وطنه إلا جثة ولكن شعره يقرأه الأطفال قبل الكهول وفي كل الأرض . وأما موت الطغاة والجبارين فهو شجرة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار. إن موت الطاغية هو نهاية نظام ونخبة لأن الحاكم لا يحكم بنفسه بل بشبكة جهنمية يديرها من حوله رهط أتقنوا الإجرام واستكان لهم الناس بالفزع الأكبر. لكن الذي يحدث يتكرر كما حصل مع شاه إيران عندما قال : إن حولي 750 ألفا من الجنود والضباط فمن يريد الوصول إلي عليه أن يقفز فوق رؤوس هؤلاء أجمعين. واستكبر هو وجنوده بغيا في الأرض حتى جاء يوم الزلزلة وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود. ويمضي التاريخ وتنضج الشعوب ويتقلص ظل الجبارين ويموت أهل الفكر فيتركون أملا في الحياة ويسحق الجبارون سحقا. ويكتشف الناس في ذهول أن الموت حق لأنه يكنس الظالمين ويطور الحياة وبذلك يصبح الموت أحد مفردات الحياة. يقول (ديورانت) إن الامبراطور (كاليجولا) قال لجدته أنطونيا عندما حاولت نصحه :(اذكري أن في مقدوري أن أفعل أي شيء بأي انسان) وأرغمها في النهاية على قتل نفسها. وذكر لضيوفه في إحدى الولائم أن في وسعه قتلهم أجمعين وهم متكئون في مقاعدهم لايبرحون . وكان وهو يحتضن عشيقته أو زوجته يقول لها ضاحكاً (سيطيح هذا الرأس الجميل بكلمة تخرج من فمي). وكان يرسل إلى النساء ممن يهوى كتابا بالطلاق بأسماء أزواجهن (فلم توجد امرأة ذات مكانة إلا دعاها إليه) وأنفق في أحد ولائمه (عشرة ملايين سسترس) وفرض الضرائب على كل شيء حتى الحمالين والعاهرات ولو تزوجن . ونفى كل الفلاسفة من روما لأنهم رمز الخطر ومقلقي النوم العام ومفكر واحد أخطر من فرقة عسكرية مدرعة. وجاء اسم الفيلسوف (سينكا) في قائمة الاعدام إلا أنه نجا لكي يقتل لاحقا على يد نيرون. ونجا عمه (كلوديوس) من القتل عندما تظاهر بأنه أبله مجنون. وأخيرا طلب من الناس عبادته لأنه أفضل الآلهة ونصب تماثيله في مداخل المدن والساحات العامة وهو يحيي الجماهير. وفي النهاية قتل على يد ضايط من الحرس (البريتوري) وعندما ترددت الإشاعات في البلد أنه قتل لم يصدق الناس ويقول (ديو) المؤرخ أن : (كاليجولا عرف في ذلك اليوم أنه ليس الهاً)؛ فالبشر فانون والآلهة خالدون. ومن سيقتل الأسد الصغير هو ضابط من أقرب الناس ممن حوله.
هل سينتهي بشار البراميلي مثل نيرون أو كاليجولا أو ستالين وبول بوت؟ على كافة الاحتمالات فقد دلف إلى اللعنة؛ يقدم مخابراته يوم القيامة فأورهم النار وبئس الورد المورود. وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود.

نبذة عن الكاتب

كاتب و مفكر

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة