واكلينها باردة

واكلينها باردة

بتعيين الملك وزراء حكومة العثماني وتنصيب أعضاء المحكمة الدستورية تكون المؤسسات الحيوية للبلاد قد وضعت على السكة.
لكن تبقى هناك مؤسسات قلما يتحدث عنها المعنيون بتتبع الشأن العام، ففي الوقت الذي تسلط الأضواء على «ريع» المناصب الحكومية والبرلمانية، هناك ريع آخر مسكوت عنه، ويتعلق الأمر بالمؤسسات الاستشارية ومؤسسات الحكامة، والتي تعتبر مرتعا لبعض السياسيين الذين ينعمون فيها بالامتيازات من المال العام، ومنها مؤسسات أصبحت مشلولة بعد انتهاء مدة انتداب أعضائها أو عدم إصدار القوانين الخاصة بها، حيث ينص الدستور الجديد على إحداث مجموعة من هيآت الحكامة والمجالس الاستشارية، كما ينص على إحداث تغيير صلاحيات مؤسسات قائمة الذات، لكن الحكومة وبعد مرور خمس سنوات من الولاية الحكومية المنتهية، مازالت لم تصدر القوانين التنظيمية المتعلقة بإحداث أغلب هذه المؤسسات أو ملاءمة وضعية المؤسسات القائمة مع الدستور الجديد.
ويتضمن الباب الثاني عشر من الدستور، تحت عنوان «مؤسسات وهيآت حماية الحقوق والحريات والحكامة الجيدة والتنمية البشرية والمستدامة والديمقراطية التشاركية»، على إحداث 10 مؤسسات، حيث صنف أربعا منها تحت اسم هيئات حماية حقوق الإنسان والنهوض بها، ويتعلق الأمر بالمجلس الوطني لحقوق الإنسان ومؤسسة الوسيط ومجلس الجالية المغربية بالخارج، والهيئة المكلفة بالمناصفة ومحاربة جميع أشكال التمييز، كما وضع الدستور هيئات الحكامة الجيدة والتقنين، ويتعلق الأمر بالهيئة العليا للاتصال السمعي البصري ومجلس المنافسة ثم الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، ووضع الدستور ثلاث هيآت تهتم بالنهوض بالتنمية البشرية والمستدامة والديمقراطية التشاركية، ويتعلق الأمر بالمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي والمجلس الاستشاري للأسرة والطفولة والمجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي، كما ينص الدستور على مجلسين خصص لهما حيزا مهما، وهما المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، والمجلس الأعلى للحسابات.
ومن بين هذه المؤسسات المهمة التي أصبحت شبه مشلولة، نجد المجلس الوطني لحقوق الإنسان، الذي انتهت مدة ولاية أعضائه المحددة في أربع سنوات، منذ شهر يونيو سنة 2015، وستنتهي مدة ولاية رئيسه إدريس الأزمي الذي يترأس كذلك المجلس الوطني للجالية، وأمينه العام محمد الصبار، والمحددة في 6 سنوات، خلال شهر مارس المقبل، وبذلك سيعيش المجلس الذي يعول عليه لتكريس ونشر ثقافة حقوق الإنسان داخل المجتمع، فراغا على المستوى المؤسساتي، كما هو حال مجلس المنافسة الذي اعترف رئيسه عبد العالي بنعمور بأن قرارته غير ذات جدوى، وهيئة محاربة الرشوة التي لا يكف رئيسها بودرار عن الاعتراف بتفشي الرشوة في كل القطاعات، وهما الرئيسان اللذان انتهت مدة انتدابهما.
وفي الوقت الذي ينتظر المغاربة من اليزمي والصبار تقديم حصيلة منجزات ست سنوات مما تحقق في مجال حقوق الإنسان، كانت المفاجأة صادمة، وهي أنه مع اقتراب نهاية ولاية الرئيس والأمين العام، أبرم المجلس عقد صفقة لتجديد حظيرة السيارات عن طريق التأجير على المدى الطويل، ويتعلق الأمر بسيارة مرسيديس آخر طراز مخصصة للأمين العام، تكلف شهريا حوالي 4 ملايين سنتيم، وسيارة فارهة من نوع «أودي 6» طراز 2017 مخصصة للرئيس، والعديد من سيارات من نوع «بوجو 508» طراز 2017، بالإضافة إلى سيارة من نوع «فورد» آخر طراز كذلك.
كما يتوفر رؤساء المجالس الجهوية لحقوق الإنسان المنتهية ولايتهم على سيارات رباعية الدفع، وفي المجموع تتوفر حظيرة سيارات المجلس على أسطول يتكون من 40 سيارة، تكلف حوالي 10 ملايين سنتيم شهريا، ويتعاقد المجلس منذ أربع سنوات مع نفس شركة كراء السيارات دون تجديد العقد عن طريق طلبات العروض.
وعلى نفس نهج تبذير المال العام، ترك المجلس مقره التاريخي بالقرب من مسجد الشهداء، وانتقل إلى حي الرياض الراقي حيث يكتري طابقين بتكلفة 70 مليون سنتيم شهريا، أي ما يعادل 840 مليون سنتيم سنويا، وسبق للمجلس الأعلى للحسابات أن برمج، خلال السنة الماضية، زيارة من أجل افتحاص ميزانية المجلس التي انتقلت من 50 مليون درهم إلى 83 مليون درهم، خلال السنوات الأخيرة، لكن هذه الزيارة تأجلت لأسباب غير معروفة.
