الرئيسيةحوارات

هل يسير الاقتصاد العالمي نحو حتفه؟

جاك أتالي عالم الاقتصاد ومستشار ميتران و ماكرون يتنبأ بأزمة اقتصادية كبرى تضرب العالم

ترجمة: أميمة سليم
خص عالم الاقتصاد جاك أتالي، وهو واحد من أهم الرجال المؤثرين في أوربا، «L’Echo» بمقابلة حصرية، يوما واحدا قبل الخروج البريطاني والانتخابات الأوربية. في هذا الحوار يكشف أتالي تحليله لعدد من الجوانب في أوضاع أوربا والعالم. وبالرغم من إيمانه الإيجابي بالاقتصاد والطوباوية، إلا أنه يتنبأ بحدوث أزمة اقتصادية كبرى. تصعد نغمات أوتار عازف الكمان العبقري ستيفان تارا في قاعة «روبنشتاين» ذات الرونق الذهبي الذي يعود إلى عصر النهضة. بفندق «متروبول»، سيعزف الموسيقي الألماني فيردي وبيتهوفن وسيبيليوس مع «أوركسترا» هولينكورت سيمفونية في سيركل جولوا تحت قيادة مايسترو استثنائي، يدعى جاك أتالي. كان الرجلان يوم الجمعة في بروكسل لتقديم هذا الحفل الذي نظمه مهرجان هولينكورت. وستذهب الإيرادات إلى مؤسسة جاك أتالي، «بوزيتيف بلانيت»، المخصصة للمشاريع الصغيرة وإنماء استقلالية الفئات الهشة. انتهز عالم الاقتصاد والكاتب والمسؤول الرفيع، و«الخبير» لفرانسوا ميتران وإيمانويل ماكرون، جاك أتالي، ذو 75 عاما، الفرصة لإجراء مقابلة حصرية طويلة مع «L›Echo». إنه أمر نادر الحدوث، إذ ليس من السهل الاقتراب منه. نحن نتحدث الموسيقى والاقتصاد. رويدا رويدا نقل الرجل «الذي يهمس في آذان الرؤساء»، توقعاته ومخاوفه وآماله. وعلى بعد أسابيع قليلة من الخروج البريطاني والانتخابات الأوربية، تدق كلماته ناقوس خطر.

✓ لماذا اخترتم الموسيقى للدفاع عن المستضعفين؟
أقود أوركسترا منذ حوالي خمسة عشر عاما من خمس إلى خمس عشرة مرة في السنة، بناء على دعوة وعلى أساس تطوعي. قدت الفرقة في الصين وإسرائيل، والولايات المتحدة وكندا. ويشكل ذلك تحديا وطريقة للتعبير عن نفسي. إنه لمن الصعوبة بمكان أن تكون قائدا لفرقة موسيقية لأنه نشاط شامل للعقل البشري، فهي عملية تقنية للغاية، وحسية وحساسة، وفنية ورياضية في الوقت نفسه. راودني هذا الحلم منذ الطفولة، بيد أنني اعتقدت، ولزمن طويل، أنه حلم بعيد المنال ثم أخذت دروسا لمدة عامين.
إنها وسيلة للتعبير مكملة لأنشطة أخرى، لأنني، أولا وقبل كل شيء، كاتب، ما جعلني أدرك جمال العالم؛ وأن أجذب الجمهور لأسمعهم الموسيقى والجمال، إنه جزء مما يمكن أن يدفع الناس إلى الرغبة في إنقاذ العالم.

✓ هل تحاربون من أجل التنمية المستدامة؟
نحن نطلق عليها التنمية «الإيجابية»، لأن «المستدامة» تحيل بشدة على الجانب البيئي. وبالنسبة لنا، فالتنمية «إيجابية» حتى لو كانت بيئيا مستدامة، فهي كذلك اجتماعيا.

✓ أ ثمة حالة طارئة؟
هناك حالة طوارئ قصوى، إننا نواجه حالة طوارئ اجتماعية لأن هناك تزايدا فاحشا في تركيز الثروات في أيد قليلة، وكنت تنبأت بها قبل 15 أو 20 عاما، بسبب عولمة الأسواق دون عولمة القاعدة القانونية.
تخلق عولمة الأسواق ظلما وفوارق لا يقابلها نظام عالمي لإعادة توزيع الثروات. وسينفجر النظام بسبب تركيز الثروات بشكل أكبر في مقابل ارتفاع عدد الفقراء. وإذا لم نتصد لذلك، ستنغلق الشعوب على نفسها وستؤدي بنا الحمائية إلى الكارثة، فضلا عن حالة الطوارئ البيئية والتغيرات المناخية التي يجب احتواؤها.

✓ دعوتم، على مدى سنوات طويلة، إلى «الرأسمالية الإيجابية»، مع تقديم 45 مقترحا.. هل يتم تفعيلها على أرض الواقع؟
«الرأسمالية والديموقراطية الإيجابية» كي أكون دقيقا.. هناك وعي بأنه لا يمكننا أن نقتصر على الأشياء غير المستدامة، في جميع المجالات. ففي مجال التمويل، بدأت صناديق الاستثمار تدرك أنها في حال لم تقم بتمويل أشياء إيجابية، فسينظر إليها نظرة الذنب. يطلبون من مؤسستنا «بوزيتيف بلانيت» أن تساعدهم بشكل أفضل في تحديد القطاع المراد للاستثمار وفقا للإيجابية، ولهذا السبب أنشأنا مؤشرا لقياس إيجابية المدن والبلدان. وأنا على اتصال مع مدينة بروكسيل لقياس مدى إيجابيتها، ونقيس أيضا إيجابية الشركات التي يجب أن تكون كذلك في المضمون وليس فقط في الشكل.
في فرنسا، يصب قانون خطة العمل لنمو وتحول المؤسسات في هذا الاتجاه، بمعنى أن المؤسسة لن تكون مجرد تجميع لرأس المال، ولكن لجهات فاعلة أخرى لخدمة المصلحة الجماعية. خلقنا، أيضا، فكرة غرفة الأجيال القادمة، ونحرز تقدما.

✓ هل يتوافق المدى الطويل مع السوق والديمقراطية؟
إننا نرى جيدا كيف يتناسب المدى الطويل مع السوق، ولكن من الصعب أن نجعله متوافقا مع الديمقراطية. ويعزى ذلك الى وجود احتمال كبير لأخذ منعطف نحو الشمولية. إذا لم يتم تقنين أي شيء، وإذا طال انتظارنا، فسيحدث توتر شمولي. والسبب الذي نحارب من أجله في هذه المؤسسة هو التأكد من عدم المرور من منعطف الشمولية.

✓ أ يمكن للديمقراطية الإيجابية والرأسمالية أن تكبح جماح الشعوبية؟
أجل. يمكن أن تقف الديموقراطية الإيجابية والرأسمالية في وجه الشعوبية التي شهدنا مخلفاتها مطلع القرن العشرين. لقد توفرت لدينا كل مقومات السعادة، من تقدم وتفاؤل، ولكن كل ذلك توقف عند الشعوبية التي سقطت، بعد ثمانين عاما، في براثن الهمجية. كان بمقدورنا تجنب ذلك ويجب ألا تعاد الكرة من جديد.

✓ تفصلنا أقل من ثلاثة أشهر عن الانتخابات الأوربية. نلاحظ تراجع المجموعات السياسية التقليدية، والاشتراكيين والديموقراطيين المسيحيين. إلى ماذا تعزون هذا الانهيار؟
يجب ألا نبالغ في صعود الشعبويين، إذ يمثلون من 20 إلى 25 في المائة في استطلاعات الرأي، وبالتالي لا يشكلون أغلبية. ونشهد، في مقابل ذلك، توازن القوى مع أنصار البيئة، وهذا أمر جيد، إذ يجسدون القيم الحقيقية.
توجد، أيضا، حركة وسطية وإيجابية مع «En Marche» في فرنسا وتحت أسماء أخرى في بلدان أخرى، حيث إن الأحزاب التقليدية ظلت عاجزة عن تجديد نفسها. أما الحزب الاشتراكي، الذي كان يحمل مشعل الأمل، فقد فشل في إدراك البعد الاجتماعي والبيئي المزدوج، وطغى عليه الجانب الفكري. تجب علينا، بأي حال من الأحوال، إعادة إحياء أحزاب اليسار واليمين لأنه لن يكون هناك شيء أسوأ من المواجهة التبسيطية بين الشعبويين والحداثيين. وسيفوز الحداثيون في البداية لمدة خمس سنوات أو عشر سنوات، ولكن إذا قمنا بوضع الشعوبيين كبديل وحيد، فسيعتلون السلطة يوما ما، وهذا خطير للغاية.

✓ هل ستنجح حركة «En Marche» في الانتقال إلى المستوى الأوربي؟
لا أدري. يجب أن تكون الحركة إحدى القوى الأوربية، ولكن يجب ألا تكون لوحدها. بالنسبة لي، يكمن الخطر الكبير في القطبية بين الشعبويين والحداثيين.

✓ ما الذي يوجد وراء فكرة «النهضة الأوربية»، المحبوبة إلى الرئيس ماكرون؟
في العالم الذي نحيا فيه، توجد دولتان قويتان للغاية: الولايات المتحدة والصين. تنتهج الصين نظام اقتصاد سوق شمولي، بينما الولايات المتحدة دولة ديمقراطية، ولكنها تحمل بذور الشمولية في بنيتها. ونحن الأوربيون نقف هناك، في منتصف المجهول، ونحن أغنى جزء من العالم، ولكننا منفتحون على الرياح الأربع. إلا أننا لم نستوعب بعد هذه الجملة البسيطة: «إننا لوحدنا، نواجه بمفردنا جميع الأعداء المحتملين، لأن الأمريكيين لن يدافعوا عنا بعد الآن، ولن يرسلوا المزيد من الجنود الأمريكيين لإنقاذ أوربا، حتى لو صدق ذلك البولنديون والتشيكيون».
لا يشعر الإنسان بولادته فعلا إلا عندما يختبر الوحدة، وهي ولادة جديدة. وستبدأ نهضة أوربا بوعيها بوحدتها، الأمر الذي سيقودها للدفاع عن كنوزها ومواهبها ومكانتها كقوة أولى في العالم. ومن المفارقات أن خطابات سالفيني وغيره من الشعوبيين تبدو لي مؤيدة لأوربا. إنهم ليسوا ضد أوربا، بل هم ضد الإسلام في أوربا. كما لا يريدون أن تخرج إيطاليا من أوربا، بل يريدون حمايتها من أعدائها الوهميين. إنهم يريدون أوربا موحدة، ولكن مسيحية.

✓ خلال عشرين يوما، ستخرج بريطانيا من الاتحاد الأوربي، هل نسير نحو طلاق دون اتفاق؟
عندما أنظر إلى التاريخ، أستحضر رائدين: ماركس وشكسبير. يعطينا الأول التوجهات الرئيسية، ويذكرنا الثاني بأن كل شيء يعتمد على العواطف البشرية. ويمكن أن ترجح كفة التوجهات الكبرى على العواطف البشرية. وفي ما يتعلق بالخروج البريطاني، فالتوجه السائد هو كل لنفسه من الشعبويين. بينما يشكل شكسبير طعنات الخنجر في ظهر حزب المحافظين. ما عادت مصالح المملكة المتحدة توجه السياسة البريطانية بل مصالح حزب المحافظين. وماذا سيقرر؟ لا أعرف. تقول الكاتبة الأمريكية باربرا توكمان في كتاب «مسيرة الحماقة»: قد تنتحر الأمم أحيانا، وأعتقد أن المملكة المتحدة تنتحر. حتى إذا كانت الأمم، في نهاية المطاف، تولد من جديد، فستنهض المملكة من جديد.
لكنني لا أؤمن، ولو للحظة، بـ«البقاء»، وذلك بسبب المشاحنات الحزبية الصغيرة، وأيضا لأنه لم يجرؤ أي زعيم على اختيار طرف «البقاء». وحسب توقعاتي، فإن الإنجليز سينتهي بهم المطاف إلى قبول اتفاقية الخروج مذيلة بملحق يفيد بأن «الدعم» مؤقت ولكن دون تحديد تاريخ لانتهائه.

✓ هل يمكن أن يتم تأجيل الخروج البريطاني؟
أجل، ولكن لبضعة أسابيع، لا أكثر، وكأقصى أجل في فاتح يونيو سيكون الأوان قد فات.

✓ ألا يشكل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي في 29 مارس مخاطرة منهجية؟
نعم هذا واضح، سيسبب الخروج البريطاني الصعب، دون اتفاق، صدمة منهجية. في حين لن يؤدي الخروج البريطاني «اللين» إلى ذلك. ثم إن الاقتصاد العالمي هش للغاية في الوقت الحاضر، وأعتقد أننا على حافة الهاوية، ولا أعلم ما إذا كنا على بعد ثلاثة أسابيع أو عامين من أزمة اقتصادية عالمية كبرى.

✓ لأي سبب؟
لأننا لم نحل أزمة عام 2008، واستمررنا في الاستدانة. وأصبحت الشركات، خاصة تلك غير المسجلة في البورصة، مثقلة بالديون، إذ تعيش وضعا مصطنعا.

✓ وإلى ماذا يعزى الأمر؟
يعزى ذلك إلى التسويف في إصلاح المشاكل. «لحظة أخرى، أيها الجلاد».

✓ هل ينهار الاتحاد الأوربي بخروج بريطانيا منه؟
لا. فجميع الدول الأوربية الأخرى تقف في صف أوربا، كما يريد البعض تداول عملة الأورو. ويسعى الكثيرون إلى الانضمام إلى الاتحاد، ولكن يجب أن ننتقل إلى مرحلة أخرى. إننا لوحدنا، ويجب أن ندافع عن أنفسنا. بالنسبة لي، فالاقتراح الحقيقي الوحيد، الآن، هو الدفاع الأوربي وجيش مشترك.

✓ هل يمكن أن يترجم هذا الاقتراح، الذي يدعمه ماكرون وميركل، على أرض الواقع؟
إن أوربا تتقدم دائما عندما تكون فرنسا وألمانيا قويتين. فمأساة التاريخ الأوربي بدأت منذ رحيل الثنائي ميتران- كول، فأصبح هناك بالتناوب فرنسي قوي وألماني قوي، ولكن ليسا قويين في الوقت نفسه، عندما ستقدم السيدة ميركل تنازلات، سيكون لدينا، حينها، قائدان، في فرنسا وفي ألمانيا، مع وجود متسع من الوقت أمامهما.

✓ الناس غاضبون، في فرنسا هناك السترات الصفراء، وفي بلجيكا وبلدان أخرى.. ما الذي يمكن القيام به من أجلهم؟
يجب الاستماع إلى ما يقولون. يوجد في كل مكان في أوربا الغربية تحويل المنتجين المستقلين إلى طبقة كادحة من الطبقة المتوسطة. وهناك تفاقم غير محتمل للهشاشة، خاصة بالنظر إلى الثروة المتراكمة منذ عشرين عاما. كشفت السترات الصفراء عن مشكلة من الدرجة الأولى تعاني منها الطبقة المتوسطة. ويطرح المشكل خاصة بالنسبة للأجيال القادمة، لأن الحراك الاجتماعي لم يعد يعطي أكله. كان يمكن للطبقات المتوسطة المتعثرة في السابق، أن تطمح إلى أن يكون حال أطفالها أفضل من حالها. إلا أنه، في وقتنا الراهن، لا ينتقل أطفال الطبقة المتوسطة إلى مستوى أعلى بالسرعة السابقة، وتحتاج هذه المشكلة إلى معالجة.

✓ هل هناك مجال للطوباوية؟
بالتأكيد. فالمجتمع الإيجابي في حد ذاته طوباوية. والعالم لا يسير إلا بالطوباوية… طوباوية الجمال، والموسيقى خير مثال على ذلك؛ طوباوية الخير والإيثار. يجب ألا تكون المعركة الكبرى في وقتنا الحاضر هي الفردية بل الإيثار. فأنا أؤمن كثيرا بانتصار الإيثار.

✓ هل تنقل هذه الطوباوية بصفتك قائد الفرقة الموسيقية؟
سأقوم باستعارة هنا، أعتقد أن «الأوركسترا» هي نظير لتطور الاقتصاد بشكل عام. «الأوركسترا» مؤسسة مكونة من أشخاص يعملون في مشروع ثم يواصلون مسيرتهم المهنية بمفردهم. وهذا هو العالم الذي سنحصل عليه، ستصبح الشركات أقل استدامة؛ في حين سيجتمع الأشخاص بشكل أكبر في مشروع يدوم عشر سنوات أو خمسة عشر عاما، ثم ينفصلون للقيام بمشروع آخر.. لا شيء في الحياة يستحق إذا لم يكن هناك مشروع.

✓ ألا يمكن لهذه الطريقة في التفكير أن تخيف الناس؟
في معظم الإصلاحات الأساسية، هناك، بالنسبة لي، فكرة ثورية مفادها أنه يجب دفع رواتب لأي شخص لا يعمل مقابل التكوين. إنها فكرة طوباوية تستجيب للهشاشة، وتخول للناس التكوين، كما تحيل على طوباوية قديمة صنعت لنفسها مكانا أخيرا، والتي تقضي بوجوب حصول كل شخص مريض على أجر ليعالج نفسه. فمن مصلحة المجتمع أن يعالج وألا يكون معديا. وينطبق الأمر، كذلك، على التكوين. في «الأوركسترا»، لكل موسيقي مصلحة في أن يكون الآخر في حالة جيدة؛ وهذا هو الإصلاح الكبير للقرن الحادي والعشرين؛ كل تكوين يستحق راتبا.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Al akhbar Press sur android
إغلاق
إغلاق