الرئيسيةالملف التاريخيتاريخ

هل شاخ الإتحاد أم مات ؟

العلبة السوداء لأكثر الأحزاب المغربية إثارة للجدل

يونس جنوحي
كان الحزب الذي حافظ على صلابته منذ سنة 1959، ولم تفلح اعتقالات 1963، ولا تجربة محاكمة مراكش 1970، التي تبقى أعنف محطة في تجربة الاتحاديين المعارضين في حله أو إضعاف شوكته، يستعد لخوض استحقاقات انتخابية قادمة. نقصد هنا انتخابات 1977 التي عرفت موجة تزوير غير مسبوقة وصفها الاتحاديون وعلى رأسهم بوعبيد واليوسفي وعبد الواحد الراضي واليازغي، بـ«المسرحية».
لكن قبل أن تقع تلك الانتخابات التي تعرض فيها عبد الرحيم بوعبيد لإجحاف كبير، منع خلاله من الترشح في المنطقة التي رآها الحزب مناسبة له لكي يحصد الأصوات، والأمر نفسه انطبق على أسماء اتحادية أخرى، كانت هناك إعدادات قام بها الاتحاديون بهدف اكتساح تلك الانتخابات التي اعترف الجميع لاحقا أنها طالها تزوير كبير، باعتراف وزير الداخلية وقتها بنهيمة وباعتراف إدريس البصري لاحقا.
عُقد إذن مؤتمر استثنائي «تاريخي» سنة 1975، تم خلاله تغيير اسم الحزب من الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وهو الاسم الذي حمله الحزب منذ سنة 1959، ليصبح «الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية». وتم استعمال ذراع النقابة أيضا في الموضوع.

في الذكرى 60 لتأسيس الاتحاد.. ماذا تغير داخل «القلعة»؟
كان السجاد المفضي إلى القاعة الفسيحة، حيث أحيى أعضاء حزب «الوردة» الذكرى الـ60 لتأسيس الحزب «العتيد»، يُخفي أثر كل الذين دخلوا إلى القاعة بدافع الفضول ليروا ما إن كان رموز الحزب الكبار حاضرين خلال الاحتفال. لا أثر لعدد من الأسماء التي عاشت حدث التأسيس قبل كل تلك السنوات، ولم تُمنح الكلمة لبعض شيوخ الاتحاد الذين غاب أغلبهم عن الاحتفال.
ماذا يقع إذن داخل قلعة الاتحاد؟ لا شك أن أشياء كثيرة تغيرت داخل حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وهو الاسم الذي أصبح الحزب يحمله منذ سنة 1975، وهي السنة التي وقع فيها تغير كبير داخل الحزب وتجديد لأذرعه لاكتساح الساحة في وقت نال فيه الاتحاد الكثير من المضايقات.
كان وقتها جل مدراء المؤسسات التعليمية، يتحفظون عن ربط علاقات وطيدة مع رجال وأطر التعليم الذين كانوا ينتمون إلى حزب بن بركة وبوعبيد، حتى بعد أن تغير اسم الحزب من الاتحاد الوطني للقوات الشعبية إلى الاتحاد الاشتراكي. كانت لعنة المعارضة والاعتقالات لا تزال لصيقة بالحزب. وهو ما تأكد خلال أحداث إضرابات سنة 1981، حيث تم تسريح عدد من الأساتذة في الابتدائي والإعدادي، ووجهت إليهم تهمة تحريض التلاميذ على الإضراب وأعمال التخريب التي عرفتها مدينة الدار البيضاء. كانت أزمة عانى الحزب كثيرا في تدبيرها، وأيضا ذراعه النقابية بقيادة المحجوب بن الصديق. كان امتحانا كبيرا للحزب، سيما وأن معاناة جل أولئك الأساتذة امتدت لسنوات، وفي الوقت الذي عاد فيه بعضهم إلى التدريس كان آخرون قد قرروا بداية حياة أخرى جديدة بعيدة عن الوظيفة العمومية خوفا من مضايقات مستقبلية حتى بعد انتهاء الأزمة، وهؤلاء كان عبد الرحمان اليوسفي خلال الأشهر الأولى لرئاسته حكومة التناوب سنة 1998 قد وعدهم بصرف تعويضات لهم عن الطرد التعسفي، الذي تعرضوا له من سلك الوظيفة العمومية، قبل صدور الأحكام النهائية في القضية.
وفي سنة 1981 أيضا، تعرض الحزب لامتحان حقيقي، بسبب موقف قيادته من الاستفتاء في ملف الصحراء المغربية. فقد كان عبد الرحيم بوعبيد معارضا لرؤية الملك الحسن الثاني في الموضوع، وصرح بالأمر صراحة وهو ما جعل علاقته بالملك الحسن الثاني تنقطع تماما، بسبب بلاغ أصدره بوعبيد باسم الحزب من القضية. لكن سرعان ما طوي الخلاف واستقبل الملك الحسن الثاني عبد الرحيم بوعبيد في صورة شهيرة، طُوي الخلاف على إثرها نهائيا. وقد كان معروفا أن بوعبيد، رغم قربه من الملك الحسن الثاني بحكم سنوات الشباب التي قضياها معا خلال فترة الحماية، إلا أن آراءهما في عدد من القضايا كانت متعارضة.
لنعد إلى الذكرى الستين، ماذا تغير داخل قلعة الاتحاد لتصبح شبيبته خلال السنوات الأخيرة محط انتقادات كثيرة، خصوصا خلال اللقاءات بين إدريس لشكر، الذي صار في واجهة الحزب وبين رئيس الحكومة السابق عبد الإله بنكيران، حيث طوق محسوبون على الشبيبة سيارة رئيس الحكومة ورفعوا شعارات نددوا فيها بوضع الحزب يده في يد «قتلة عمر بنجلون».
لماذا انشقت بعض الأسماء عن الحزب وأسست تجارب أخرى مثل الاشتراكي الموحد مع أحمد بنجلون، شقيق الشهير عمر بنجلون، الذي دفع دمه ثمنا لاستمرار الاتحاد على مواقفه المعارضة. ثم تجربة الوزير السابق بنعتيق الذي انشق بدوره ليؤسسه رفقة آخرين تجربة حزبية «عمالية» أخرى. كل هؤلاء كانوا أبناء اليسار الذي وصل إلى حكومة التناوب سنة 1998 وعقدوا الآمال على حزب شاخ الشبان الذين أوصلوه إلى الشط، ليتركوا المشهد السياسي غارقا وسط هذه التضاربات. إنها قصة حزب، تستحق فعلا أن تُروى، بدون تحفظ أو حزازات.

رجال الخفاء الذين بنوا الحزب و«غضبوا عليه»
عندما كان حزب الاستقلال يشهد انشقاقه التاريخي، كان السعاة خلف حلف المهدي بن بركة يتكاثرون يوما بعد يوم في أواخر سنة 1959. وقتها قيل كلام كثير، لكن الحقيقة ظلت بعيدة عن أماكن جلسات «الكولسة». كان بن سعيد آيت إيدر، وعبد السلام الجبلي، وشبان آخرون في تلك الفترة، من الذين فتحوا أعينهم في مغرب المقاومة، وتحمسوا للعمل السياسي وتشاركوا مع المهدي بن بركة في كثير من الأفكار، رغم بعض الاختلافات، خصوصا وأن الرجل الذي حلت ذكرى اختطافه خلال هذا الأسبوع الذي نودعه، لاحقته قيد حياته السياسية اتهامات بالوقوف وراء تصفيات عدد من قدماء المقاومة، الذين رفضوا الانصياع وراء تعليمات الحزب بخصوص سلاح جيش التحرير.
كان العلامة الفقيه محمد العربي العلوي أحد كبار حملة الفكر السلفي المتنور في المغرب. وكان في الوقت نفسه جالسا في الصف الأول بمنصة الإعلان عن تأسيس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية إلى جانب المهدي بن بركة، عبد الرحيم بوعبيد، وعبد الرحمان اليوسفي وعبد الله إبراهيم ومنصور وآخرين ممن كانوا في الخط الأمامي لتأسيس حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية.
كانت تلك طريقة الفقيه العربي العلوي في قول «لا» للنخبة التي كانت تسير البلاد في تلك الفترة، والتي كان جل أفرادها ينتمون إلى حزب الاستقلال.
لكن ما قوى قواعد حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، كان أولئك الآلاف الذين تتلمذوا على يد رموز الاتحاد في دواليب حزب الاستقلال، والتحقوا بأساتذتهم بعد تأسيس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية. والأمر ذاته ينطبق على التحول الكبير الذي عرفته دار المغرب في باريس، حيث كانت معقلا للاتحاد الوطني لطلبة المغرب بفرنسا. هؤلاء أعلنوا في شتاء سنة 1959 أنهم مع المهدي بن بركة، وأعلنوا صراحة انشقاقهم عن حزب الاستقلال وانتماءهم للاتحاد الوطني للقوات الشعبية من فرنسا.
على الأرض، كان عمال المصانع والمواطنون الغاضبون، وقدماء المقاومة الذين لم يكونوا راضين تماما عن الأوضاع في الصف الأول بدورهم لتأسيس مكاتب وفروع الحزب. زيارات لا تنتهي من القيادة ممثلة في المهدي بن بركة، إلى عدد من المناطق كانت كفيلة بتحديد مواعد تأسيس فروع الحزب رسميا في كبريات المدن، وسرعان ما أصبح لحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية فروع في جل التراب الوطني منافسين بذلك حزب الاستقلال.
لم تكن عملية التأسيس لتخلو من مضايقات، أشهرا قليلة بعد إعلان قدماء المقاومة والعمال عن الانتماء لحزب المهدي بن بركة حتى بدأت الاعتقالات، وسرعان ما أدرك مؤسسو الحزب أنهم غير مرحب بهم.
بعد وفاة الملك الراحل محمد الخامس، الذي كان يقرب منه جل رموز الاتحاد، دخل الحزب مرحلة أخرى من الصراع مع الدولة، وأصبح حزبا «إرهابيا» بعد توجيه الاتهام إلى قادته بتدبير مؤامرة ضد أمن الدولة، ويحكم على جل أطره بالإعدام وسنوات السجن الطويلة في يوليوز 1963. وهو الحدث الذي تزامن مع مؤتمر للحزب حضره كل رموزه الكبار تقريبا.
بعد اختفاء المهدي بن بركة سنة 1965 واغتيال عمر بنجلون سنة 1975، دخل الحزب مرحلة أخرى من فرض وجوده، رغم أنه تفوق انتخابيا رغم تزوير النتائج الذي كانت ترعاه وزارة الداخلية، إلا أن الحزب دخل مرحلة ثمانينيات القرن الماضي بعنوان البحث عن توافق مع الدولة وعودة كافة أطر الحزب الذين غادروا نحو الخارج منذ أحداث 1963، وهو الأمر الذي لم يتحقق إلا في منتصف تسعينيات القرن الماضي، أربع سنوات بعد وفاة عبد الرحيم بوعبيد الذي لم يُكتب له أن يرى حزبه يقود تجربة حكومية مغربية. في سنة 1998، سوف يأخذ عبد الرحمان اليوسفي، الكاتب الأول للحزب وقتها، زمام تأسيس حكومة التناوب، وهي التجربة التي لم تكتمل ليغادر الرجل الحياة السياسية سنة 2002، تاركا خلفه علامات استفهام كثيرة، ويصدم الجميع بخسارة مدوية للحزب في انتخابات 2007، تلاها اختفاء كامل لقدماء الحزب وصقوره من الحياة السياسية. وآلاف الغاضبين من وضعية الحزب، خصوصا مع المؤتمر الأخير حيث قاطعته القيادات، وغاب عنه مؤسسو روح حزب الاتحاد الاشتراكي، والذين عاشوا على ذكرى الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وكتبوا أسماءهم في لوائحه بالدم.

عبد الرحيم بوعبيد.. صديق الملك أم معارضه الأول؟
ستكون اللائحة طويلة بدون شك. لكن يكفي الرجوع إلى مواقف بعض الأسماء التي أثثت فضاء حزب الاتحاد الاشتراكي، خلال السنوات الأخيرة، والذين تواروا إلى الظل تماما وفضلوا الابتعاد عن الأضواء تاركين الاتحاد «بما حمل»، لكي نخرج بصورة عن التحول الكبير الذي طرأ على حزب الاتحاد الاشتراكي، والذي جعل الاحتفال الأخير بالذكرى 60 للحزب تخلف أصداء متباينة بين متحمس لقيادة لشكر، وبين المتحسرين على ماض «الاتحاد الوطني للقوات الشعبية» وقيادة عبد الرحيم بوعبيد.
هؤلاء يعتبرون تلك الفترة «مثالية»، رغم أن لها منتقديها أيضا. وموجة الغضب على الحزب لم تكن وليدة هذه السنوات الأخيرة فقط، وإنما هناك من طلقوا الحزب وغادروا الحياة السياسية غاضبين، منذ أيام اختفاء المهدي بن بركة في نهاية أكتوبر 1965، ومنهم من غادر إلى الخلف بعد اغتيال بنجلون سنة 1975.
كان بعض أعضاء الشبيبة الغاضبين في بداية السبعينيات، وبالضبط سنة 1971، يستغلون أي لقاء حزبي لنسف بعض الأطروحات السياسية التي تذهب إليها القيادة، خصوصا في علاقتها بالنظام.
كان هؤلاء الطلبة يرفعون بشكل شبه يومي في الفضاء الجامعي بالرباط صور المختطفين ومجهولي المصير والمعتقلين في المعتقلات السرية، بسبب الأحداث التي عرفتها سنة 1970.
وطبعا، كانت الأحاديث الجانبية، سواء مع القيادة أو بين الأعضاء أنفسهم، لا تخلو من آراء «جريئة» أحيانا عن علاقة عبد الرحيم بوعبيد، الذي أصبح في الواجهة، والقصر. كان الموقف المتحمس لهؤلاء الشباب مصدر أزمة داخلية في شبيبة الحزب، ووصل «حرّها» إلى القيادة.
جاء عبد الرحيم بوعبيد إلى لقاء من لقاءات الحزب، كانت الشبيبة تتولى الإعداد له. وبحسه السياسي العالي، لم يفلت استشراف الأزمة القادمة في الأفق، ولم يفاجأ عندما أخذ بعض الشباب الكلمة وطلبوا منه بصفته في قيادة الحزب، أن يقدم لهم توضيحات بشأن موقفه الصريح من النظام. وقال له أحد أولئك الشباب ما مفاده أن بعض أعضاء الشبيبة ملوا من ثنائية معارضة النظام نهارا، والعشاء مع رموزه أو رجاله ليلا. وكانوا يقصدون الحفلات واللقاءات التي كان يدعى إليها بوعبيد في القصر الملكي، بحكم علاقة الصداقة القديمة التي جمعته بالملك الراحل الحسن الثاني وأخيه الأمير مولاي عبد الله. لم يكن يومها عبد الرحيم بوعبيد يريد أن تقوم فتنة في داخل شبيبة الحزب، وحاول احتواء الأزمة، مشددا على أنه لن يبيع الاتحاديين يوما.
مرت سنوات طويلة واتضح أن عبد الرحيم بوعبيد كان يتقن عملية المد والجزر مع الدولة، وأن قربه من الملك الراحل الحسن الثاني لم يعن يوما قربه من السلطة. والدليل أن كل مساعي إدخال الاتحاد إلى الحكومة وعودة المعارضين الاتحاديين إلى المغرب لم تتم، إلا بعد وفاة بوعبيد بخمس سنوات تقريبا. وظل الرجل وقتها ممانعا ولم يبن موقفا شخصيا لتتبناه القيادة، بل ظلا مبتعدا عن «النظام» كلما استدعت الضرورة ذلك.

مع عبد الله إبراهيم.. التجربة «السوداء» القصيرة
كان عبد الله إبراهيم أبرز «الكفاءات» التي يتوفر عليها الاتحاديون. كان من أوائل المنسحبين من حزب الاستقلال ومؤسسي التيار الجديد بمعية المهدي بن بركة وآخرين، انتقلوا جميعا إلى تأسيس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية أواخر سنة 1959. حظي باحترام الملك الراحل محمد الخامس، ليس فقط باعتباره أستاذا جامعيا مخضرما، اعتمد عليه الملك محمد الخامس أثناء تحقيق حلم الجامعة المغربية الذي حلم به، وإنما أيضا كرجل ناضج جربه الملك الراحل في محطات كثيرة وائتمنه على كثير من الأسرار، أبرزها التخطيط لزيارة المقاوم محمد بن عبد الكريم الخطابي في القاهرة.
وعندما أصبح عبد الله إبراهيم وزيرا أول، بتعيين من الملك الراحل محمد الخامس شخصيا، بدأت الدائرة تضيق على رجل الدولة المفضل عند الملك، وهو الأمر الذي لم يكن يفهمه هو شخصيا كما صرح في آخر حياته سنة 2004.
في منتصف فبراير 1960 كان الملك الراحل محمد الخامس، يستعد للسفر خارج البلاد مصحوبا وقتها بالوزير الأول عبد الله إبراهيم. فقد أصبحت حكومة امبارك البكاي وبعدها حكومة بلافريج، في خبر كان. تجربتان لم يكتب لهما أن تستمرا رغم أنهما كانتا تحظيان بدعم القصر، ودعم وليي العهد. إلا أنهما عورضتا تماما من طرف حزب الاستقلال الذي كان في طريقه نحو انشقاق اليساريين عنه.
كانت الحكومة التي يترأسها عبد الله إبراهيم، قد وضعت على رأس أهدافها مسألة تطهير الإدارة المغربية من الوجود الفرنسي.
كان الجو العام وقتها في المغرب محتقنا، رغم أننا وصلنا إلى الحكومة الرابعة بعد حصول المغرب على الاستقلال سنة 1956. سبب هذا الاحتقان، هو أن المجتمع المغربي بكل أطيافه لم يحقق أي انسجام بعد، إذ كان «قدماء» المقاومة يعيشون علاقة مشحونة مع الدولة، وكانت وقتها أخبار تصل إلى المكاتب، تقول إن بعض العناصر «المشاغبة» لم تكن تعجبها طريقة تدبير شؤون البلاد، ولم تكن «إخبارية» مثل هذه لتمر مرور الكرام، خصوصا وأن المصالح الأمنية كانت تعلم جيدا أن بعض العناصر القديمة لا تزال تتوفر على بعض الأسلحة بعد أن رفضت تسليمها.
في تلك الأثناء، أي منتصف فبراير 1960، كان الملك الراحل محمد الخامس، وبالضبط في 14 فبراير، في طريقه من القصر الملكي إلى حيث تنتظره الطائرة التي ستقله في جولة تمتد لحوالي الأسبوعين خارج البلاد. وبدأت الاعتقالات التي استغلت غياب الملك الراحل وغياب الوزير الأول، وباشرت بعض الفرق «البوليسية» عمليات اعتقالات واسعة بناء على أوامر، قيل إن رضا اكديرة حركها، والدليل أن إحدى الصحف المحلية وقتها، التابعة لرضا اكديرة، كانت سباقة إلى نشر خبر الاعتقالات وعزت الأمر إلى أن المطلوبين يواجهون تهمة ثقيلة هي استهداف حياة الأمير مولاي الحسن ومحاولة اغتياله، لأنه كان وقتها يترأس عمليات جمع السلاح. وتمت الاستعانة بطبيعة الحال ببعض أجهزة الأمن التابعة للإدارة العامة للأمن الوطني، التي كان حزب الاستقلال وقتها يتحكم فيها، لأن المدير كان هو محمد الغزاوي، أحد الأسماء الثقيلة في إدارة دواليب الحزب.
هناك مصادر تقول إن هذه الحملة التطهيرية ضد قدماء المقاومة الذين شكلوا النواة الأولى والعريضة لحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، كانت هي الرد غير المباشر للاستقلال، وانتقامه من المنشقين عنه.

محطات لم يعد يتذكرها أحد
في سنة 1969، وصل خبر اعتقال أحمد بنجلون، أخ الاتحادي الشهير عمر بنجلون، بالإضافة إلى صديقه محمد أوجار الملقب بـ«بونعيلات». ووجهت إلى الاثنين تهمة تهريب السلاح إلى المغرب، والشروع في التخطيط لأعمال تخريبية الغرض منها قلب النظام.
كانت علاقة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بالدولة متذبذبة، خصوصا أن جل الاتحاديين الذين كانوا وقتها في البرلمان كانوا شبه محاصرين رغم دور المعارضة الذي كانوا يقومون به، إلا أنهم كانوا دائما يحتجون على تزوير الانتخابات.
لم يكن ممكنا مساءلة وزير العدل وقتها عن مصير عضوي الحزب المعتقلين والذين سلمتهما السلطات الإسبانية إلى المغرب. لكن الحزب مارس ضغطا على الشارع، خصوصا مع تفاقم الاعتقالات لتطال أسماء أخرى، وسرعان ما أصبح عدد المعتقلين والمختطفين بالمئات، تمهيدا لمحاكمة مراكش الشهيرة في سنة 1970.
في الأيام الأولى لاعتقال أحمد بنجلون وسعيد بونعيلات، كان يتوافد المعتقلون الآخرون يوميا، وكان على بونعيلات أن ينتظر إلى أن يهدأ الوافد الجديد، ويستأنس ببرودة المكان وظلامه وأصوات الجرذان ليسأله عن هويته، ويتعرف عليه بسهولة بحكم الماضي المشترك الذي جمع بونعيلات مقاوما مع عدد كبير من الأسماء، وهكذا فقد كان أحمد بنجلون يسمع بأذنه قصص مئات المعتقلين الذين تحولوا إلى الآلاف، واستطاع في ظرف وجيز أن يكون فكرة واضحة عن مسار الأحداث، لكنه وقتها لم يكن يتوقع أن الأمر يتعلق بالإعداد لمحاكمة مراكش الشهيرة التي اكتسبت صيتها وسمعتها من قصص الذين حوكموا فيها، ومن مرافعات عبد الرحيم بوعبيد الشهيرة في هذا الباب.
في اليومين الأولين لإلقاء القبض على أوجار وأحمد بنجلون، كان الاثنان يسمعان هدير محرك السيارات التي تتولى القيام بعمليات الاختطاف للأسماء التي تشكل كلها «اللائحة» السوداء للمطلوبين للتحقيق معهم. وفي كل مرة تتوقف فيها سيارة خارج عالم الظلام الذي كانا يقيمان فيه، كانت تنضاف معهما أسماء جديدة ليسمعا الصراخ والعويل، لأن بعض الذين تم اختطافهم، حاولوا المقاومة في البداية فانتهوا بضلوع مكسورة أو ضربات موجعة لإخضاعهم. العملية نفسها كانت تجري في مناطق أخرى، ليتم اقتياد الجميع في الأخير إلى الأقبية السرية ومراكز الاختطاف التي اشتهرت في ما بعد باسم النقاط الثابتة في الرباط، والتي كانت عبارة عن إقامات وفيلات مهجورة، وضعت رهن إشارة الأجهزة السرية لمباشرة التحقيقات ونزع الاعترافات بالقوة.
هؤلاء جميعا عندما تحدثوا عن مآسي سنوات الرصاص إلى هيئة الإنصاف والمصالحة، كانوا يرون في حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، شبه «سلوى» عما طالهم من التعذيب، خصوصا أثناء حكومة عبد الرحمان اليوسفي الثانية قبل أن تنتهي تجربته سنة 2002. كان هؤلاء الاتحاديون القدامى، رغم أن بعضهم لم يجددوا عضويتهم بالحزب، لكنهم بقوا اتحاديي «الهوى» كما يقال، يرون أن وصول عبد الرحمان اليوسفي إلى الحكومة ومنصب الوزير الأول كان شبه انتصار لهم، لأنهم كانوا يعرفون أن الرجل حُكم عليه غيابيا بالإعدام وعانى مثلهم من النفي خارج البلاد، وها هو اليوم يعود إلى السلطة كدليل على براءة جيل كامل من المعارضة من التهم التي نسبت إليه طيلة تلك السنوات، وأبرزها اتهامات محاكمة مراكش التي جرت مئات الاتحاديين والمتعاطفين مع الاتحاد إلى الاعتقال وسنوات الاعتقال الطويلة.
طُوي الملف كما هو معروف بعفو ملكي عن المعتقلين، وبقيت قلة فقط مطلوبة بحكم أنه تم الحكم عليهم غيابيا، لأنهم كانوا يقيمون في منفاهم الاختياري خارج المغرب احتجاجا على الأوضاع السياسية بالبلاد. كان هؤلاء الاتحاديون هم أبطال تلك الأحداث التي لا يتذكرها، أو لم يعد يريد أن يتذكرها أحد.

هكذا تحول «الاتحاد» إلى «حزب لشكر»
في سنة 1975، كان الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، كما يراه عبد الرحيم بوعبيد يحتاج إلى بعض التعديلات الهيكلية لكي يستطيع الحزب السباحة في المرحلة المقبلة التي كان ينتظرها المغرب.
كان الحزب الذي حافظ على صلابته منذ سنة 1959، ولم تفلح اعتقالات 1963، ولا تجربة محاكمة مراكش 1970، التي تبقى أعنف محطة في تجربة الاتحاديين المعارضين في حله أو إضعاف شوكته، يستعد لخوض استحقاقات انتخابية قادمة. نقصد هنا انتخابات 1977 التي عرفت موجة تزوير غير مسبوقة وصفها الاتحاديون وعلى رأسهم بوعبيد واليوسفي وعبد الواحد الراضي واليازغي، بـ«المسرحية».
لكن قبل أن تقع تلك الانتخابات التي تعرض فيها عبد الرحيم بوعبيد لإجحاف كبير، منع خلاله من الترشح في المنطقة التي رآها الحزب مناسبة له لكي يحصد الأصوات، و الأمر نفسه انطبق على أسماء اتحادية أخرى، كانت هناك إعدادات قام بها الاتحاديون بهدف اكتساح تلك الانتخابات التي اعترف الجميع لاحقا أنها طالها تزوير كبير، باعتراف وزير الداخلية وقتها بنهيمة وباعتراف إدريس البصري لاحقا.
عُقد إذن مؤتمر استثنائي «تاريخي» سنة 1975، تم خلاله تغيير اسم الحزب من الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وهو الاسم الذي حمله الحزب منذ 1959، ليصبح «الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية». وتم استعمال ذراع النقابة أيضا في الموضوع.
وكانت القيادة السياسية ممثلة في عبد الرحيم بوعبيد وعمر بنجلون، ومحمد اليازغي. الثقل الذي مارسته هذه الأسماء كان على مستوى مدينة الرباط بحكم ارتباطات أغلبهم المهنية. بينما كانت الدار البيضاء تتزعمها تقريبا أسماء محيط المحجوب بن الصديق، الذي كان على رأس التمثيلية النقابية للحزب. وللتاريخ، فإن ميلاد مقررات المؤتمر الاستثنائي للحزب، كان يتم الإعداد لها منذ سنة 1972، حيث صدر وقتها ما أصبح يصطلح عليه في تاريخ الاتحاد بـ«بيان يوليوز»، والذي دعا فيه قادة الاتحاد إلى تشكيل قيادة مؤقتة للحزب، ولم يتم الحسم في أمرها إلا في سنة 1975، حيث تغيرت عدد من التسميات الإدارية وتم تغيير هيكلة عدد من المصالح الحزبية الإدارية.
حدث هذا في وقت خبا فيه نشاط جل الاتحاديين القدامى، فيما توارى تيار عبد الله إبراهيم إلى الوراء، رغم أن هؤلاء كانوا ضحية اعتقالات واختطافات وفقدوا أسرهم وأحباءهم في سبيل استمرار الحزب. لكنهم لم يجدوا أنفسهم داخله ففضلوا العودة إلى الصفوف الخلفية، ولم يعودوا يظهرون إلا في التأبينات.
استمر الأمر سنوات إلى أن جاءت تجربة حكومة التناوب سنة 1998، وبدأ الاتحاديون القدامى يرون في تيار عبد الرحمان اليوسفي انتصارا لهم. لقد تحقق حلمهم بأن يكون واحدا منهم، بحكم أنه كان منفيا وملاحقا ومحكوما بالإعدام، في كرسي الوزارة الأولى.
لم يكن كل هؤلاء يعلمون أن تلك التجربة بعينها، ثم التي تلتها، كانت في الحقيقة بداية نهاية الحزب العتيد الذي تحول بعد تجربة حكومة 2002 والتي غادرها اليوسفي وبقي بعض الاتحاديين وزراء داخلها أمثال اليازغي وعبد الواحد الراضي وبوزوبع وآخرين، ليصبح في يد قيادة أخرى جديدة غير تلك التي عرفها الاتحاديون. تهاوى الحزب في الانتخابات اللاحقة، في تجربة 2007 تحديدا، ونال تصويتا عقابيا، واختفت فجأة الأسماء الكبيرة من الساحة. كان المتفائلون يرون الأمر على أنه تجديد للدماء، فيما آخرون أعلنوا وفاة الاتحاد وانسحبوا في صمت، قبل أن تتجدد معارك الاتحاديين في ما بينهم، وآخرها الاحتفال الذي أقيم الأسبوع الماضي للذكرى الستين لتأسيس الاتحاد، وغاب عنها اتحاديون عاشوا حدث تأسيس الحزب، واكتفوا بمراقبته من بعيد، أو ربما تظاهروا بأن الذكرى لم تحل أصلا. من يدري.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Al akhbar Press sur android
إغلاق
إغلاق