أما المندوبية الوزارية لحقوق الإنسان التابعة بشكل مباشر لرئاسة الحكومة، فتحولت إلى ما يشبه وكالة أسفار، يتنقل أعضاؤها ما بين عواصم الدول، وخاصة الأوربية، مع ما توفره هذه السفريات من تعويضات سمينة والإقامة في أفخم الفنادق، أمام «مندوبها» الوزاري المحجوب الهيبة الذي يمكن أن تعثر عليه في القاعة الشرفية في المطار أكثر مما يمكن أن تجده في مكتبه، فالرجل أصبح يقيم بالخارج وخاصة في مدينة «جنيف» السويسرية أكثر مما يقيم داخل المغرب، إلى درجة أنه اختلط عليه الأمر، وقدم تقريرا خلال جلسة دستورية بمجلس النواب مكتوبا باللغة الفرنسية، وكأنها هي اللغة الرسمية للبلاد، وهي أكبر إهانة للمؤسسة التشريعية وللدستور الذي صوت عليه المغاربة.
وأضحى تحمل مسؤولية تدبير الشأن العام أو العضوية بالمجالس الاستشارية ومجالس الحكامة، مرتبطا بالأساس بطبيعة المنصب وقيمة التعويضات التي تمنح لصاحبه، أكثر من ارتباطها بالوظيفة والمهام التي تلقى على عاتق المسؤول، وهناك من يحمل أكثر من مسؤولية ومهمة انتخابية من أجل مراكمة التعويضات التي تصل إلى مبالغ تفوق تعويضات رئيس الحكومة نفسه، فهناك مثلا عدد من البرلمانيين بالغرفتين الأولى والثانية، بالإضافة إلى صفتهم البرلمانية، يتوفرون على صفات داخل المجالس الجهوية والجماعية، أو في مؤسسات دستورية أخرى، مثل المجلس الأعلى للتربية والتكوين والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، يحصلون منها على تعويضات تنضاف إلى تعويضاتهم البرلمانية.
وهناك مؤسسات استشارية، يستفيد أعضاؤها من تعويضات «خيالية» تتجاوز في بعض الأحيان أجور البرلمانيين والوزراء ورئيس الحكومة نفسه، ويحصل أعضاء المجلس الوطني لحقوق الإنسان، على تعويض قار قدره 16 ألف درهم شهريا، بالإضافة إلى تعويض عن كل اجتماع قدره 2000 درهم، بمعدل 10 اجتماعات في الشهر، وبذلك يحصل كل عضو شهريا على 20 ألف درهم تعويضا عن حضور الاجتماعات، أما إذا كان العضو أستاذا جامعيا، فتبقى له أجرته في حدود 20 ألف درهم، ويكون مجموع ما يحصل عليه هو مبلغ 56 ألف درهم في الشهر، وهو ما يعادل أجرة وزير في الحكومة.
أما بالنسبة لرئيس اللجنة الجهوية، فيحصل على تعويض قدره 20 ألف درهم باعتباره رئيسا، و10 آلاف درهم باعتباره عضوا في المجلس، بالإضافة إلى تعويض ألفي درهم عن كل اجتماع، وإذا كان أستاذا جامعيا، مع الاحتفاظ بأجرته، يحصل رئيس اللجنة على 60 ألف درهم، وهو ما يعادل تقريبا أجرة رئيس الحكومة.
أما أعضاء المجلس الاقتصادي والاجتماعي فيحصلون على تعويضات قد تصل إلى ثلاثة ملايين شهريا، ويستفيد منها كل الأعضاء، حيث يتقاضى أعضاء المجلس تعويضا عن حضور أشغال الجمعية العامة للمجلس بمبلغ 12900 درهم يؤدى مرة في كل شهر، والتعويض الجزافي الخاص بأعضاء المكتب ورؤساء اللجان بمبلغ 3600 درهم عن كل يوم عمل، والتعويض الممنوح لمقرري اللجان ونواب رؤساء اللجان ومقرريها ومنسقي اللجان المؤقتة ومجموعات العمل الخاصة بمبلغ 2900 درهم عن كل يوم عمل، والتعويض عن المساهمة في أشغال اللجان الدائمة والمؤقتة ومجموعات العمل يحدد مقدراه في 2200 درهم شهريا، ويمكن أداء هذه التعويضات مرتين في الأسبوع.
وخلال الولاية الحكومية المنتهية، وقع رئيس الحكومة، عبد الإله بنكيران، على مرسوم يتضمن تعويضات «سمينة» لأعضاء المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، رغم أن أغلب الأعضاء يتقاضون أجورا من مناصب أخرى، ومنهم أعضاء بغرفتي البرلمان، وتقارب هذه التعويضات مبلغ 6 ملايين سنتيم لكل عضو بالمجلس مقابل إنجاز بعض المهام المنوطة بهم، بمعدل 3500 درهم عن كل يوم عمل.
وخصص بنكيران تعويضات كبيرة لأعضاء المجلس مقابل الحضور في اجتماعات المجلس واللجان الدائمة وإنجاز التقارير، بحيث سيمنح تعويضا جزافيا خاما، خاصا بإنجاز التقارير التي يعدها أحد أعضاء المجلس، ما بين 14 ألفا و285 درهما، كحد أدنى، و57 ألفا و142 درهما، كحد أقصى، كما يستفيد أعضاء المجلس أثناء سفرهم في مأمورية خارج الوطن من تعويض يومي قدره 2500 درهم، و1000 درهم بالنسبة للمهام داخل المغرب، وتتحمل ميزانية المجلس مصاريف الإقامة بالنسبة للأعضاء الذين تبعد إقامتهم الرئيسة عن الرباط بأكثر من 50 كيلومترا، بمناسبة حضورهم أشغال المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، بمن فيهم الأعضاء المقيمون بالخارج، ويستفيدون كذلك من تحمل ميزانية المجلس لمصاريف التنقل، أو من التعويضات الكيلومترية، كما يستفيدون من النقل الجوي داخل المغرب أو خارجه.
«وخدم نتا».

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة