GCAM_Top
TM_Top
TM_Top-banner_970x250

هي أشياء لا تشترى..

هل تستطيع شراء ذلك الإحساس بالأمان الذي يشملك حتى آخر خلية فيك، وأنت تضع رأسك على كتف أبيك؟ هل يمكنك بكنوز الأرض أن تبتاع بسمة صادقة من حبيبتك، وأنت تهديها زهرة اللوتس البيضاء؟ مهما طغى الإنسان بماله وجاهه وكنوزه، تأتي عليه أحوال يقف عاجزا بكل ما يملك من ثروات أمام أمور بسيطة، نعيشها ونمر عليها كل يوم ربما، لكنها لا تشترى، لا يمكن حيازتها مهما عظمت الثروات وتفاقمت، ولو بلغت أموال قارون ومجوهرات أحلام!
نرضى أحيانا بحياة لا تناسب ما نطمح له، نعزو كل ذلك للقدر، وقد يحالفنا الحظ لنصبح أغنياء، تقبع تحت أيدينا ملايين تسد حاجياتنا وحاجيات أجيال من أبنائنا، لكنها لا يمكن أن تسد ذلك الجرح الغائر الذي ينزف كلما مر من أمامنا طيف طموح تنازلنا عنه تكاسلا أو استسلاما أو تأثرا بكلام الآخرين.. تبقى شوكة الحلم المفقود منغرسة في ظهورنا، تذكرنا بشيء لا يمكننا امتلاكه مهما بلغت ثروتنا من مليون.
عندما كنت صغيرة كنت أنتظر العطلة الصيفية بشوق، لا كرها في دراسة ولا هربا من المعلمين، لكن تعطشا ورغبة في أن أفتح عيناي صباحا وأجدني في منزل جدتي تخترق أنفاسي قهوتها المعطرة بالقرنفل، كانت تعدها لنا ببسمة تسع من في البيت جميعا.. هذه الذكريات الصغيرة المشحونة بعبق العطاء، هي أغلى وأعظم قيمة من كل ما قد يملأ الأرض من أموال وثروات.. هي أشياء لا أستطيع شراءها ولا أجد لها ثمنا يعادلها.. هي ملك لقلبي وعقلي لا يسعها سواهما.
الأحلام، الطموحات، المشاعر، الذكريات، التوافق الروحي، الانسجام، الراحة النفسية والسلام الداخلي.. هي ممتلكاتنا النادرة التي لا تشترى ولا تباع، لا قيمة مادية تعادلها.. هي ما نختزنه داخلنا ونحميه من الضياع، من الأعين، من الذبول.. هي كنزنا الكبير الذي يحمينا من تقلب الأحوال وتكالب الأيام وتفاقم الأحزان.. نحتفظ بها لأنها الميراث الذي تركته لنا الأيام، ونعتني بها لأنها لا تعوض بملايير الأرض!
دفء بيتك وأنت تعود من أرض المهجر، وجبة أعدتها أمك متبلة بحنانها وروعتها، صوت طرق أبيك للباب، لحظة تخرجك، ساعة زواجك بمن تحب، صرخة ابنتك عند الولادة، لمعان عينيها عند أول رضعة.. كلها أشياء لا تشترى، تعيشها بكل ما فيك ولا تجد لها ثمنا يعادلها.
قليلا ما ننتبه لكل هذه الكنوز المحيطة بنا، ننسى أننا نملك ما يعجز عن شرائه أغنياء المجرة، ننسى أن بسمة الرضا التي ترافق دعوات والدتك يعجز عن ابتياعها صاحب آبار نفط عاق لأمه.. تنسى هي أن تلك القبلة على جبينها من زوجها كل صباح ربما قد تدفع لأجلها زوجة رجل أعمال لا يقضي في بيته سوى ساعات قليلة، كل مجوهراتها.. ينسى هو أن رحمة زوجته به عند ضائقة مادية وتفانيها في دعمه، شيء يتمناه ثري أحب فتاة فتزوجته فقط لثروته، يشعر معها بأنه لا شيء بدون ملاييره..
يكفي أن ننظر حولنا لنجد أننا أغنياء بمن نحب، بما نحلم به، بما نطمح له، أغنياء بذكرياتنا، بسلامنا، أغنياء بتقبلنا لعيوبنا ولعيوب من نحب.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة